الاثنين، 9 يونيو 2008

زيارة "نيكولا الصغير" لبيروت كمعبر الى الشام: خلاصات لبنانية سبع

Sphere: Related Content
9/6/2008
زيارة "نيكولا الصغير" لبيروت كمعبر الى الشام: خلاصات لبنانية سبع
هل لا يزال "فهم الشرق المعقّد بأفكار بسيطة" صالحا لمقاربة علاقة باريس بطهران ودمشق؟

تحليل فرنسي: دمشق هي الضحية الكبرى لأحداث بيروت وطلاقها مع طهران حاصل!
"القيادة السورية تنفتح على سنة الداخل وتتشدد في لبنان وتتحالف مع تركيا الجديدة"


دشّن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في القصر الجمهوري السبت في السابع من حزيران (يونيو) اولى الزيارات الرئاسية الرسمية، بعد غياب في القصر استمر طيلة اعوام التمديد الثلاثة وعلى امتداد اشهر الفراغ الستة. ومع هذه الزيارة الفرنسية، عادت الروح الى القصر، وعاد القصر الى الجمهورية. لكن الزيارة لم تقتصر على طابعها الرمزي في الشكل، بل ارادها وريث الديغولية منصة لرمزيات اخرى اكثر من شكلية، فوزع رسائل في اكثر من اتجاه. وثمة من قال ان قلب ساركوزي كان في بيروت في حين ظلت عينه على الشام.

يصف الوزير مروان حماده المواقف التي أطلقها الرئيس الفرنسي بأنها "خطاب ثان للقسم"، مشيراً إلى أن "الزيارة وما تخللها من لياقات سياسية وديبلوماسية في قصر بعبدا أظهرت أن بعضاً من الإحترام والوهج بدأ يعود شيئاً فشيئا الى الدولة". ويقول إن لمباحثات ساركوزي، كأول رئيس دولة غير عربي يصل إلى بيروت، أهمية خاصة. "إذ انه جاء ممثلاً مجتمعاً حضارياً ويتمسك بلبنان نموذجا حضاريا وتعدديا. وكانت له لفتات في الحديث على طاولة الغذاء في بعبدا مع كل من محمد رعد ووليد جنبلاط وسمير جعجع وسعد الحريري، كأنه يريد أن يؤكد ضرورة التوافق على الحكومة كمقدمة الى الوفاق حول الأمور المركزية الكبرى كالسياسة الدفاعية والعلاقات مع سوريا". ويلفت إلى أن "لفرنسا دورا أرادت أن تبتكره وهو ملتزم القضية اللبنانية والمسوق لها لدى دمشق". ويرى أن "كل الأمور تدل على أن هناك عودة الى الدور الفرنسي في المشرق العربي، وهو دور يتميز عن الدور الأميركي".
من الواضح ان الرئيس الفرنسي ضمّن الزيارة وخطابيه في المطار ثم في بعبدا مجموعة من الخلاصات التي ترك للمسؤولين التمحص فيها:
-هو اولا اكد الرغبة في الاستمرار في مساعدة المؤسسة العسكرية، ضمن إطار إستراتيجية دفاعية واضحة لا يستقيم نقاش او حوار من دون تظهيرها من دون مواربة او تذاك.
-وهو ثانيا كرر الرغبة في البقاء سندا للبنان وجعل المحكمة الدولية خارج اي اطار "صفقاوي" او تفاوضي.
-وهو ثالثا ابدى الرغبة والقدرة على تسوية العلاقة اللبنانية – السورية ضمن المصالح المشتركة، ولكن ايضا في اطار ضوابط استقلالية وسيادية، في التقاء كامل مع الندية التي دعا اليها الرئيس سليمان في خطاب القسم.
وترى اوساط في الغالبية ان الساعات الفرنسية الخمس، على أهميتها في الشكل، كانت أكثر أهمية في الجوهر. ذلك أن ساركوزي الذي يريد "تثمير" اسهام القيادة السورية في إنجاز الإنتخابات الرئاسية في لبنان، رسم اربعة عناوين رئيسة لا يمكن القفز فوقها:
أ-السيادة الناجزة المتكئة على دولة مركزية مؤسسية.
ب-اعادة التأكيد على محورية المحكمة الدولية الخاصة وجعلها خارج نطاق اي مقايضة.
ج-تصليب فقرية الجيش اللبناني فيكون الحامي الاول، في اطار استراتيجية دفاعية ناجزة تلي تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا،
د-ايلاء الشأن الاقتصادي اللبناني اهمية قصوى: استراتيجيا من خلال تجديد اهمية مسار باريس 3، ومرحليا عبر ايكال مهمة مركزية لرئيس وزرائه من خلال وضع خطة دعم ملح وعاجل.
البوابة الى سوريا، ولكن
بالنسبة الى بعض المراقبين، كانت زيارة ساركوزي للبنان مجرد زيارة تضامن، لأنها في الحقيقة شكلت له معبراً الى انفتاح فرنسي على سوريا، خصوصاً ان الرئيس الفرنسي شدد على ان تكون للبنان علاقات ممتازة مع جيرانه، ومن اولى وابدى اكثر من الجار السوري، والذي تريد فرنسا مشاركته في الاتحاد المتوسطي الموعود.
وساركوزي الراغب بزيارة دمشق قريب، جعل مهمة الامين العام للرئاسة كلود غيان ومستشاره الديبلوماسي جان دافيد ليفيت في دمشق تمهيدية لهذه الزيارة. وتنتظر القيادة السورية ان يسعى لديها غيان وليفيت إلى بلورة صيغة لتوسيع دائرة الحوار الثنائي، على رغم الموقف السلبي الذي تتخذه الإدارة الفرنسية من ايران.
في المعلومات ايضا ان وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير سيلتقي مجددا في باريس نظيره السوري وليد المعلم في الثالث أو الرابع من تموز (يوليو) في خلال الاجتماعات التحضيرية لقمة "الاتحاد من أجل المتوسط" المقرر عقدها في الثالث عشر من الشهر نفسه، في حين سربت دمشق ان زيارة الرئيس بشار الأسد لباريس للمشاركة في هذه القمة لا تزال غير مؤكدة، بسبب التحفظات السورية عن عدد من عناصر مشروع الاتحاد. ويجري في السياق عينه الإعداد لتسمية سفير سوري في باريس، تردد انه قد يكون السفير السابق في لندن سامي الخيامي، وسبق ان رشحته دمشق بشكل غير رسمي قبل الانهيار الدراماتيكي في علاقتها مع باريس.
اذن، اراد ساركوزي ان يعبر الى دمشق من بوابة بيروت، لكن هل صحيح انه تسرّع في اعادة وصل ما انقطع مع القيادة السورية، وفي الافصاح صراحة وعلنا عن رغبته في "تطبيع" هذه العلاقة؟
الشرق المعقد: طلاق غير ملحوظ
للجنرال شارل ديغول "حكمة" طالما اهتدى بها ورثته على رأس الجمهورية الفرنسية: "لكي نفهم الشرق المعقّد، ينبغي الإنطلاق من أفكار بسيطة". فهل لا تزال هذه المقاربة صالحة للوريث الديغولي، الذي يناديه الفرنسيون - تحببا - "نيكولا الصغير"؟
قبل اقل ايام من زيارة ساركوزي لبيروت، كتبت "لو فيغارو" (في الاول من حزيران / يونيو) مقالا تحليليا عن سبل تعاطي باريس مع التطورات المعقدة في "اقليم" الشرق الاوسط، عنونته "الطلاق غير الملحوظ بين إيران وسوريا"، وبدأته بنقض كامل لـ "حكمة" ديغول.
قالت الصحيفة: "لكي نفهم الشرق المعقّد لا ينبغي لنا دائماً، وعلى الضدّ ممّا كان يعتقد الجنرال ديغول، الإنطلاق من أفكار بسيطة.
كان التطرّف القومي البعثي في سوريا والتطرّف الإسلامي لنظام الحكم الإيراني متلاقيين إن لم يكونا متطابقين. ولكن مع تصويب كلّ من سوريا وإيران لسياستيهما في اتجاه أكثر براغماتية، أو حتّى أكثر اعتدالاً، فُقِد التلاقي بين نظامي الحكم المذكورين مع أنهما يتبنيان تحليلات متشابهة.
فمن جهة، يؤدي الصعود المتزايد للمحافظين البراغماتيين المتحالفين مع التقدميين في إيران إلى تعزيز نظام الحكم الشيعي الموالي للأميركيين في العراق وإلى خيار السياسة التوفيقية في لبنان. لا هذا ولا ذاك يرضيان سوريا. فعوض أن يؤدي الأمران إلى تعزيز تحالفٍ تكتيكي مستحيلٍ بين علمانيين سلطويين سوريين وبين فاشية إسلامية إيرانية، فإننا نشهد انحياز دمشق إلى سياسة براغماتية أخرى تبقي على تشدّدها حيال لبنان لكنّها تختار الانفتاح على الغالبية السنية داخل سوريا، والتحالف الاقتصادي الاستراتيجي مع تركيا الجديدة، والتهدئة المشهودة مع إسرائيل، وهو أمر لا يُرضي إيران اليوم. مما لا شكّ فيه أنّ كلا من البلدين، أي سوريا وإسرائيل، سيجري في آخر المطاف بعض التصويبات في مساراته الراهنة وسيواصل السير في اتجاه الحوار مع باقي بلدان العالم. ولكن في الأثناء يكون الطلاق السوري - الإيراني قد تمّ فعلاً حتّى دون ان يتذكّر أحدهما ما الأسباب الفعلية التي دعت إلى مثل هذا الطلاق".
لبنان ذو الغالبية الشيعية
اضافت الصحيفة: "لندخل قليلاً في تفاصيل هذه القطيعة التي تعنينا.
لبنان يوشك اليوم، وبفعل دينامية ديموغرافية لا رادّ لها، على التحوّل دولة ذات غالبية شيعية. فنحن نرى، منذ اليوم، أنّ الكتلة الشيعية التي يلتحق بها لأسباب انتهازية بعض المسيحيين بقيادة الجنرال (ميشال) عون، تواجه كتلة مقابلة تشمل كل القوى الأخرى (من مسيحيين ودروز وسنّة). وفي أعقاب اشتباكات دامية في بيروت يقبل الشيعة بانتخاب رئيس ماروني مستقلّ عن سوريا مقابل منحهم حقّ نقض القرارات الحكومية في تشكيلة حكومة وحدة وطنية.
إنّ مثل هذا الواقع قد يستمرّ لفترة طويلة: فلا "حزب الله" ولا إسرائيل يستعجلان نشوب حرب بينهما كما في السابق. كما أن الدروز والمسيحيين غير مهدّدين بوجودهم. أما إيران، التي تبحث بفارغ الصبر عن منفذ لها على المتوسّط للخروج من واقع إغلاق البحرية الاميركية الخليج الفارسي، فحظيت بنسبة نفوذ تقارب الخمسين في المئة في دولة لا تقوى على العيش اقتصادياً إلاّ بوفاق جميع طوائفها.
لكن سوريا هي الضحية الكبرى في ما جرى، فقد خسرت موقعها المسيطر منذ ما يزيد على الربع قرن من الزمن في بيروت. ولكي تثأر لنفسها أعلنت عن مباحثاتها السريّة مع إسرائيل.
هكذا يُفهم التقارب بين سوريا والإسلام المعتدل الحديث الذي يسيطر على تركيا اليوم، والذي يوازن التقارب البارز بين شيعتي العراق وإيران.
لذا فإننا ما زلنا بعيدين جداً عن سلام فعلي في المنطقة. غير اننا بتنا بعيدين أيضاً عن "مشهد الرؤيا" الذي كان الجميع يتوقّعه. ولكن يبقى أن تشاء سخرية القدر لحكومة أولمرت، التي وُصفت بأنّها الأسوأ في تاريخ إسرائيل، أن تكون هي التي أطلقت بوادر التسوية من طريق التفاوض مع سوريا والتلويح بإعادة الجولان".
فعلا، ثمة من لا يزال يعتقد انه قادر على فهم الشرق المعقّد بأفكار بسيطة!

طلال عساف

ليست هناك تعليقات: