الأحد، 15 نوفمبر 2009

Sphere: Related Content


المسافة بين قشلة السلطان وقصر المهاجرين موزونة على سرعة البيان الوزاري

سعد الحريري في السرايا: استثناءُ الشخص والإرث والاستمرار

حكومة ثلثيّ العهد وكل الولاية .. جهد لا يريد احد تكراره

لبنان محكوم بملاقاة نسق الرباعية الاقليمية الجديدة

ينشر في "الاسبوع العربي" في 23/11/2009

سعد رفيق الحريري، في السرايا الكبيرة، التي كرّسها السلطان عبد العزيز مركزا لحكم لبنان في نهاية القرن التاسع عشر، ورممها الرجل ذو الحذاء الذهبي، على ما سماه عمر اميرلاي في وثائقي أرّخه رفيق الحريري نفسه بصوته وديناميته. سعد الاول في السراي حدث قائم بذاته، فالرجل استثنائي في دخوله (اقحامه؟) السلطة، واستثنائي لكونه اول نجل رئيس الحكومة "يرث" مقعده او سراياه، واستثنائي لكونه منع مفاعيل شطب والده جسديا، لا بل أمّن استمرار الشخص والارث والعائلة.

بين سرايا السلطان (او القشلة وفق التسمية البيروتية اوائل القرن التاسع عشر) الرابضة على تلة تتوسط بيروت، وبين قصر المهاجرين الرابض على الجبل المطل على عاصمة الامويين، مسافة تقطع بسرعة إقرار البيان الوزاري لأولى حكومات سعد الحريري (الاول).

يبدو الاستحقاق قريبا جدا: سعد بن رفيق الحريري في دمشق يقطع مسافة، خُيِّل لكثر انها كانت تقاس بالسنوات الضوئية! لكن للضرورات احكامها وآليات عمل تبدو، في احيان ظاهرة، شاذة، لكنها في واقع الحال خليط من التاريخ والجيو سياسة والحقائق المُرة التي قبِل الحريري ان يتجرعها منذ ان قرُبت منه رئاسة الحكومة، ومنذ ان قرر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز فتح صفحة جديدة من الوئام العربي تمحي 4 اعوام عجاف، والاهم تمحي خصوصا لقاء الدقيقتين والكلمتين، بين الزعيمين في احد المطارات السعودية، ربيع العام 2005!

اذن، شُكلت الحكومة وسلك لبنان طريقا مستقيما بغطاء عربي ومظلة دولية، و... برعاية سورية تنبئ بعودة من الباب الواسع.

ازمة بحجم تاريخ!

لم يشهد لبنان أزمة حكومية على غرار الأزمة الاخيرة، باستثناء تلك التي حصلت في العام 1969 في أعقاب الصراع الذي اندلع في لبنان عشية دخول الجماعات المسلحة الفلسطينية إلى أراضيه وإقتطاعها إمارات لمصلحة "العمل المقاوم"، وتسببها في أحداث دموية بعد تظاهرات جرت في الثالث والعشرين من نيسان (أبريل)، ولم تنته إلاّ بعد توقيع اتفاق القاهرة في تشرين الثاني (نوفمبر) بإشراف الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهو اتفاق أعطى الجماعات الفلسطينية آنذاك الحق بالعمل المسلح ضد إسرائيل انطلاقا من الأرض اللبنانية.

لم يكن تشكيل حكومات لبنان منذ استقلاله معزولا عن التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية. لكن التدخل تفاوت وفق طبيعة المعضلات ومدى علاقتها بالأزمات والتطورات المحيطة.

الازمة الاخيرة وجه من وجوه تناسل الازمات على امتداد الجمهوريتين، بدأت منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل أربعة اعوام، وما أعقبها من انسحاب للجيش السوري، مرورا بالحرب الإسرائيلية في تموز (يوليو) 2006، وصولا الى احداث الخامس والسابع أيار (مايو) 2008، وكلها أحداث وصلت الواقع اللبناني بحبال غليظة مع ما يحيط به، وجعل الحياة السياسية اللبنانية اسيرة المدار الخارجي، وصنيعته في احيان كثيرة.

حكومة ثلثا العهد

تبدأ حكومة سعد الحريري عملها الفعلي بعد عيد الاستقلال الذي حُدد مهلة حث لانجاز البيان الوزاري ومثولها امام البرلمان لنيل الثقة، على ان يدشّن الحريري مهامه بجولة خارجية تشمل (وربما تبدأ) من سوريا، المحطة الاكثر اثارة في تظهير المشهد الآتي.

ثمة انطباع واسع بأن حكومة الحريري ستكون حكومة ثلثا عهد ميشال سليمان، وحكومة كامل ولاية المجلس النيابي. شُكلت على هذا الاساس، ودُعّمت لتتحمّل مشاق اربع سنوات آتية.

اصلا، لا يتحمّل لبنان مخاض يشبه مخاض الاشهر الخمسة الفائتة، ولا تحتمل الرعايات القريبة والبعيدة مشقّة كالتي قبلت -صاغِرة- ان تتحملها في سبيل تظهير اولى حكومات الحريري الابن. فلا الاولويات الغربية في المنطقة تلحظ مشاكل لبنان وجزئيات صراع السلطة فيه، ولا الاولويات العربية راغبة في ان تكون مساحة لا تتعدى مساحة مدينة او صحراء، سببا متجددا لخلافات وانقسامات وتشوّهات.

وثمة انطباع واسع ايضا ان دمشق كان لها البارع الاطول في تشكيل الحكومة، تسهيلا وربما ضغطا على حلفاء لوقف استنزاف سعد الحريري الذي من شأنه، في حال استمراره، ان ينسحب ترهلا في الحكومة الوليدة وضعفا غير مبرر في السلطة الاجرائية التي تنتظرها استحقاقات كثيرة، ترغب دمشق في ان تتصدى لها حكومة لبنانية قوية وصلبة!

الصحيح الاكثر اصحاحا ان تطورات لبنان تسير وفق الساعة الإقليمية ولا وقت لحسابات صغيرة او شخصية.

بعد زيارة الرئيس العماد ميشال سليمان الى دمشق، بفارق ساعاتٍ عن تشكيل الحكومة الجديدة، وبعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى باريس، بفارق أيام عن مغادرة بنيامين نتنياهو عاصمة الاضواء، بات واضحا أن التطورات اللبنانية تندرج ضمن التوقيت الإقليمي، وتتمُّ وفق ساعة الخارج، حصرا.

فالاقليم كله من ادناه الى اقصاه، على فوّهة استحقاقات جذرية، من الرغبة الجادة في إنجاح مساعي التسوية وإعادة إطلاق مسارات التفاوض (وعواقب فشلها؟)، الى معالجة النقاط المتوترة في العراق وافغانستان وباكستان واليمن وايران.

القمة والنسق الاقليمي الجديد

ويرى ديبلوماسيون أن القمة اللبنانية - السورية الخاطفة جاءت لمواكبة التطورات المرتقبة على المساحة الاقليمية، وخصوصا وسط تأزم في اكثر من اقليم ومحور، وفي ظل اصرار اوروبي – اميركي على تحريك مياه التسوية السلمية. لذا من المتوقع ان تفعّل بيروت ودمشق تشاورهما وخصوصا على مستوى التنسيق في التعامل مع التطورات في كل ما يتعلق بمساعي السلام الجارية او المزمع اجراؤها، بحيث تكون العاصمتان على تماس مباشر مع مقتضيات النسق الاقليمي الجديد على مستوى رباعية دمشق والرياض وانقرة وطهران، المحور الجديد الفاعل الذي سيعيد رسم الكثير من الخرائط السياسية.

وعلى هذا الأساس، تتطلع الرباعية الاقليمية الجديدة الى أوراقها الممكنةِ والمرجِّحة. فالمملكة العربية السعودية تحضِّر لتحريك مبادرة السلام العربية، وسوريا تتموضع على خط الانطلاق مجدداً بالتفاوض غير المباشر مع اسرائيل، وتركيا تستعد لوثبات عملاقة، وايران تراقب وتترقّب، فيما إدارة باراك حسين أوباما تجسُّ النبضَ في المسارات غير الفلسطينية، وتحديد المساران اللبناني والسوري.

ويعتبر الديبلوماسيون ان لا مفر للبنان، حيال هذه التطورات المرتقبة والقفزات النوعية المتوقعة، من اعادة التأسيس في مشروع الدولة، بمؤسساتٌ وإدارة صالحة، بحيث تكون قادرةً لحظة الاستحقاق الإقليمي، على مواجهة التحديات المطلوبة منها، سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وفي شتى المجالات.

ويلفت الديبلوماسيون الى ان القمة اللبنانية – السورية التأمت في ظل ظروف جديدة مساعدة مختلفة تماما عن أجواء قمة آب (أغسطس) 2008 التي أرست قواعد جديدة للعلاقة اللبنانية - السورية. وتختصر هذه المتغيرات في ثلاث مصالحات:

-المصالحة الدولية مع سوريا بعد مراجعة ايجابية للدور السوري في لبنان، بعد اتفاق الدوحة.

-المصالحة السورية - السعودية التي انعكست انفراجا لبنانيا، وشكلت عاملا مساعدا في تسريع وتيرة العلاقة السورية -اللبنانية، كما اتاحت للبنان الدخول مباشرة على خط تفاهمات عربية واقليمية تمثل سوريا شريكا أساسيا فيها.

- المصالحة اللبنانية مع القيادة السورية، وهي تُختصر بمصالحة سعد الحريري ووليد جنبلاط، في مؤشر حاسم الى طبيعة المرحلة المقبلة وتحولاتها، ان على صعيد دور سوريا في لبنان وعلاقتها بأطرافه، أو على صعيد التوازن السياسي الداخلي الذي سيغادر تدريجيا مرحلة الانقسام الحاد بين معسكرَيْن يقْربان ان يقتصرا على عسكر بلا ضباط!

الأحد، 8 نوفمبر 2009

Sphere: Related Content

في عشرينية الطائف اسئلة بحجم الازمات المتناسلة

التأزم الحكومي يُقفَل بحلّ موقت لا يعالج باعث العقد

3 مقاربات على هامش زيارة جان كلود كوسران و"التفكّر حول لبنان"

تكريس "لويا جيرغا" لبنانية حيث الحكم للقبائل والعشائر المذهبية؟!

ينشر في "الاسبوع العربي" في 16/11/2009

قد تكون اكثر من صدفة تزامن عشرينية اتفاق الطائف (4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989) مع ثاني اشد ازمات متفرعات نصوصه وثغره، بعد الازمة الرئاسية (تشرين الاول /اكتوبر 2007 – ايار /مايو 2008) التي كشفت عورات دستور الجمهورية الثانية، وافترضت في حينه انه سيصار في اول فرصة سانحة الى النظر فيها للحد من تأثيراتها، مقدمة لايجاد النصوص الجديدة المناسبة التي تحقق الغاية من التعديلات الدستورية من غير ان تمس لا جوهر الاتفاق ولا الهاجس السني الدائم من اي تغيير يعيد الالق الى المارونية السياسية الغابرة.

في عشرينية الطائف، الاتفاق والوثيقة والمداولات المكتومة والمحاضر المحظورة، تبدو الاسئلة بحجم اتفاق الضرورة، وربما اكبر، ذلك ان الاتفاق وُضع بعناية الصائغ العربي، فوضع حدا لوزر الحرب العبثية، لكنه اتاح حصرا ادارة خارجية للجمهورية الثانية الناشئة، وجرى تقاسم السياسة والامن من جهة والاقتصادر من جهة ثانية. لكن ما غاب عن هذا الصائغ سؤال جوهري: ماذا لو غابت الادارة الخارجية او اختلفت؟ ماذا يحل بهذا الرضيع الناشئ؟ وهل السبيل سالكٌ بيسر لاستبدال ادارة (هي وصاية) بأخرى؟

ربما كان اتفاق الطائف أفضل ما أمكن التوصل إليه، إطارا لإنهاء الحرب. ويميل البعض إلى تحميل دمشق مسؤولية حرف الاتفاق - الوثيقة عن سبيله، في حين يعتبر البعض الآخر أن الاتفاق وضع صيغة جديدة للسلطة تقوم على التساوي بين مسلميه ومسيحييه، لكن فاته (او تقصّد الرعاة) ان يرسم أسسا مبتكرة للمواءمة بين هاجس التوازن وضرورات الحكم وآلياته، مكتفيا بوضع أطر إجرائية لتنظيم التعايش، ليتبين مع الوقت أن زعيم كل طائفة انصرف الى تطويع هذه الأطر بما يخدم سلطته على حساب المصلحة العامة. وتاليا، تبيّن بعد انفضاض الرعاية، ان الطائف الذي عُوِّل عليه ليكون الفيصل في حسم الخلافات، صار جزءا من الازمات وومكبلا وغير قادر على حلها في الاحد الاقصى، وعلى ادارتها في الحد الادنى!

بعد الازمتين

اذن، بان مرجُ ما بعد الازمتين الرئاسية والحكومية: اضرار كبيرة وتشققات خطرة وسيل من التصدعات التي لم يعد يصلح او ينفع ترقيعها وترميمها بالاسمنت التقليدي اياه. وانجلت الازمة الحكومية تاركة جراح مثخّنة يصعب اندمالها ما لم يبادر اهل النظام الى ورشة اصلاحية – دستورية – سياسية غير كلاسيكية تستكمل فعليا ما تم تداوله في كواليس دوحة ايار – مايو 2008. يومها كان واضحا ان الاتجاه العربي والاقليمي والدولي يؤول الى احتضان ورشة مماثلة تبدأ مع انتهاء العام الاول من سداسية ميشال سليمان الذي من المفترض ان يكوت قد توّجه بترميم المظلة الدولية التي تقي لبنان مخاطر الارهاب واسرائيل وتتيح له بدء الورشة الموعودة بالتوازي والتكافل: دستورية ومالية – اقتصادية.

كان من المفترض ان تنطلق هذه الورشة مباشرة بعد الانتخابات النيابية التي تنهي مفاعيل حكومة الدوحة، حكومة ما بعد السابع من ايار (مايو) 2008، حكومة وفاق الحد الادنى. لكن حساب الحقل لم يوافق حساب البيدر، فتعقّدت من جديد ازمة حكومية هي في حقيقتها جولة جديدة للانتخابات النيابية التي لم تضع اوزارها في السابع من حزيران (يونيو) الا على ورق وزارة الداخلية!

إلغاء ام انقلاب؟

كتب البير منصور، زمن الجفاء مع دمشق، "الانقلاب على الطائف"، كشهادة واحد من السياسيين الذين عايشوا ولادة اتفاق الطائف وشهدوا تطبيقه. وهو يقول ان اتفاق الطائف أصبح اثنين: الاتفاق المكتوب والاتفاق المطبق. في الاتفاق المكتوب فصول وفي الاتفاق المطبق فصول، وشتان ما بين الاثنين، فتلك تقسيمات للفهم ملؤها صدق النوايا، وهذه حبائل احتيال ومسرحيات تآمر. حلل واقع الطائف واظهر مكامن الخلل في التطبيق وأهمية الأخطار الناجمة عنه والمعالجة الممكنة، جيبا على سؤال مركزي: كيف تحول الحل إلى مأساة أدهى من الأولى وأشد مرارة؟

وثمة من يعتقد ان جهات لا تزال تعمل على إلغاء هذا الاتفاق تدريجا، وصولا الى تحقيق توازن من نوع آخر، ينسف المناصفة.

كانت الغاية المرتجاة من الطائف، انهاء الحرب وبدء مسيرة اعادة الدولة. اما اتفاق الدوحة فمختلف تماما، هو يشبه الى حد بعيد اتفاقات وقف اطلاق النار خلال مراحل الحرب اللبنانية، فيُظن للوهلة الاولى انها كتبت النهاية. لكن سرعان ما يلمسون انها مجرد هدنات واستراحات.

ويعتقد اصحاب وجهة النظر هذه ان اتفاق الدوحة الذي رعته سوريا وقطر رمى الى شرعنة ما حصل في السابع من ايار (مايو) 2008، واستطراردا فتح الباب لمن قام به لقطف ثماره السياسية من خلال دخول السلطة من الباب العريض والتحكم بها بواسطة الثلث المعطل، ومن ثم الركون الى الصبر في انتظار ظروف استكمال القوة ونضج المناخ الاقليمي لإلغاء اتفاق الطائف وتنصيب اتفاق جديد ينسف المناصفة ويؤسس للمثالثة!

ويذهب البعض الى ان اتفاق الطائف تعرض الى الإلغاء قبل أن يجف حبره. ويقول إن مرحلة ما بعد الطائف حتى العام 2005 شهدت في الواقع تطبيق "الاتفاق الثلاثي" الذي وقّعه في دمشق في العام 1987، قادة الميليشيات، وكرس المحاصصة، حيث كل طائفة صنعت مملكتها، فصار قصر لرئيس مجلس النواب وآخر لرئيس الحكومة. بعد العام 2005، آلَ الحكم الى الاتفاق الرباعي، فحلّ مكان الدستور ليكون المرجعية التنظيمية لتقاسم السلطة. وبعد السابع من ايار (مايو) 2008 حل اتفاق الدوحة، وظّل الدستور مستباحا لمصلحة المنطق الميليشيوي لتقاسم الجبنة، فيما الطائف يتنافى وهذا المنطق ولا يتلاقى مع شرعيات الامر الواقع. واستطرادا، يكفل التطبيق السليم لاتفاق الطائف انتظام السياسة والاستقرار، لأنه يكفل سيادة سلطة الشرعية الدستورية. لكن الظرف الإقليمي لم ينضج بعد لفرض تطبيق الدستور، وتاليا لا يزال استقرار لبنان بندا مؤجلا على الأجندة الإقليمية.

اذن، هل اتفاق الطائف لم يكن ناجعا في معالجة الازمة؟

يجيب هذا البعض: «فلنطبق اولا كل الاتفاق قبل القول بثغرات فيه. لا بل ان تطبيقه ينفي لاحقا ما يبرز راهنا من ثغرات ولا سيما على مستوى صلاحيات رئيس الجمهورية.

كوسران والاسئلة

في الاسبوع الاول من تشرين الثاني (نوفمبر)، حضر الى بيروت رئيس الأكاديمية الدبلوماسية الدولية ADI السفير جان كلود كوسران، مهندس حوارات لا سيل سان كلو، الضاحية الراقية المجاورة لباريس، مستكملا حوارات حزيران (يونيو) الفائت عن "التفكر حول لبنان". التقى مع عدد من المسؤولين والشخصيات والاعلاميين على سبر الازمة الحكومية وسبل انهائها. وكان انطباعان: إما ان يسهّل تشكيلها على وجه العجلة، وإما ترحيلها الى حين قد يكون بعيدا.

اما الفكرتان اللتان طرحتا للنقاش المعمّق، فهما:

1-هل الازمة مقصودة لإظهار وإبراز عدم صلاحية اتفاق الطائف، واستطراا عجز نظام الجمهورية الثانية على الاستمرار في ادراة البلد، خصوصا ان الجهتين اللتين تتهمها قوى الرابع عشر من آذار (مارس) بالتعطيل، هما "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، والاثنان سبق ان التقيا -عفوا - قبل 20 عاما على رفض اتفاق الطائف، كل من موقعه الايديولجي والسياسي، وعادا ليلتقيا في السادس من شباط (فبراير) 2006؟

2-هل الازمة مولود النظام اللبناني الديمقراطي التوافقي، الهجين والفريد من نوعه على مستوى الديمقراطيات؟ واستطرادا، هل الحل في حكومة الاكثريات الطائفية والمذهبية في مقابل معارضة الاقلويات؟ واذا ذاك فليُطلق العنان لمنطق "اللويا جيرغا" (عبارة بشتونية نسبة الى قبائل البشتون التي تمثل غالبية الأفغانيين، يعني الشطر الأول "الكبير أو الموسع" والثاني "اجتماع الصلح أو مجلس المصالحة"، أي مجلس المصالحة الموسع)، ولتكن اجتماعات موسمية لمجلس عشائري أو قبلي، حيث الوحدة السياسية الفاعلة هي العشيرة والقبيلة، بذراع عسكرية تؤمنها الميليشيات القبلية!

3-هل الازمة تناسل لتأزمات الاقليم؟ واستطرادا، هل الحل النهائي متعذر راهنا، ولا بد من الركون الى "لا منطق" الحلول الموقتة في انتظار زمن التسويات الكبرى، على غرار تسويات منتصف السبعينات وبداية التسعينات؟

لا شك ان مقاربات حلقات النقاش لامست هذه الاسئلة الثلاث وغاصت في متنه تشريحا. ومن نافل القول ان كل من هذه المقاربات لاقت من تبناها ومن استرسل في الدفاع عن وجهة نظره، لكن من دون التوصل الى الاجابة السهلة الممتنعة على السؤال الدراماتيكي المحيّر: هل كتب على لبنان ان يبقى اسير تناسل الازمات، فلا يرتاح الا بإنفراط مسببات الازمات المحيطة والتي تزداد حدة وتشعبا؟

الاثنين، 2 نوفمبر 2009

Sphere: Related Content

بعد "الانخراط" والانشغال بأولويات اخرى من العراق الى "الارهاب في باكستان النووية"

ايّ ذكْر للبنان في واشنطن؟

جنبلاط كان اول المنسلخين عن اصدقائه في واشنطن قاطعاً عنهم نبيذه الفاخر

فيلتمان في واجهة المقاربة الاميركية للبنان ويتواصل يوميا مع اصدقائه

ينشر في "الاسبوع العربي" في 9/11/2009

من يبحث في واشنطن هذه الأيام عن موقع لبنان، لا بد له ان يقع على حقيقة ان الهمّ الأميركي في مكان آخر تماما، بعيدا كل البعد عما لا يزال يخاله اللبنانيون عن "هال كم ارزة العاجقين الدني"! فواشنطن توزّع اهتماماتها بين الازمة المالية العالمية التي كادت ان تخنق اقصادها لا بل اعادته من ليبرالية مطلقة الى دور موّجه للدولة، اقرب الى نظريات كارل ماركس (!)، وبين افغانستان والعراق واليمن والصومال وارمينيا وتركيا، ومنابع النفط ومصادره وخطوط نقله. لكن هل يعني تشتت الاولويات هذا، تغييرا جذريا في سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان؟

في اسبوع واحد، نهاية تشرين الاول (اكتوبر) الفائت، زار ثلاث ممن يصطلح على تسميتهم مسؤولي الصف الثاني من فريقيّ الموالاة والمعارضة، العاصمة الاميركية. الاطباء وليد خوري وغطاس خوري ومصطفى علوش، جمعهم هدف واحد وهو المشاركة في مؤتمر طبي في شيكاغو، فيما النائبان السابقان اضافا الى جدول زيارتيهما تعريج مختصر على واشنطن، للسؤال عن بنت وابن يتابعان دراساتهما العليا.

وبما ان الرحلة الى واشنطن تستحق عناء بعض اللقاءات السياسية، تولى مكتب "التيار الوطني الحر" هناك تنظيم اجتماعات لوليد خوري مع مسؤولين في البيت الابيض ووزارة الخارجية، في موازاة زيارة تقوم بها المسؤولة الاعلامية في التيار مي عقل للعاصمة حيث شاركت في حلقات ابحاث استراتيجية. اما غطاس خوري فله علاقات مباشرة داخل الادارة، وله من بينها اصدقاء قدامى، من زمن "النضال" المشترك في بيروت في الاعوام الاربعة الفائتة، وقبل الفتور الذي يشوب علاقته بتيار "المستقبل" منذ ان قرر عدم الاطاعة والخروج عن قرار التيار سحب ترشيحه في الشوف لمصلحة جورج عدوان ودوري شمعون. وتتيح هذه الصادقات للمستشار السياسي السابق لسعد الحريري، اجراء لقاءات غير رسمية لاستكشاف بعض ما يطبخ اميركيا في الملف اللبناني، واستطرادا في الملف السوري. اما علوش فبقيت لقاءاته في اطار الدائرة الحزبية لقوى الرابع عشر من آذار (مارس) في واشنطن.

تلمّس عوني

اذن، يبدو استنادا الى اهداف الزيارات انها شخصية بالدرجة الاولى من دون تكليف رسمي من اي من الافرقاء التي ينتمي اليها الثلاثة، ما خلا وليد خوري الذي سبق ان اعلم العماد ميشال عون بأمر الزيارة مستفسرا امكان اجراء لقاءات سياسية على هامشها، فلم يمانع عون وطلب من مكتب التيار في واشنطن تنسيق هذه المواعيد، علما ان الفتور في العلاقة بين الجنرال والمسؤولين الاميركيين حدّ كثيرا من فاعلية تحرك مسؤوليه في واشنطن، بعد انتهاء شهر العسل المشترك مع عودته الى بيروت في السابع من ايار 2005، علما انه اتكأ على مجموعات ضغط (لوبي) لبنانية – اميركية ليعطي شهادته المثيرة في الكونغرس في ايلول (سبتمبر) 2003 اثناء مناقشة المشرعين الاميركيين استصدار قانون محاسبة سوريا وتحرير لبنان Syria Accountability Act، ثم القرار 1559 بعد عام بالتمام والكمال، علما ان تلك الشهادة جلبت عليه في حينه ملاحقة قضائية بذريعة إنتحال "صفة رئيس حكومة" ومئات الاتهامات بالعمالة، في حين بادر ناصر قنديل الى اتهامه بالتعامل مع الموساد الاسرائيلي مبرزا مداخلة هاتفية قال ان عون اجراها مع اعضاء في الكنسيت. لكن هذا اللوبي صار منذ تأزم العلاقات والجدالات الحادة بين عون والسفير جيفري فيلتمان، غير ذي فاعلية في حين انتقل كثر من اعضائه الى الضفة السياسية الاخرى، الى جانب قوى الرابع عشر من آذار (مارس).

وشرح وليد خوري في مداخلة تلفزيونية، جانبا من كواليس زيارته الأميركية، موضحا أن سبب الزيارة في شقها السياسي كان للاتصال بالإدارة الأميركية لشرح مواقف تكتل "التغيير والإصلاح" و"التيار الوطني الحر" والاستفهام عن التعاطي الجديد الذي يدل الى تغيير جذري في السياسة الأميركية في المنطقة. وقال خوري انه خرج بإنطباع بأن الأميركيين مهتمون باستقرار لبنان وحرصاء على ألا يكون عنصر شغب في المنطقة، لكن همهم الأكبر يبقى عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ملاحظا عدم تأدية واشنطن دورا سلبيا في تشكيل الحكومة اللبنانية. وتوقّع طورا جديدا في السياسة الأميركية، بدأ من خلال الانفتاح على كل الأفرقاء، وإن لم يظهر جيدا في لبنان لكنه سيظهر قريبا، مشيرا في هذا الإطار إلى "تفهم الجهة التشريعية الأميركية (الكونغرس) موضوع سلاح "حزب الله" والمخاوف من توطين الفلسطينيين في لبنان".

اين لبنان في واشنطن؟

وصادف ان الزيارات الثلاث تزامنت مع ادلاء مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان الاربعاء في الثامن والعشرين من تشرين (الاول - اكتوبر) بشهادة امام اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الادنى وجنوب آسيا، برئاسة عضو الكونغرس عن ولاية نيويورك الديموقراطي غاري اكرمان، وصف فيها التقدم في العلاقة بين بلاده وسورية بـ "المتواضع"، مشيرا الى "اننا نعتقد انه هناك مجال لعلاقة اميركية - سورية ايجابية وبناءة، لكن لتحقيق ذلك، نريد ان نرى سورية تعالج مصادر القلق لدينا من سياساتها الاقليمية، مثل دعم المنظمات الارهابية مثل حزب الله وحماس". واعاد فيلتمان سلاح "حزب الله" الى الواجهة الاميركية من باب القرارين 1559 و1701.

يستشف من زوار واشنطن تراجع اولويتي لبنان وسوريا في المنتديات كما في مراكز القرار، باستثناء موضوع "حزب الله" الذي توصّفه واشنطن راهنا بأنه مجموعة ارهابية تأتمر بإيران فقط، من دون اي نفوذ سوري يذكر.

وتحرص واشنطن على طمأنة سائليها عن مبرر تراجع اولوية لبنان الى هذا الدرك، بإشارتها الى انها لا تبحث مقايضات لا على حساب لبنان ولا على حساب سوريا، بل انها ادركت هامشيتهما بالنسبة الى سلم اولويات الادارة الاميركية في منطقة الشرق الادنى وجنوب آسيا، حيث الاولويات تبدأ من منع ايران حيازة سلاح نووي، مرورا بتثبيت الوضع في العراق، حليفا استراتيجيا مهما ينتمي الى محور الدول العربية التي تصنفها معتدلة، انتهاء بإقفال ملف حرب افغانستان للتفرغ لمواجهة الارهاب في باكستان النووية. اما باقي الاهتمامات فتتفرع من هذه الاولويات الثلاث، ومن هذه المتفرعات "حزب الله" وحركة "حماس" لارتباطهما بطهران، ولقدرتهما "التخريبية" كردة فعل في حال اندلاع مواجهة مع ايران.

وتعتقد واشنطن ان سوريا لم تذُب كليا بإيران وحسب، بل ان قدرتها "التخريبية" المحتملة وقراراتها صارت في طهران، فيما يحاول السوريون الايحاء انهم قادرون على اجراء مقايضة في العراق او في لبنان. وتاليا تبدد "وهم" السعي الاميركي الى الفصل بين سوريا وايران، لان دمشق "غير قادرة على التغيير في مجرى الامور لا في لبنان ولا في العراق، وحتى لو كانت قادرة على ذلك، فإن الوقت المطلوب لمحاولة استقطابها بعيدا من طهران هو اطول من الوقت المطلوب لـ "معالجة" خطر التسلح النووي الايراني".

وترى واشنطن ان لبنان وسوريا هما على خريطة الشرق الاوسط بمقدار "تورطهما" في اي رد فعل ضد حرب محتملة على ايران، مع ان الترجيحات تشير الى بقاء دمشق خارج اي حرب اقليمية محتملة، ودخول «حزب الله» وتاليا لبنان فيها، على رغم الدمار الهائل الذي ستتسبب به هكذا حرب.

وتؤكد واشنطن ان ما عدا ذلك، "لا تغيير في موقفها الثبات دعم سيادة لبنان وحقه في العدالة الدولية".

تقلص لكن لا مقايضات

وسط هذا التغيّر في الاولويات الاميركية، من خطابات جورج دابليو بوش التي كانت تحيّي يوميا "شجاعة لبنان ورئيس وزرائه السنيورة"، الى التقلّص الكبير في الهامش المعطى له راهنا، ماذا بقي منه في الاجندة الاميركية حيث لا كلام سوى عن المشروع الصحي لباراك اوباما وتأثيرات الازمة العالمية، وعن افغانستان والعراق وايران والخلاف الأميركي- الإسرائيلي والصومال واليمن؟

ثمة في واشنطن من يرمي باللائمة على "بعض الحلفاء" في اشارة الى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي كان السبب الرئيس في تشقق موقف المجتمع الدولي الذي كان في العام 2005 موحدا تجاه رفض التدخل الإيراني والسوري في لبنان. ذلك ان ساركوزي انفتح باكرا على القيادة السورية لأسباب بات معظمها معروفا، تتراوح بين الرغبة في قلب سياسة فرنسا – جاك شيراك رأسا على عقب، والحاجة الى آفاق استثمارية – نفوذية جديدة تتيحها سوريا اكثر من غيرها.

اذن، "موقع لبنان في واشنطن باق على رغم انحساره في سلم الاولويات. لكن على اللبنانيين النظر بإيجابية الى هذا التراجع، ذلك ان كل الانشغالات في الاقليم الذي يغلي على صفيح التطورات الامنية، لم يحل دون تجديد الموقف الاميركي: لا مقايضات ولا عودة الى منطق البيع والشراء والتلزيم الذي اضطرت اليه الادارة الاميركية اضطرارا منتصف السبعينات ثم مطلع التسعينات"!

لكن هل، في بيروت، من لا يزال يصدّق هذا الكلام؟

وحده جيفري فيلتمان يظهر في الصورة الاميركية – اللبنانية. يتابع الديبلوماسي النشيط والمثير للجدل، اتصالاته مع اصدقائه اللبنانيين، مباشرة او عبر الرسائل القصيرة SMS. لا ينسى اي تفصيل، بما فيه المناسبات الخاصة. يمازح ويصارح ويكاشف. ثقة رئيسته هيلاري كلينتون تعززت به، خصوصا اثر المقاربات الجديدة التي وضعها في ملفي لبنان وسوريا. كما ان مسؤولي البيت الابيض يبدون ارتياحا لقدرته على ترجمة "سياسة الانخراط" Engagement التي اعتنقها باراك اوباما.

نبيذ جنبلاط!

هل يكفي هذا وحده؟

بالتأكيد لا.

وليد جنبلاط كان اول المدركين: قطع ارسال نبيذه الفاخر (كفريا) الى متذوقيه في واشنطن ما اضطرهم الى "الشكوى"، حتى ان احدهم ذكر الامر في مقال نشر في احدى الصحف. وقرر الانسلاخ عن صداقاته هناك، لا بل كاد ان يجبر بعض المقربين منه على هذا الانسلاخ، وأعاد تموضعه. كل ذلك مباشرة بعد السابع من ايار (مايو) 2008، يوم لم يتلمّس دعما اميركيا، لو شكليا، سوى استعراضات المدمرة "كول"، كما فعلت قبلها "نيوجيرسي" بداية الثمانينات.

وتبقى الخشية الا يُستدرك هذا التغيّر الاميركي، فيُدفّع لبنان الثمن مكررا، وليلدغ المؤمن من الجحر، ربما، للمرة المئة!


الأحد، 25 أكتوبر 2009

Sphere: Related Content

الفراغ يلج شهره الرابع .. والمسؤولية عن العرقلة تتوزّع بين الداخل والخارج

الحكومة استنفدت الصمت والمخارج الخلاقة والوقت الاضافي!

كوشنير في بيروت يستعرض ويصوّب ويتقلّب ويهادن في آن!

حرب مبكرة في البترون على النيابة من باب الوزارة

ينشر في "الاسبوع العربي" في 2/11/2009

استوى الفراغ الحكومي في شهره الرابع، وسلّمت العامة بفشل ساستها في ادارة 10 آلاف كيلومتر مربع من الترسّبات والتشرذمات والنكايات، فيما النصائح القريبة والبعيدة تهطل على شاكلة موفدين ومسؤولين، جلّهم يبحثون عن دور، وقلّة جديون قادرون على مقاربة موضوعية لهذا المعجن من التناقضات الذي اسمه لبنان.

اشارة الزائر المثير للجدل، وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير في الثالث والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر)، ومن قصر بعبدا بالذات، الى "وجود عقبات خارجية تحول دون تشكيل الحكومة"، وتشديده على "وجوب قيام الدول الخارجية بالتزاماتها"، وتنويهه الى ان "لقاء الاسد - عبدالله كان جيدا جدا لكننا لم نشهد حكومة في لبنان"، كلها مؤشرات تدل الى ان كوشنير جاء الى بيروت بإنطباع مسبق بأن تعطيل الحكومة امر خارجي غير مرتبط حصرا بالمناوشات الداخلية على وزارتي الاتصالات والعدل، وصولا الى حد التلميح -اتهاما - الى دمشق في معرض تحديده المسؤوليات عن تعثّر التشكيل.

لكن تشاؤم الزائر الفرنسي الاستعراضي ما لبث ان استحال تشاؤلا قبيل مغاردته بيروت، فغيّر في صوغ افكاره من غير ان يخرج عن تحفّظه، فهو سمع من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومن رئيس البرلمان نبيه بري ومن الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، كلاما جعله يأمل في تعجيلٍ ما يصيب الملف الحكومي.

بالطبع، لم يرق الكلام المتقلب لرئيس الديبلوماسية الفرنسية، حلفاء دمشق التي صوّب عليها مرتين: اولى بإلغاء زيارته لها احتجاجا على اعتقال الناشط الحقوقي هيثم المالح، وثانية بوضعها تلميحا في خانة العوامل الخارجية المعرقلة للحكومة.

ليس مستساغا

اصلا، دمشق لا تستسيغ رئيس الديبلوماسية الفرنسية، وطالما اتهمه مسؤولون سوريون بتملّق اسرائيل آخذين عليه أنه لا يفوّت جهدا لعرقلة التقارب الفرنسي – السوري الذي يقوده شخصيا - بنظر هؤلاء - الرئيس نيكولا ساركوزي، عبر مساعده الاوثق كلود غيان، صديق السوريين هو الآخر. ويحمّل السوريون كوشنير مسؤولية غير مباشرة عن الاخراج السيئ لمسألة توقيع الشراكة الاورو – متوسطية مع سوريا، وعن اصرار هولندا على التحفظ عن التوقيع بسبب اعتراضها على وضع حقوق الانسان في سوريا (وهو ما يعرف بالشروط السياسية الخاصة بسوريا)، هذه الشراكة التي تعثّرت بفعل الاخراج الذي جعل دمشق كأنها في موقع المهرول، في حين ان الاتحاد الاوروبي منحها من الجمل اذنه، بحيث قرر دعمها بنحو 250 مليون يورو للتعويض على زراعتها وصناعتها اللتين ستتأثران بفتح الاسواق ورفع الحماية والدعم عن الزراعة والصناعة السورية، بينما منحت الجزائر اكثر من ضعف هذا المبلغ "لتعويض خسائرها من الرسوم الجمركية ونفقات تأهيل الصناعة"، وكذلك الاردن ومصر.

في أي حال، اتهم كوشنير دمشق، ساعاتٍ بعد اعلان الكي دورسيه ارجاء زيارته الى سوريا من ضمن جولته في اسرائيل والاراضي الفلسطينية، من دون توضيح السبب سوى ما قيل عن عدوله عن زيارة تل ابيب اثر منعه دخول غزة (لماذا ابقى على زيارة بيروت لو كان هذا السبب الفعلي؟)، وايامٍ بعد الرسالة التي بعثها وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى الرئاسة السويدية للاتحاد الاوروبي يعلمها فيها "تردّد" دمشق في شأن توقيع اتفاق الشراكة في انتظار ان تنهي درس "تفاصيل الاتفاق وتقويم تأثيره على اقتصادها وخصوصا على القطاعات الإنتاجية التي ستتأثر مباشرة بإلغاء الرسوم الجمركية على دخول البضائع الأوروبية"، علما ان دمشق تجهد منذ العام 2004 كي توقّع هذه الشراكة، وهي هللت للاتفاق عندما نجحت ادارة ساركوزي في الضغط على هولندا كي تسحب تحفظاتها، ولا بد انها اشبعته درسا منذ جمّد جاك شيراك هذا المسار اثر قمة النورماندي والقرار 1559. ونقلت "لو موند" عن مصدر سوري رسمي رفيع المستوى قوله: "أولاً يتكبرون علينا في خلال خمس سنوات ومن بعدها يتكرمون علينا بسبعة عشر يوماً لنقرر... هذا ليس أسلوبا!".

بين العرقلة والتسهيل

لم يتّهم كوشنير دمشق حصرا عند وصوله، ولم يعد عن اتهامها عند مغادرته. لكن لائحة الاتهام جاءت مناقضة لمقاربات عدة ساقها قياديون في قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، برّأت العاصمة السورية من التعطيل وحصرته بطهران على خلفية جملة من المؤشرات جمعها هؤلاء القادة على امتداد الاسابيع القليلة الفائتة.

في مؤشرات العرقلة والتسهيل، وما لفّ لفهما من محطات مهمة، يُقرأ الآتي:

1-حرْص رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية على تعميم رغبته في "التنازل" والاكتفاء بوزارة دولة، مباشرة بعد لقائه بالعماد ميشال عون وبعد اتصاله بالرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري. واللافت ان هذا التعميم جاء على رغم معرفة فرنجية بما سيدلي به عون بعد ظهر الاربعاء في الواحد والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) من مواقف اعتبرها زعيم الرابية ضرورية لـ "اصلاح" مناخ الاغراق بالتفاؤل.

ويرى القياديون في قوى الرابع عشر من آذار (مارس) ان فرنجية، صديق آل الاسد، اصر على تعميم هذا الموقف، على رغم علمه انه سيسقط من يد عون ورقة المساومة على الوزارة الخامسة المارونية، وذلك كي يستبق أي اتهام محتمل لدمشق بالمساهمة في عرقلة تشكيل الحكومة. وهو بذلك جعل القيادة السورية براء من تهمة التعطيل، لأن حليفها الاول والصديق السرمدي، قرر التنازل طوعا والى اقصى حد في سبيل التسهيل. فكيف يستوي، بعد ذلك، اتهام هذه القيادة بما هو مغاير لموقفها هذا او بمجافاتها التفاهم الذي ارسته قمتا جدة ودمشق؟

ويشير هؤلاء الى ان فرنجية استسهل، كرمى لهذا التسهيل، اغضاب انصاره ومحازبيه الذين عبّروا علنا عن امتعاضهم بوزارة الدولة ثمنا بخسا لكل ما قدمته "المردة" في تحالفها مع "التيار الوطني الحر"!

2-الاجتماع الذي جمع في دمشق، بداية الاسبوع الثالث من تشرين الاول (اكتوبر)، مختلف تلاوين المعارضة وتخلله تشاور مستفيض في مسار تأليف الحكومة، وهو الاجتماع الذي بقي بعيدا من التداول، واستتبِع بموقف هو الاول من نوعه منذ البيان السوري الرسمي اثر قمة دمشق، "اكد" فيه الرئيس بشار الاسد (حرص على استعمال صيغة التوكيد) من خارج النص او المناسبة (استقباله رئيسة فنلندا تاريا هالونين) "وجهة نظر سوريا بضرورة الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية تعيد الوضع في لبنان إلى حالته الطبيعية وإلى دوره الطبيعي بعد سنوات من الاضطراب والانقسام".

3-اللقاء الذي تردد انه جمع الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله بالمسؤول عن الاتصالات السياسية في "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، الاثنين في التاسع عشر من تشرين الاول (اكتوبر)، والذي شرح فيه باسيل مقاربة التيار لـ "الاغراق التفاؤلي" الذي شهدته الايام السبعة التي سبقت هذا اللقاء، وما سيعود العماد الى قوله عون بعد يومين.

حرب في البترون

4-الاجتماع المسيحي في معراب الذي اعاد تفعيل التواصل بين الاحزاب المسيحية في قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، والذي بنتيجته "حدّد" رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع ما هو مسموح وما هو محجوب عن "حزب الله" وحلفائه، أي وزارتي الاتصالات والعدل. وهذا التحديد هو ما اخرج عون عن طوره ودفعه الى قول ما قاله الاربعاء، وخصوصا ان وزارة العدل ستمنح الى بطرس حرب تحديدا، خصم صهره في البترون. واستطرادا، لن يكون سهلا ان يتربّع حرب على وزارة شبه سيادية لاربع سنوات متتالية ليخرج، في انتخابات 2013، الى معركة كسر عظم جديدة!

ويقول القياديون قوى الغالبية ان عون يحاول استبعاد حرب من الحكومة كرد مباشر على عدم اعطاء الاتصالات لباسيل أو على الأقل لقطع طريق اسناد وزارة العدل اليه ومطالبته بها كتعويض عن الاتصالات. ولم تكن مطالبته بست حقائب وزارية الا لمنع توزير حرب أو الدخول في مقايضة تؤمن له العدل بديلا من الاتصالات.

5-الصمت السياسي المطبق الذي يتّبعه "حزب الله" وحركة "امل"، وهو تجلى في اكثر من مناسبة.

6-التدقيق مجددا في صحة ما نقل عن السيد نصر الله لجهة قوله "على 14 آذار (مارس) نسيان امر الانتخابات النيابية والا فلا حكومة".

7-التمعّن تكرارا في ما سمعه في دمشق مسؤولون عرب: "ندرك ان جلالة الملك (السعودي) ارجأ القمة مرارا حتى حصل على وعد رئاسي بالتسهيل في لبنان. لكن تأثير ايران على "حزب الله" اقوى من تأثيرنا. دمشق فعلت ما عليها، فتلبحثوا الامر مع الطرف الثالث"!

8-الهجوم العنيف غير المسبوق الذي شنته على ايران صحيفة "الوطن" السعودية، شبه الرسمية في الثاني والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر)، وحمل دعوة صريحة الى المواجهة: "النار الفارسية تحاصرنا من الشمال (العراق)، والآن من الجنوب (اليمن)، ونحن لدينا ألف عود ثقاب، ونستطيع أن نشعل ألف حريق في بلاد فارس لأنهم - كما يبدو - لا يفهمون سوى هذه اللغة"!

9-العرض المضاد الذي تقدّمت به طهران ردا على عرض مجموعة الست لتخصيب اليورانيوم في روسيا وفرنسا، ما ادى الى تأزم على هذا المستوى، قد ينسحب سلبا على لبنان. والتأزم هذا لن يجد مساحة افضل من الحكومة المعلّقة.

الاثنين، 19 أكتوبر 2009

Sphere: Related Content

تسعيان الى منع توتر جديد بين اسرائيل و"حزب الله".. والى اختراق على مستوى التسوية السلمية

باريس وواشنطن: مقاربتان مختلفتان لتهدئة تائهة

باريس لا ترى ان تل ابيب قادرة راهنا على شن حرب لكن الخطط جاهزة!

انتكاسات واشنطن اتاحت قيام محور ناشئ بين طهران وانقرة ودمشق

ينشر في "الاسبوع العربي" في 26/10/2009

بين انفجار مخزن الذخيرة في خراج بلدة خربة سلم الثلاثاء في الرابع عشر من تموز (يوليو)، وتفجير معدات التنصت في وادي الجمل الواقع بين بلدتي حولا وميس الجبل السبت في السابع عشر من تشرين الاول (اكتوبر) وبينهما والانفجار الغامض في طيرفلسيه الاثنين في الثاني عشر من تشرين الاول (اكتوبر)، 3 اشهر كاملة حفلت بالاسئلة والمقاربات الامنية – الاستخبارية، وبالتهديدات الاسرائيلية لـ "حزب الله" بـ "الاقتصاص" منه ومن لبنان، واتهامه بالسعي الى "الاخلال بالتوازن" الهش الذي نتج من القرار الدولي 1701 الصادر في آب (اغسطس) 2006. فماذا عما يشاع عن احتمال الحرب؟ وما موقف دول "اليونيفيل" مما يجري تداوله اسرائيليا؟ وما هي مقاربتا واشنطن وباريس لمشاريع التسوية ونزع الفتيل؟

حمل الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان ومستشار الرئيس نيكولا ساركوزي جان دايفيد ليفيت ومساعده للشرق الأوسط نيكولا غالي، في زيارتهم الاخيرة لسوريا، الملف اللبناني ومسيرة السلام جزءا لا يتجزأ من المقاربة الساركوزية للعلاقة مع دمشق - قيادة ومحورا-، وأبلغ الوفد الفرنسي الى محدّثيه أن عدم استقرار لبنان ليس من مصلحة أحد إلاّ إسرائيل التي تُتاح الفرصة لها، في ظروف عدم استقرار لبنان، لأن تتدخل وأن تحوّل انتباه العالم الى مشاكل تبعدها من طريق السلام.

في هذا الوقت، سُجّل في باريس، في الخامس من تشرين الاول (اكتوبر) اجتماع استثنائي هو الاول من نوعه، جمع رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال غابي أشكينازي ورئيس الأركان الفرنسي الجنرال جان لوي جورجولان، واجتماع ثان استثنائي ايضا ضم أشكينازي ورئيس الأركان الأميركي الجنرال مايكل مولن الذي كان في النورماندي لزيارة المقبرة الأميركية حيث ترقد رفات عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين الذين سقطوا في هذه المنطقة في ربيع وصيف العام 1944.

باريس والملفات اللاهبة

لم يرشح الكثير عن هذين الاجتماعين المنفصلين، اللذين ترافقا مع موجة تهديدات عسكرية اسرائيلية علنية لكل من ايران و"حزب الله"، على خلفية الملف النووي الايراني وما تشتبه تل ابيب الحزب بالاعداد له في الجنوب "لملاقاة" اي ضربة اسرائيلية للمفاعلات النووية في ايران.

وكان اشكينازي قد تحدث في خطاب عنيف في السادس عشر من تشرين الاول (اكتوبر) عن حرب حتمية ضد لبنان يتحضر لها الجيش الإسرائيلي، في سياق حملة إسرائيلية متواصلة عن قيام حزب الله بتعزيز قدراته العسكرية تصاعدت منذ فشل إسرائيل في تعديل قواعد اشتباك "اليونيفيل".

القليل مما تسرّب الى زوار باريس ان المواضيع الساخنة واللاهبة كانت محور الاجتماعين، وخصوصا الوضع في جنوب لبنان من زاوية وجود نحو ألفي عسكري في الكتيبة الفرنسية المنضوية تحت راية القوة الدولية المعززة (اليونيفيل).

من الواضح من مداولات اجتماع اشكينازي بنظيره الفرنسي، ان هاجس باريس الرئيسي يتمثّل في إمكان أن يؤدي اختلال الأمن في منطقة الجنوب، أي في منطقة عمليات القوة الدولية المعززة، إلى تهديد سلامة الكتيبة الفرنسية. فماذا عن سلامتهم في حال اندلاع حرب؟ وماذا سيكون عليه دور "اليونيفيل" في هذه الحال؟ هل تقف مع أحد من الطرفين (وهذا مستبعد) أم تقف على الحياد، وهذا لن يمنع تعرضها الى الخطر والقصف، وصولا الى اتهامها بالتهرّب وعدم القيام بواجبها؟

ومن الواضح ايضا ان باريس لا تزال تحلل الحادث الذي حصل في تموز (يوليو) الفائت حين تواجهت قوة فرنسية مع أهالي قرية خربة سلم لدى محاولتها تفتيش أحد المنازل بحثا عن أسلحة عائدة لـ "حزب الله" على اثر انفجار المخزن.

وهي، انطلاقا من كل ما تجمّع لديها من معطيات استخبارية، تتخوف من عودة احتمال التوتر بين "حزب الله" وإسرائيل، إن بسبب الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للأجواء اللبنانية أو بسبب تأكيدات إسرائيلية على استمرار تهريب الأسلحة، وخصوصا تلك الاخيرة التي قالت ان دمشق نقلت الى الجنوب جزءا كبيرا من مخزونها الصاروخي الاستراتيجي.

كما تتخوف باريس من أن يفضي فشل مساعي الحوار والتفاوض بين طهران والمجتمع الدولي إلى انصراف إسرائيل الى توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية ما سيؤدي إلى نسف الاستقرار في الشرق الأوسط والخليج. وتجد باريس نفسها معنية من زاوية أخرى في ما سيحصل، إذ ان لها قاعدة عسكرية في أبو ظبي، ويربطها اتفاق دفاعي بالإمارات العربية المتحدة والكويت. وسبق أن عاودت النظر في اتفاقها الدفاعي مع أبوظبي، وهو يتضمن في أحد بنوده التزاما فرنسيا بأمن دولة الإمارات.

لا حرب راهنا ولكن..

وبناء على التقديرات الاستراتيجية والتكتيكية لاجهزة الامن الفرنسية، ولا سيما جهاز الاستخبارات الخارجي SDECE، لا ترى باريس ان إسرائيل جاهزة راهنا لشن حرب على "حزب الله" بسبب عدم الاستعداد الميداني والعسكري، وعدم جهوزية الداخل الإسرائيلي لحرب طويلة ومدمرة مع "حزب الله"، لكنها لا تنفي وجود خطط إسرائيلية لخوض حرب مقبلة في لبنان انطلاقا من انه "أمر بديهي ومعلوم في الأوساط العسكرية والسياسية، غير أن التخطيط للحرب أمر وشن الحرب أمر آخر". لكن هذه الحرب، في كل الاحوال، لا يمكن ان تقوم الا بتبني واشنطن لها على غرار ما حصل في حرب 2006، او اتفاق أميركي - إسرائيلي على أن تبدأ إسرائيل الحرب وتكملها اميركا. وهذان الاحتمالان، في التقدير الفرنسي، خارج الواقع والسياق الموضوعي والمنطقي بسبب الأوضاع في العراق وأفغانستان، والوضع الميداني المستجد في اليمن.

وفي تقدير الاستخبارات الفرنسية ان ثلاثة أسباب قد تؤدي إلى مواجهة وهي: اسر "حزب الله" جنودا إسرائيليين، ونجاح إسرائيل في إغتيال احد القادة الكبار في الحزب (في اشارة الى الامين العام او نائبه)، واغتيال مسؤول إسرائيلي كبير كرد على اغتيال القيادي في الحزب عماد مغنية.

لكنها ايضا ترى ان تل ابيب قادرة على توظيف اي من الحوادث الامنية في الجنوب (انفجار مجزن ذخائر او وجود سلاح حزبي جنوب الليطاني)، في اتجاه دراماتيكي.

من هنا، لا بد من مراقبة ما سيكون عليه موقف باريس من مشاركتها في القوة الدولية المعززة، لأن سيناريو الحرب سيصبح اكثر من محتمل إن هي اقدمت على سحب جنودها أو خففت حضورها، أو أعادت كتائب "اليونيفيل" تموضعها وانتشارها بصورة مفاجئة.

العوامل النافية

وسط هذه الصورة، تنكب مراكز الابحاث الغربية على مراجعة شاملة للاقليم على وقع التطورات الحاصلة، انطلاقا من قناعة بحثية بأن "أزمات الشرق الأوسط تربط أمنه بالأمن العالمي وتعزز تباعا النفوذ الإيراني".

احد هذه الابحاث، ما نشره كيهان بارجيزار (الأستاذ الزائر في جامعة هارفارد وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة "أزاد الإسلامية" في طهران)، وفيه محاولة للإجابة عن مجموعة من التساؤلات من قبيل: كيف يرتبط أمن منطقة الشرق الأوسط بنظام الأمن العالمي؟ وما موقع إيران ضمن منظومة الأمن العالمي؟ وما الأسباب التي أدت إلى تصاعد الدور الإيراني في المنطقة؟

يقول بارجيزار في البحث الذي نشرته دورية Ortadogu Etutleri بعنوان "إيران والشرق الأوسط والأمن العالمي": (...) "في لبنان أدى صعود العامل الشيعي إلى السلطة إلى تعزيز الدور الإقليمي الإيراني، وذلك من خلال ثلاث مراحل:

-المرحلة الأولى: بدأت مع انتصار "حزب الله" على إسرائيل في حرب صيف 2006، ما عزز الدور الإيراني في الشؤون اللبنانية والفلسطينية من الناحية الاستراتيجية. فالحرب لم تكن حربا تخوضها لبنان وإسرائيل فحسب، بل هي حرب إقليمية بين الولايات المتحدة وإيران عبر وكلائهما، "حزب الله" وإسرائيل. ومن هذا المنظور مهدت الحرب الطريق لحضور إيران المباشر على سواحل البحر المتوسط وعند الحدود الإسرائيلية.

-المرحلة الثانية بدأت مع انتصار "حزب الله" في جولة جديدة من التنافس السياسي الداخلي في ربيع 2008، عندما شرعت الجماعة الشيعية اللبنانية في التصدي لحكومة فؤاد السنيورة الموالية للغرب. ويُعتقد أن الاتفاق بين الطوائف اللبنانية الذي تم التوصل إليه في مؤتمر الدوحة كان نصرا استراتيجيا آخر لـ "حزب الله وإيران" في منطقة البحر المتوسط.

-المرحلة الثالثة شهدت ازدياد الدور الإقليمي الإيراني نتيجة معارضة طهران الحرب الإسرائيلية على غزة في حرب الـ 22 يوما. وبينما لزمت كل النظم المحافظة العربية الصمت، كانت إيران إحدى الدول الإقليمية الرئيسة التي دانت العمليات العسكرية الإسرائيلية ودعت إلى رد فعل قوي من المجتمع الدولي".

واشنطن: كسر الحلقة المفرغة

تأسيسا على ذلك، تتوقّع مراكز ابحاث اوروبية ان تعمد واشنطن الى كسر هذه الحلقة المفرغة من الحروب والتوتيرات التي ادّت حصرا الى اضعاف وجود واشنطن وتعزيز الدور الايراني، ما اتاح قيام محور ناشئ بين طهران وانقرة ودمشق يميل اليه كثر من سكان الاقليم، وخصوصا في ضوء المواقف التركية الاخيرة من قمع المشاركة الاسرائيلية في مناورات "نسر الاناضول"، الى تنامي الخصام والثقافي والاجتماعي بين الاتراك والاسرائيليين.

وتدرك واشنطن، حيال هذا الواقع، ان التعويل على "القوة الناعمة" و"الاختراقات النظيفة"، هي باب من ابواب كسر هذه الحلقة المفرغة والعبثية من التوتر، وذلك لا يكون الا من طريق طرح مبادرات سلمية تمسّ جوهر قضايا الشرق الاوسط وسبب تفشي النزاعات والتطرف فيه، اي القضية الفلسطينية. من هنا كان التعويل على مبادرة الرئيس الاميركي باراك اوباما، وهي مبادرة بتشعبات عدة، بدأت من خلال صوغ مقاربة جديدة مع الرأي العام الاسلامي انطلاقا من زيارتيه المؤثرتين الى تركيا ومصر، وتستمر من خلال المسعى الى وقف الاستيطان الاسرائيلي كشرط لبدء اختراقات ملموسة على مستوى اعادة اطلاق عملية التسوية تفتح رأس جسر لحوار عربي – اسرائيلي، وإن بصيغة بدائية.

Sphere: Related Content

من عين الرمانة – الشياّح الى باب التبانة – جبل محسن

من يحرّك فوالق الحروب والتصدّعات المذهبية؟

امنيون ينبّهون الى تزاحم استخباري عربي – دولي

تزامن بريئ بين الخروق الامنية والقمة السعودية – السورية؟

ينشر في "الاسبوع العربي" في 19/10/2009

وضعت الحادثة المأسوية في محلة عين الرمانة ليل السادس من تشرين الاول (اكتوبر) والتي قضى بنتيجتها الناشط في "التيار الوطني الحر" جورج ابو ماضي، معطوفة على الخروق الامنية في مدينة طرابلس بين محلتي التبانة وجبل محسن، الامن في واجهة الاهتمامات اللبنانية، نظرا الى هشاشة الهدوء اثر موجة من الاحتقان السياسي على خلفية تعثّر تشكيل الحكومة.

تقّدم الشأن الامني في اولويات الاهتمام الديبلوماسي، وسط دفق هائل من تقارير السفارات والبعثات الديبلوماسية العربية والاجنبية، التي توسّعت في شرح مخاطر اي تفلّت امني:

-إن على خلفية مأساة عين الرمانة التي تستمر مع جارتها الشياح في ان تكونا مسرحا لاستفزازات وعراضات وتحرّشات خطرة تتهدد السلم الاهلي والامن القومي، نظرا الى ما لـ عين الرمانة في الذاكرة اللبنانية من مكانة ترمز الى مأساة الحرب، وبإعتبارها خط تماس في مساحة تصارعت على ارضها وبشبابها، القوى الحزبية والمليشيوية من امراء الحرب ورموزها.

-او على خلفية القذائف المجهولة التي تصيب الاحياء الآمنة في طرابلس وتحرّك النعرات وتؤدي الى تأزيم النفوس وزيادة النفور بين اهالي المحلّتين.

ويخشى بعض المراقبين من ان ثمة مشروعا خارجيا اشبه بمؤامرة، يرمي الى تحريك نقاط التصدّعات وفوالق الزلازل السياسية والامنية في البنيان اللبناني، وخصوصا في المناطق ذات الحساسية التاريخية كمحلة عين الرمانة التي شهدت انطلاق الحرب اللبنانية بسبب ما يوصف تاريخيا بشرارة بوسطة عين الرمانة، وكثنائية باب التبانة – جبل محسن التي تشهد نزاعات اهلية متواصلة، وكانت رمزا من رموز الحرب ايضا.

ولئن تنحو التحقيقات في مأساة عين الرمانة الى حصرها في الاطار الفردي، يُفترض بالقيادات السياسية والحزبية ان ترفع الغطاء وتنفي الحضن عن مجموعات متوترة وشباب طائش ورعاع ومنحرفون ومهمشون ويافعون أسرى الطيش والعصبيات والسلوكيات العنجهية والاستعراضية، وهم بمجملهم يقيمون أوكارهم ليلا على الأرصفة في المناطق ذات هامش فقر مرتفع، ويتحركون في مواكب دراجة أو سيارة مدججين بالسكاكين والجنازير والعصيّ، يتحرشون بالفتيات ويرابطون في أحيائهم بزعم التصدي لغزوات المتحرشين من الأحياء المجاورة، وبينهم من يتعاطى المخدرات والحبوب المنشطة على أنواعها، وهم تبرعوا دائما في ظروف الاحتقان السياسي و الطائفي والانتخابي بتنظيم عراضات استفزاز متبادلة.

ضجة على وقع مأساة

واقع الامر انه كان يمكن لحادثة عين الرمانة ولأحداث باب التبانة – جبل محسن، ان تمرّا كما مرّت مثيلاتهما سابقا، مثلهما مثل الخروق الأمنية المتنقلة في المناطق، ولكن الحادثتان اقتطعتا مساحة واسعة من الاهتمام الشعبي والسياسي والاعلامي والديبلوماسي، ونافستا حدث القمة السورية – السعودية، والمداولات اللبنانية في شأن الحكومة، نظرا الى مجموعة عوامل محلية واقليمية سياسية ونفسية، والى بعض "القراءات المقارباتية":

1- ففي عين الرمانة – الشياح، تبرز:

أ-الرمزية التاريخية - النفسية للمساحة التأزمية بين عين الرمانة والشياح كأول خط تماس في الحرب ومنطلقها وحاضن شراراتها المباشرة في نيسان (ابريل) العام ١٩٧٥. وكان لافتا ان كثرا على جانبي هذه المساحة قد غادروا منازلهم ونزحوا موقتا الى مناطق اكثر امنا في انتظار هدوء النفوس وتراجع التشنّج.

ب-الرمزية الطائفية لشارعين شرقيّ وغربيّ، اكتسباها منذ شباط (فبراير) ٢٠٠٦، يوم اجتمع زعيمين ماروني وشيعي لتوقيع وثيقة تفاهم كان لها تأثير مباشر ومستمر في الأوضاع الداخلية وواجهت تحديات واختبارات في محطات عدة.

ج-"الرمزية السياسية - الطائفية لتماس فاصل بين شيعية سياسية – حزبية يختصرها ثنائي "حزب الله – حركة "امل"، وبين "مارونيات" تحنّ لمارونية سياسية دفنتها حروب واتفاقات، وتتصارع راهنا (كتائبيا - قواتيا – عونيا)، إما لاستعادة مجد غابر او لتثبيت جدوى تفاهم يصاب بكلَمٍ كلّما سقطت ضحية او هُدرت دماء على خطوط التماس الطائفية. فقرأت "القوات اللبنانية" الحادثة رسالة سياسية موجهة الى تعاظم حضورها. وقرأ "التيار الوطني الحر" رسالة الى العماد ميشال عون، بعدما تبين ان الضحية هو من أنصاره، كي لا يذهب بعيدا في انفتاحه وحواره مع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري.

2- في باب التبانة – جبل محسن، تُبرز:

أ-ثنائية خط تماس متواصل بين اكثرية سنية واقلية علوية.

ب-ثنائية تصارعية، تختصر (او يخيّل لها انها تختصر) صراع جماعة طائفية ثكلها اغتيال زعيمها، مع نظام تتهمّه لو سياسيا بهذا الاغتيال.

ج-مساحة تتصارع فيها عشرات اجهزة الاستخبارات في مدينة كانت ولا تزال مفتوحة على انواع شتى من التنافس الاستخباري الظاهر والمستتر.

وتاليا، أصبح اي حادث في هاتين المساحتين نذر شؤم يوقظ ذكريات وجروحا وتقيؤات!

الحادثتان والقمة

بيد ان ما منح هاتين الحادثتين بعدا اقليميا ودوليا، تزامنهما (صدفة او ميعادا) مع القمة السعودية – السورية في دمشق، نظرا الى ان تقارير كثيرة كانت تترقّب حادثا او خرقا امنيا إما يطيح بالقمة او يؤثر في مسارها او يحوّل الاهتمام عنها،؟ ونظرا ايضا الى ان مراجع امنية حذرّت تكرارا من ان ينتج التمديد للفراغ الحكومي مآس وخروقا اصولية – قاعدية او استخبارية مشبوهة.

حقيقة الامر ان ايا من الهواجس هذه لم تثبتها التحقيقات القضائية والامنية في مأساة عين الرمانة التي لا تزال تُحصر في اطار الاشكال الفردي افتعلته توتر مذهبي ضارب في جذور الذاكرة الجماعية، وشلل اعتادت الاستباحة والتسيّب.

لكن الحقيقة ايضا ان الظروف الداخلية وتلك المحيطة، تفترض وعيا اكبر لدى القيادات الحزبية المعنية بمواقع التوتر والتشنّج، حيث خطوطها تمتدّ عاصمة وشمالا وبقاعا وجبلا، بحيث تنصرف هذه القوى الى اجراءات وقائية – ردعية لبعض الجماعات المتوترة والمتهورة التي تستظل غطاء حزبيا كي تعيث فوضى بإسم من يغطيها او تدّعي ذلك.

محاذير امنية

وكان موفدون كثر قد حذّروا من مخاطر استمرار الفراغ الحكومي وانعكاساته الامنية، في حين حمل المستشار الخاص للرئيس الفرنسي هنري غينو في زيارته الاخيرة لبيروت، تنبيها سياسيا – استخباريا، من امكان ان يتسلل متضررون من الاستقرار اللبناني وبعض المجموعات الاصولية المرتبطة بـ "القاعدة"، وينْفِذوا في اتجاه تفجيرات امنية تطال شخصيات لبنانية مدنية وعسكرية وروحية، او تستهدف القوة الدولية المعززة العاملة في الجنوب من ضمن رغبة "القاعدة" في ان يكون لبنان ملاذا جديدا لها وساحة جهاد بعدما مُنيت مشروعاتها في العراق وافغانستان بضربة قاسمة، وانهارت المراحل الاولى من مشروعها فرض الولاية الاسلامية على المنطقة الممتدة من فسطين الى افغانستان.

ويحذر امنيون من تداعيات اي خروق امنية، نظرا الى أن توقيت مثل هذه الأحداث في الظرف السياسي الراهن وفي ظل الاستحقاقات الدقيقة التي يمر بها لبنان من شأنه أن يضر بأي تفاهم سياسي لمصلحة الذين لا يريدون إرساء أسس السلم الأهلي.

ويرى هؤلاء انه عندما تحصل حوادث داخلية وتسعى القوى الامنية الى القيام بما يجب عليه من اجراءات وقائية وردعية وعقابية، تهبّ تكتلات طائفية لحماية المرتكبين، مع أن السبب قد لا يتجاوز احيانا تخوف شبان ميليشيويين موجودين في كل الأطراف من استقرار الوضع الأمني وتشديد قبضة الدولة. وهذا ما لا مصلحة لهم به، لذا يعمد بعضهم إلى أعمال فردية إجرامية يستفيد منها فريق ثالث ليحقق مصالحه الخاصة سواء في السياسة أو في الأمن.

ويتحدثون عن تقارير عن دخول عناصر استخبارية اقليمية ودولية على خط التشنّج، ربما بنيّة تنفيذ بعض الاغتيالات او محاولات الاغتيال، ورغبة في تأجيج الوضع بين الطوائف، وربّما لتفويت موسم سياحي واعد في المجمّعات الشتائية ومع عيدي الميلاد ورأس السنة.

كما يتخوّف هؤلاء الامنيون من أن تعمد اسرائيل الى تنفيذ اغتيالات لتحويل النظر عن ملف عملائها. ويأتي في هذا الاطار ما حكي عن محاولة لاغتيال النائب سامي الجميل، كما عن خطة لاستهداف المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله.

الأحد، 27 سبتمبر 2009

Sphere: Related Content
فكّ التأزم اللبناني مرهون بمجمل مسار الاقليم
هل تكفي ساعتا جدة كي تستقيم الحكومة؟
تذبذب في العلاقة الاميركية – السورية ينسحب سلبا على لبنان؟
التصلّب الايراني ومفاعل قمّ نذيرا حرب!

ينشر في "الاسبوع العربي" في 5/10/2009
قلبت قمة الساعتين في جدّة السعودية بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد، مجمل الصورة النمطية في لبنان، وخصوصا عن مآل الحكومة ومتعلقاتها وتطور مسارها. لكن التفاؤل يبقى نسبيا ومرهونا بمجمل المسار في المنطقة، بدءا وانتهاء بالملف النووي الايراني والعلاقة المتأرجحة بين طهران ومختلف العواصم الاقليمية والغربية. لكن ماذا عن التأرجح في العلاقة بين واشنطن ودمشق، واثره على بيروت؟
حملت الاسابيع الفائتة معطيات متفاوتة عن تطور العلاقة الاميركية – السورية، في ضوء بعض الاحداث والجزيئيات التي شكلت حمّالة اوجه في تفسير سبب التذبذب الحاصل في هذه العلاقة.
من هذه المعطيات، تقرأ اوساط ديبلوماسية الآتي:
1-تأخّر تعيين سفير جديد للولايات المتحدة في سوريا، وهو المركز الشاغر منذ استدعاء السفيرة مارغريت سكوبي في الخامس عشر من شباط (فبراير) 2005، اثر اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. وكانت دمشق قد ضربت شهر تموز (يوليو) موعدا لمجيئ السفير الجديد، فقفل الصيف من غير ان يحلّ طيف السفير في سوق الحميدية، ولا في شارع المنصور في منطقة ابو الرمانة الدمشقية الراقية حيث مقر السفارة، في حين يمارس القائم بالاعمال شارلز (شاك) هانتر مهامه على رأس البعثة منذ تعيينه في آب (اغسطس) الفائت، خلفا للديبلوماسي مايكل كوربين.
تفاوتت المعطيات في شأن تأخر واشنطن في ايفاد سفيرها، على رغم انه سبقت ان اعلنت قبل نحو شهرين ونصف شهر انها عازمة على اتمام هذه الخطوة، في حين يقول بعض التقارير ان واشنطن صرفت راهنا النظر عن هذا التعيين.
2-الحدّ من اندفاعة زيارات رجال الكونغرس والمسؤولين الى دمشق.
3-تجميد الاجتماعات الامنية والاستخبارية المشتركة، وكان آخرها في تموز (يوليو) الفائت، وفي حينه ابلغت دمشق الى واشنطن انها تفضّل انتقال هذه اللقاءات الى مستوى لجنة سياسية تناقش مختلف العناوين لا الشأن الامني – الاستخباري المتعلق حصرا بالعراق.
4-استثناء دمشق من برنامج الزيارة الاخيرة للمبعوث الرئاسي جورج ميتشل الذي سبق ان زارها في تموز (يوليو) الفائت، وهي زيارة تطوّر نقاش واسع في شأنها داخل الاروقة الاميركية.
5-عدم دعوة السفير في واشنطن عماد مصطفى الى الافطار الذي اقامته وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، على شرف شخصيات من العالمين العربي والاسلامي، في الخامس عشر من آب (اغسطس) الفائت، فيما حضر معظم نظرائه، وخصوصا اللبناني انطوان شديد والسعودي عادل الجبير والفلسطيني معن عريقات. ويؤشر امتناع الخارجية عن دعوة مصطفى الى الافطار التقليدي السنوي، الى تراجع كبير في العلاقة الاميركية - السورية، بعد تحسن اثر انتخاب باراك اوباما رئيسا، حيث تمت دعوة مصطفى الى بعض النشاطات الثقافية، كما حضر مسؤولون اميركيون مناسبات اقامتها السفارة السورية.
6-تثبيت الديبلوماسي، المثير للجدل سورياً، السفير جيفري فيلتمان في مركز رئيسي في وزارة الخارجية (مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى)، على رغم كل الحملات السورية على الرجل، وازكائه لدور متقدم في الملف اللبناني – السوري. وهذا المنصب سبق ان رشحه اليه اوباما شخصيا في الثامن من نيسان (ابريل) الفائت.
7-في الجانب الآخر من الصورة، برز استقبال جيفري فيلتمان، الاثنين في الثامن والعشرين من ايلول، (سبتمبر) نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد، في زيارة هي الأولى لمسؤول سوري بهذا المستوى منذ العام 2004، في اطار لقاءات شملت مسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية.
وقالت مصادر سورية إن المقداد زار واشنطن بناء على دعوة وجهت إليه قبل شهر ونصف شهر، في اطار "متابعة الحوار المستمر الذي بدأته الإدارة الأميركية مع سوريا منذ آذار (مارس) الفائت، حيث سبق لفيلتمان والمسؤول في مجلس الأمن القومي دانييل شابيرو أن زارا سوريا مرتين".
مطبخ القرار الاميركي
لماذا هذا التذبذب في الانفراج الاميركي – السوري؟ وما تداعياته لبنانيا؟
ما يجري في المطبخ الأميركي قبل صدور أي قرار على ‏الصعيدين الداخلي أو الخارجي، ترسم مساره هيئات ومراكز دراسات تسمى بـ "خزانات ‏الفكر" Think Tanks وهي التي تدرس تطبيقاته السياسية ‏والعسكرية والاقتصادية.‏ وداخل هذه الخزانات يقوم باحثون ‏مختصون بجمع المعلومات وإجراء دراسات عميقة تستمد نفقاتها من تبرعات الشركات العابرة للقارات، والطبقة ‏البورجوازية المتحكمة في صناعة القرار ليس على صعيد الولايات ‏المتحدة الاميركي وحسب بل على الصعيد العالمي.‏ ومن الامثلة على «خزانات الفكر» هذه هي "خدمة أبحاث الكونغرس" المعروفة اختصارا بـ CRS، وهي مركز أبحاث تابع لمجلس النواب الأميركي تقدّر ميزانيته السنوية بنحو 100 مليون دولار ويعمل فيه 700 موظف في مختلف القضايا، منهم 450 محللا متخصصا، ونحو 70 متخصصا في قضايا علمية وتكنولوجية. المركز هو الذراع البحثية للكونغرس ويؤمن الأبحاث العملية التي يحتاجها أعضاؤه في اتخاذ القرارات. ولا يوفر أبحاثه للجمهور الأميركي بشكل مباشر بل من طريق طرف ثالثة يقوم بنشر تقاريره كوزارة الخارجية. ويمكن أعضاء الكونغرس تقديمها للجمهور للاستعانة بها في مبادراتهم ومناوراتهم السياسية. ومع ذلك، يجري حجب التقارير التي تمثل إحراجا أمام الجمهور أو المجتمع الدولي.
الصراع في المناطق الاربع
في تقريره السنوي للعام 2008 عن العلاقة الاميركية – السورية الذي صدر في شتاء - ربيع 2009، يشير التقرير الى انه "على رغم ضعف جيشها وضحالة اقتصادها، لا تزال سوريا تلعب دورا في جيوبوليتيكيا الشرق الاوسط. فنظام الاسد يضع يديه في كل واحدة من مناطق الصراع او المقبلة على الصراع الاربع في المنطقة، اي لبنان، واسرائيل - فلسطين، والعراق وايران". ويضيف: "في المشرق، يهدف القادة السوريون الى السيطرة على سياسات لبنان الداخلية، وتم اتهامهم بالتورط في اغتيال اربعة اعضاء في البرلمان (اللبناني) ورئيس الحكومة السابق رفيق الحريري".
وفي الفقرة عن لبنان يقول التقرير: "قاوم نظام الاسد المحاولات الاميركية والفرنسية لدعم حكومة فؤاد السنيورة الموالية للغرب، معتقدا ان في إستطاعته ان يخفف من عاصفة الضغوطات الاميركية مع الوقت". ويتهم التقرير سورية بعرقلة السلام في المنطقة "اذ تقوم احيانا بدور المفسد برعايتها للمسلحين الفلسطينيين وتسهيلها اعادة تسليح حزب الله". ويعتبر ان ابتعاد دمشق عن واشنطن على مدى العقد الفائت، دفع بسوريا الى تعزيز علاقتها مع ايران، بما يشكل "مصدر قلق للاستراتيجيين الاميركيين". ويتحدث عن انقسام بين المحللين الاميركيين بين من يدعو صانعي السياسة الاميركيين الى "جذب زعماء سوريا بعيدا من ايران"، وبين من يعتقد ان على الادارة ان "تذهب ابعد مما هي عليه في الضغط على الحكومة السورية، وان تبحث في تطبيق عقوبات اقتصادية اكبر عليها".
وفي آخر جلسة استماع للجنة الفرعية لمجلس النواب للشرق الأوسط وجنوب آسياHouse Subcommittee on the Middle East & South Asia، والتي حملت عنوان "التطورات في لبنان" Update on Lebanon، اكد رئيس اللجنة غاري أكرمان والسفير فيلتمان التزام أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون "استمرار دعم سيادة وديمقراطية ورخاء لبنان". وشددا على "ضرورة سعي الولايات المتحدة إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة في لبنان واستمرار انخراط شركاء الولايات المتحدة من أجل هذا الهدف، وإلى استمرار تدعيم مؤسسات الدولة اللبنانية، وجهود الحكومة اللبنانية من أجل توسيع سلطاتها". وأشارا إلى "ضرورة سعي الإدارة لتحقيق سلام بين إسرائيل ولبنان في إطار تحقيق سلام شامل بالمنطقة، انطلاقًا من أن لبنان فاعل رئيس في بناء سلام واستقرار في منطقة الشرق الأوسط على المدى الطويل". واعتبرا ان "الدعم الأميركي لاستقرار واستقلالية لبنان مهم جدًّا لنجاح الجهود الأميركية المستقبلية في المنطقة".
ولخّص أكرمان المصالح الأميركية في لبنان بـ "سيادة واستقلال الدولة اللبنانية ووحدة أراضيها"، مضيفًا أن الولايات المتحدة "تريد أن يحكم لبنان اللبنانيون من أجل اللبنانيين، وأن واشنطن تحتاج إلى شريك وليس دولة ميليشيات وفرق عسكرية، وحليفٍ وليس وكيلا، وداعيا إلى "استمرار واشنطن في تقديم الدعم إلى اللبنانيين لتحرير لبنان من القوى والهيمنة الخارجية (...) والى ضرورة تدعيم الولايات المتحدة الجيش اللبناني (LAF) وقوى الأمن الداخلي (ISF)، انطلاقا من شرعيتهما القوية داخل لبنان، ودورهما في محاربة أنشطة الإرهابيين المدعومين من القوى الخارجية".
واكد فيلتمان ان المحكمة الخاصة بلبنان تُعبّر عن رغبة اللبنانيين والمجتمع الدولي في وضع حدٍّ لعهد الإفلات من عقوبات الاغتيالات السياسية، انه مؤمن في ان المحكمة ستقدم قتلة الحريري، إلى العدالة. وشدد على أن "المحكمة ليست جزءا من اتفاق سياسي إقليمي أو أنها ذات طابع سياسي، ولكنها تهدف إلى العدالة من خلال أدلة يتوصل إليها من الاستجوابات والتحقيقات، أي محكمة مهنية وليس سياسية".
التعقيد لبنانيا
ارتكازا على هذه الانطباعات والمواقف، يعتقد ديبلوماسيون عاملون في بيروت انه على رغم هيمنة مناخ الانفراج على مجرى الاستشارات النيابية التي قام بها الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، ثمة معطيات تزيد في احتمال الحاجة الى مزيد من الوقت والجهد قبل بلورة صيغة حكومية معقولة ترضي الاطراف السياسية، الامر الذي يرجح استمرار مشاورات الرئيس المكلف في مرحلة لاحقة، لمدة اسبوع على الاقل، قبل ان ينخرط في مرحلة وضع الاسماء والحقائب، والتي يؤمل ان تبدأ في الاسبوع الاول من الشهر المقبل.
ويرى الديبلوماسيون ان المعلومات عن القمة السعودية - السورية لا تزال غير كافية بشكل يسمح بتقديم انطباع عن تأثيراتها الايجابية المباشرة على مسألة تشكيل الحكومة، من دون ان ينفي ذلك مناخ التفاؤل المحدود الذي تركته القمة.
وفي اعتقاد الديبلوماسيين ان التقديرات لنتائج قمة جدة تشير الى انها حققت انفراجاً على الصعيد اللبناني، وعلى مستوى العلاقات بين الدولتين، لكن هذا الانفراج لم ينسحب اتفاقاً على المستوى الاقليمي، لاعتبارات تتصل بالعلاقات السعودية - الايرانية، وبالمسار الذي يسلكه الملف النووي الايراني وخصوصا بعدما كشفت طهران عن مفاعلها الثاني في قمّ، مما ادى الى خلط كل الاوراق الدولية.
ويخلص هؤلاء الى ان الانطباع عن اندفاعة سرية وفاعلة ومؤثرة نحو إنجاز الملف الحكومي، يبدو غير مبني على وقائع ثابتة، اقلّه في المدى المنظور، نظرا الى تشعّب التعقيدات والذيول الناتجة عن التصلّب في مسار المفاوضات الايرانية مع مجموعة الست (الدول الخمسة الاعضاء في مجلس الامن زائدا المانيا).