الثلاثاء، 1 يوليو 2008

حكومة الوحدة في مأزق الرهان على "حربين" داخلية وخارجية!

Sphere: Related Content
مقاربتان متقابلتان في تفسير تعثر الملف الحكومي وتوسع التوتير الامني
حكومة الوحدة في مأزق الرهان على "حربين" داخلية وخارجية!

المعارضة: الموالاة فشلت تكرارا في الاحاطة بقدرة عون على التفاوض
الموالاة: المعارضة تخيّر الحريري بين التحالف مع السلفية او طرابلس الثمانينيات

طلال عساف
ينشر في مجلة الاسبوع العربي في 7/7/2008
تتعدد التفسيرات والتحليلات في مقاربة التعثر في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، على الرغم من ان شخصيات رفيعة شاركت في مؤتمر الدوحة، لم تخف توقعها وهي كانت لا تزال في العاصمة القطرية ان الاتفاق سيتعثر حكما عند بدء البحث في البند الثاني منه المتعلق بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. لكن لهذه العقدة اوجه عدة محلية واقليمية، تكتيكية واستراتيجية.
يشرح قيادي مسيحي في المعارضة وجهة نظر هذا الفريق التي جعلته يتهم قوى الرابع عشر من آذار (مارس) بعرقلة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتأخيرها. فيرى ان الموالاة ابتدعت العراقيل وتفننت في نسف الصيغ المتعدّدة التي قبلت بها قوى المعارضة الوطنية وصولا الى تراجع الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة فؤاد السنيورة عن المسودة الحكومية الأخيرة على الرغم قبول رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون الذي بلغ تساهله حدّ التنازل عن الحقيبة سيادية، هي حق غير قابل للنقاش لثاني اكبر كتلة نيابية بعد كتلة تيار "المستقبل"، والاولى في التمثيل المسيحي، والماروني تحديدا.
ويلفت الى ان الموالاة سعت بخبث الى توظيف تنازل العماد عون عن الوزارة السيادية منطلقاً الى مطالبته بالمزيد من التنازلات، تماماً كما فعلت إبان معركة رئاسة الجمهورية حين وظفت تنحّيه عن الترشح كي تتجاهل "السلّة" الإصلاحية التي شكلت في حينه ولا تزال تشكّل الحلّ الشامل للأزمة.
لذلك لا يخالج المعارضة شك في ان ثمة مواجهة بين نهجين وفلسفتين في ممارسة العملين الوطني والسياسي: نهج الوضوح والثبات، ونهج التقليد القائم على المراوغة والتقلّب والرؤية المعطوبة والمجتزأة التي تنحاز الى الجزئي في التطرق الى مشكلة ما، وتهمل الكليّ.
ويعتبر ان مقاربة القيّمين على إعداد الطبخة الحكومية اظهرت عدم احاطة كاملة في المبادئ الأساسية التي يعتمدها العماد عون في التفاوض والتي تقوم على ان يرفع بالتدرج سقف مطالبه كلّما انقلب الخصم على عرض ما، وهو ما يفسر عودة التكتل الى المطالبة بوزارة سيادية فور تراجع السنيورة عن السلة التي كان من المفترض ان تعطي العماد عون حقيبة اساسية (وزارة الاتصالات) وحقيبة خدماتية (وزارة الاشغال)، اضافة الى الحقائب الاربع الاخرى.
مأزق القراءة الخاطئة
ويرى القيادي مجموعة من العوامل التي تجعل الموالاة في مأزق الرهان على قراءة خاطئة للسياق الحقيقي للاحداث محليا واقليميا، تؤدي بها بإستمرار الى ممارسة مغلوطة، اليوم كما في ربيع العام 2005، عندما آثرت الموالاة في حينه اقصاء العماد عون من الحكومة، مفضّلة منح حصته الى رئيس الجمهورية الذي قالت وتقول فيه ما لم يقله مالك في الخمرة:
-فتوهم طباخو الموالاة أن العماد عون علق في نفق ما بعد إتفاق الدوحة، فتعاملوا معه على ان لا مخرج له سوى الهروب إلى الأمام بمنحها مزيد من التنازلات، والهدف المركزي تحجيمه وتياره العريض في حكومة ستحوّلها الموالاة اشبه بقفص مفخخ. وغاب عن هؤلاء الطباخين أن العماد عون يتمتع بسليقة سياسية مميزة صقلتها خبرته العسكرية في الالوية القتالية كما على رأس قيادة المؤسسة العسكرية، تجعله قادرا على ابتكار المخرج والاحتفاظ به الى التوقيت الصحيح، مع وضع خطط بديلة عدة تطرح عند اي طارئ.
-وظنوا ان في مستطاعهم توظيف الملف الامني لتأخير تشكيل الحكومة او جعله ورقة ضاغطة لتحسين الموقع التفاوضي للموالاة. فالتوتير المذهبي في المناطق المختلطة في البقاع الاوسط وطرابلس وعكار اي على امتداد خطوط "نقاط النار" مع الحدود السورية معطوفا على تسويق الإنتشار المسلّح لـ "حزب الله" في تلال كسروان وجبيل المسيحيتين، رمى منه هذا الفريق العودة الى لغة " الولايات والمقاطعات المذهبية المفدرلة" من جهة، واثارة القلاقل في سوريا من خلال جعل قيادتها تعيش هاجس انتقال عدوى المذهبية والحمية السنية. غير ان واقع الحال والاستطلاعات اظهرت ان غالبية الشريحة السينة والمسيحية في المناطق المستهدفة نبذت العنف الفتنوي والتطرف المذهبي، في حين يدرك المتابعون للتطور المجتمعي والسوسيولوجي للطبقات السورية الشعبية والبورجوازية (فئة التجار ورجال الاعمال وهم من غالبية سنية) ان المجتمع السوري (ما خلا "الاخوان المسلمون") اقرب ما يكون الى فكرة الدولة المدنية، وهو ما يفسر الغربة التي يعيشها النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام على الرغم من كل محاولاته (في تحالفه مع الاخوان) التحريض على النظام من خلال اثارة الحمية السنية.
-ولا تغفل المعارضة استمرار رهان الموالاة على ان يؤدي التفاوض الاسرائيلي – السوري واثارة واشنطن ورقة مزارع شبعا واطلاق الاسرى من السجون الاسرائيلية، الى ما ترغبه واشنطن من فصل بين طهران ودمشق من جهة، وبين "حزب الله" ودمشق من جهة ثانية، واذذاك يشرّع للموالاة استهداف مباشر جديد مزدوج لسلاح المقاومة ولـ "التيار الوطني الحر"، على خلفية اتهام التيار بأنه ورقة التين التي تغطي عورة سلاح فقد شرعية استمراره. وهذا الخيار تنظر اليه المعارضة على انه حرب معلنة لا غضاضة او مفر من خوضها بكامل شروطها وعناصرها.
- كما ان المعارضة لا تغفل ان مماطلة الموالاة في الانتقال الى البندين الآخرين في اتفاق الدوحة (الحكومة وقانون الانتخاب) موثوقة برهانات على موقع سياسي وربما عسكري متقدم ستتيحه لها ضربة اميركية – اسرائيلية على ايران او رضوخ طهران الى شروط التسوية تحت تأثير التهديدات. ومثل هذا الرهان لم يتوقف على الرغم من كل الايحاءات المعاكسة.
العودة الى الرهان الايراني
ويرى القيادي ان الموالاة تعزز قراءتها لجهة تزايد احتمال استهداف المفاعلات النووية الايرانية، بالاعتماد على تنامي الحديث عنها في الصحف الاسرائيلية والاميركية التي حفلت في الاسبوعين الفائتين بالتحليلات العسكرية التي تستزيد في شرح ايجابيات هذا الاستهداف، وصولا الى استقبال رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت في لقاء سري للغاية يوم الجمعة في العشرين من حزيران (يونيو) مع الجنرال أفيام سيلا مهندس الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي "أوزيراك" في العام 1981، خصص للبحث في "احتمالات توجيه ضربة عسكرية لمنشآت نووية إيرانية". ووجد اولمرت نفسه مجبرا على الاعتراف باللقاء بعدما كشفت تفاصيله صحيفة "معاريف" على الرغم من أنه ذهب إلى أبعد من إخفاء تفاصيل لقائه بآفيام سيلا، اذ آثر عدم تدوينه في مفكرته الشخصية. كما يأتي خبر اللقاء بعد أيام قليلة من تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز" يتحدث عن تنفيذ مئة طائرة إسرائيلية مناورة ضخمة في أجواء الحوض الشرقي للبحر المتوسط والمجال الجوي اليوناني للتدرب على قصف أهداف تبعد عن إسرائيل 900 ميل، أي المسافة نفسها بين اسرائيل وإيران.
وقالت صحيفة "واشنطن تايمز" إن الجنرال سيلا هو من ابتكر تقنية تزويد الطائرات الحربية بالوقود أثناء تحليقها في الجو، وكان مرشحا الى تولي منصب رفيع بسلاح الجو قبل تورطه في فضيحة الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد المحكوم بالسجن المؤبد في الولايات المتحدة على خلفية إدانته بسرقة أسرار أمنية تخص الاستخبارات الأميركية لمصلحة إسرائيل.
توظيف السلفية في خدمة المعارضة
في المقابل، يرى قيادي بارز في قوى الرابع عشر من آذار (مارس) ان تعكير المعارضة الملف الامني من خلال التوتير في البقاع والشمال، يرمي الى التأثير في أسس تشكيل الحكومة الجديدة والتحضير الى الانتخابات النيابية المقبلة، والى تفريغ اتفاق الدوحة وجعل تنفيذه وفقا لموازين قوى ميدانية تناقض المضمون التوافقي في الاتفاق، تماما كما حصل عند التطبيق السوري لاتفاق الطائف.
ويشير الى ان الاعوام الثلاثة الفائتة تميزت بسعي سوريا وحلفائها الى تغيير موازين القوى السياسية باغتيالات استهدفت النواب المنتخبين والوزراء وقادة الرأي، في حين أن المرحلة الراهنة والأشهر المقبلة الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية المقبلة تتميز بدأب سوريا وحلفائها في تغيير موازين القوى السياسية عبر استهداف القوى الناخبة والناخبين.
ويزيد القيادي أنه مع الاتفاق على الدوائر الانتخابية في الدوحة، بدأت المعارضة، بدعم سوري – إيراني، عملية أمنية عسكرية على مراحل ترمي الى التحكم بالقوى الناخبة في الدوائر الخارجة عن النفوذ المباشر لتحالف الثنائية الشيعية (حركة "أمل" وحزب الله") في الجنوب والبقاع الشمالي (دائرة بعلبك – الهرمل) حيث تعتبر نتائج الانتخابات شبه محسومة لقوى المعارضة ، من دون أن يكون حجم الحسم فيها كافيا لتغيير موازين القوى القائمة على المستوى الكليّ.
ويقول ان استهداف المفاتيح الانتخابية لتيار "المستقبل" في بيروت والمضايقات التي يتعرض لها أنصاره في العاصمة تسعى في الحد الاقصى الى ترويع الناخبين على نحو يجبرهم على التخلي عن ولائهم الى النائب سعد الحريري، وفي الحد الادنى اعاقتهم عن الناشط السياسي – الانتخابي على مستوى القواعد، بحيث تفتر الحماسة في التحضير الى الانتخابات وصولا الى عدم المشاركة فيها، ما يتيح للمعارضة ظروف فضلى لخوض الانتخابات التشريعية في بيروت بيسر وارتياح. وكذلك الامر بالنسبة الى البقاع الأوسط، فالمعارك في سعدنايل وتعلبايا ترمي الى شل قدرة الناخبين السنة على حسم المعركة الانتخابية في دائرتي زحلة والبقاع الغربي – راشيا. اما في الشمال فالتوتير بغرض إضعاف تيار "المستقبل" عبر فتح الطريق امام عودة السلفية والتنظيمات الجهادية تحت شعار الدفاع عن أهل السنة، ما سيسمح الى المتطرفين بكسب شعبية واسعة. وعندها سيضطر تيار "المستقبل" الى التحالف مع السلفية على ان يكون الثمن السياسي شراكتها مع التيار في القرار السياسي السني والوطني، وفي ذلك نجاح للمعارضة في تقليص زعامة الحريري. وسيمنح تحالف الضرورة هذا خدمة الى العماد عون في معركته المسيحية عبر جعلله عنونان لاخافة المسيحيين. اما اذا رفض تيار "المستقبل" التحالف مع السلفية واخواتها ذات الشعبية المتنامية على خلفية عنوان "الدفاع عن اهل السنة والجماعة"، فستتآكل قواعد "المستقبل" ويصبح على مشارف الانتخابات تيارا بلا قواعد، كخطوة اولى لجعله كتلة بلا نواب. وثمة في المعارضة من لن يهنأ قبل ان يتحقق له عصر سلفي بقمقم مفتوح على نموذج ثمانينيات طربلس ... وربما حماه!

ليست هناك تعليقات: