الأحد، 25 أكتوبر 2009

Sphere: Related Content

الفراغ يلج شهره الرابع .. والمسؤولية عن العرقلة تتوزّع بين الداخل والخارج

الحكومة استنفدت الصمت والمخارج الخلاقة والوقت الاضافي!

كوشنير في بيروت يستعرض ويصوّب ويتقلّب ويهادن في آن!

حرب مبكرة في البترون على النيابة من باب الوزارة

ينشر في "الاسبوع العربي" في 2/11/2009

استوى الفراغ الحكومي في شهره الرابع، وسلّمت العامة بفشل ساستها في ادارة 10 آلاف كيلومتر مربع من الترسّبات والتشرذمات والنكايات، فيما النصائح القريبة والبعيدة تهطل على شاكلة موفدين ومسؤولين، جلّهم يبحثون عن دور، وقلّة جديون قادرون على مقاربة موضوعية لهذا المعجن من التناقضات الذي اسمه لبنان.

اشارة الزائر المثير للجدل، وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير في الثالث والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر)، ومن قصر بعبدا بالذات، الى "وجود عقبات خارجية تحول دون تشكيل الحكومة"، وتشديده على "وجوب قيام الدول الخارجية بالتزاماتها"، وتنويهه الى ان "لقاء الاسد - عبدالله كان جيدا جدا لكننا لم نشهد حكومة في لبنان"، كلها مؤشرات تدل الى ان كوشنير جاء الى بيروت بإنطباع مسبق بأن تعطيل الحكومة امر خارجي غير مرتبط حصرا بالمناوشات الداخلية على وزارتي الاتصالات والعدل، وصولا الى حد التلميح -اتهاما - الى دمشق في معرض تحديده المسؤوليات عن تعثّر التشكيل.

لكن تشاؤم الزائر الفرنسي الاستعراضي ما لبث ان استحال تشاؤلا قبيل مغاردته بيروت، فغيّر في صوغ افكاره من غير ان يخرج عن تحفّظه، فهو سمع من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومن رئيس البرلمان نبيه بري ومن الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، كلاما جعله يأمل في تعجيلٍ ما يصيب الملف الحكومي.

بالطبع، لم يرق الكلام المتقلب لرئيس الديبلوماسية الفرنسية، حلفاء دمشق التي صوّب عليها مرتين: اولى بإلغاء زيارته لها احتجاجا على اعتقال الناشط الحقوقي هيثم المالح، وثانية بوضعها تلميحا في خانة العوامل الخارجية المعرقلة للحكومة.

ليس مستساغا

اصلا، دمشق لا تستسيغ رئيس الديبلوماسية الفرنسية، وطالما اتهمه مسؤولون سوريون بتملّق اسرائيل آخذين عليه أنه لا يفوّت جهدا لعرقلة التقارب الفرنسي – السوري الذي يقوده شخصيا - بنظر هؤلاء - الرئيس نيكولا ساركوزي، عبر مساعده الاوثق كلود غيان، صديق السوريين هو الآخر. ويحمّل السوريون كوشنير مسؤولية غير مباشرة عن الاخراج السيئ لمسألة توقيع الشراكة الاورو – متوسطية مع سوريا، وعن اصرار هولندا على التحفظ عن التوقيع بسبب اعتراضها على وضع حقوق الانسان في سوريا (وهو ما يعرف بالشروط السياسية الخاصة بسوريا)، هذه الشراكة التي تعثّرت بفعل الاخراج الذي جعل دمشق كأنها في موقع المهرول، في حين ان الاتحاد الاوروبي منحها من الجمل اذنه، بحيث قرر دعمها بنحو 250 مليون يورو للتعويض على زراعتها وصناعتها اللتين ستتأثران بفتح الاسواق ورفع الحماية والدعم عن الزراعة والصناعة السورية، بينما منحت الجزائر اكثر من ضعف هذا المبلغ "لتعويض خسائرها من الرسوم الجمركية ونفقات تأهيل الصناعة"، وكذلك الاردن ومصر.

في أي حال، اتهم كوشنير دمشق، ساعاتٍ بعد اعلان الكي دورسيه ارجاء زيارته الى سوريا من ضمن جولته في اسرائيل والاراضي الفلسطينية، من دون توضيح السبب سوى ما قيل عن عدوله عن زيارة تل ابيب اثر منعه دخول غزة (لماذا ابقى على زيارة بيروت لو كان هذا السبب الفعلي؟)، وايامٍ بعد الرسالة التي بعثها وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى الرئاسة السويدية للاتحاد الاوروبي يعلمها فيها "تردّد" دمشق في شأن توقيع اتفاق الشراكة في انتظار ان تنهي درس "تفاصيل الاتفاق وتقويم تأثيره على اقتصادها وخصوصا على القطاعات الإنتاجية التي ستتأثر مباشرة بإلغاء الرسوم الجمركية على دخول البضائع الأوروبية"، علما ان دمشق تجهد منذ العام 2004 كي توقّع هذه الشراكة، وهي هللت للاتفاق عندما نجحت ادارة ساركوزي في الضغط على هولندا كي تسحب تحفظاتها، ولا بد انها اشبعته درسا منذ جمّد جاك شيراك هذا المسار اثر قمة النورماندي والقرار 1559. ونقلت "لو موند" عن مصدر سوري رسمي رفيع المستوى قوله: "أولاً يتكبرون علينا في خلال خمس سنوات ومن بعدها يتكرمون علينا بسبعة عشر يوماً لنقرر... هذا ليس أسلوبا!".

بين العرقلة والتسهيل

لم يتّهم كوشنير دمشق حصرا عند وصوله، ولم يعد عن اتهامها عند مغادرته. لكن لائحة الاتهام جاءت مناقضة لمقاربات عدة ساقها قياديون في قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، برّأت العاصمة السورية من التعطيل وحصرته بطهران على خلفية جملة من المؤشرات جمعها هؤلاء القادة على امتداد الاسابيع القليلة الفائتة.

في مؤشرات العرقلة والتسهيل، وما لفّ لفهما من محطات مهمة، يُقرأ الآتي:

1-حرْص رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية على تعميم رغبته في "التنازل" والاكتفاء بوزارة دولة، مباشرة بعد لقائه بالعماد ميشال عون وبعد اتصاله بالرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري. واللافت ان هذا التعميم جاء على رغم معرفة فرنجية بما سيدلي به عون بعد ظهر الاربعاء في الواحد والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) من مواقف اعتبرها زعيم الرابية ضرورية لـ "اصلاح" مناخ الاغراق بالتفاؤل.

ويرى القياديون في قوى الرابع عشر من آذار (مارس) ان فرنجية، صديق آل الاسد، اصر على تعميم هذا الموقف، على رغم علمه انه سيسقط من يد عون ورقة المساومة على الوزارة الخامسة المارونية، وذلك كي يستبق أي اتهام محتمل لدمشق بالمساهمة في عرقلة تشكيل الحكومة. وهو بذلك جعل القيادة السورية براء من تهمة التعطيل، لأن حليفها الاول والصديق السرمدي، قرر التنازل طوعا والى اقصى حد في سبيل التسهيل. فكيف يستوي، بعد ذلك، اتهام هذه القيادة بما هو مغاير لموقفها هذا او بمجافاتها التفاهم الذي ارسته قمتا جدة ودمشق؟

ويشير هؤلاء الى ان فرنجية استسهل، كرمى لهذا التسهيل، اغضاب انصاره ومحازبيه الذين عبّروا علنا عن امتعاضهم بوزارة الدولة ثمنا بخسا لكل ما قدمته "المردة" في تحالفها مع "التيار الوطني الحر"!

2-الاجتماع الذي جمع في دمشق، بداية الاسبوع الثالث من تشرين الاول (اكتوبر)، مختلف تلاوين المعارضة وتخلله تشاور مستفيض في مسار تأليف الحكومة، وهو الاجتماع الذي بقي بعيدا من التداول، واستتبِع بموقف هو الاول من نوعه منذ البيان السوري الرسمي اثر قمة دمشق، "اكد" فيه الرئيس بشار الاسد (حرص على استعمال صيغة التوكيد) من خارج النص او المناسبة (استقباله رئيسة فنلندا تاريا هالونين) "وجهة نظر سوريا بضرورة الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية تعيد الوضع في لبنان إلى حالته الطبيعية وإلى دوره الطبيعي بعد سنوات من الاضطراب والانقسام".

3-اللقاء الذي تردد انه جمع الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله بالمسؤول عن الاتصالات السياسية في "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، الاثنين في التاسع عشر من تشرين الاول (اكتوبر)، والذي شرح فيه باسيل مقاربة التيار لـ "الاغراق التفاؤلي" الذي شهدته الايام السبعة التي سبقت هذا اللقاء، وما سيعود العماد الى قوله عون بعد يومين.

حرب في البترون

4-الاجتماع المسيحي في معراب الذي اعاد تفعيل التواصل بين الاحزاب المسيحية في قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، والذي بنتيجته "حدّد" رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع ما هو مسموح وما هو محجوب عن "حزب الله" وحلفائه، أي وزارتي الاتصالات والعدل. وهذا التحديد هو ما اخرج عون عن طوره ودفعه الى قول ما قاله الاربعاء، وخصوصا ان وزارة العدل ستمنح الى بطرس حرب تحديدا، خصم صهره في البترون. واستطرادا، لن يكون سهلا ان يتربّع حرب على وزارة شبه سيادية لاربع سنوات متتالية ليخرج، في انتخابات 2013، الى معركة كسر عظم جديدة!

ويقول القياديون قوى الغالبية ان عون يحاول استبعاد حرب من الحكومة كرد مباشر على عدم اعطاء الاتصالات لباسيل أو على الأقل لقطع طريق اسناد وزارة العدل اليه ومطالبته بها كتعويض عن الاتصالات. ولم تكن مطالبته بست حقائب وزارية الا لمنع توزير حرب أو الدخول في مقايضة تؤمن له العدل بديلا من الاتصالات.

5-الصمت السياسي المطبق الذي يتّبعه "حزب الله" وحركة "امل"، وهو تجلى في اكثر من مناسبة.

6-التدقيق مجددا في صحة ما نقل عن السيد نصر الله لجهة قوله "على 14 آذار (مارس) نسيان امر الانتخابات النيابية والا فلا حكومة".

7-التمعّن تكرارا في ما سمعه في دمشق مسؤولون عرب: "ندرك ان جلالة الملك (السعودي) ارجأ القمة مرارا حتى حصل على وعد رئاسي بالتسهيل في لبنان. لكن تأثير ايران على "حزب الله" اقوى من تأثيرنا. دمشق فعلت ما عليها، فتلبحثوا الامر مع الطرف الثالث"!

8-الهجوم العنيف غير المسبوق الذي شنته على ايران صحيفة "الوطن" السعودية، شبه الرسمية في الثاني والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر)، وحمل دعوة صريحة الى المواجهة: "النار الفارسية تحاصرنا من الشمال (العراق)، والآن من الجنوب (اليمن)، ونحن لدينا ألف عود ثقاب، ونستطيع أن نشعل ألف حريق في بلاد فارس لأنهم - كما يبدو - لا يفهمون سوى هذه اللغة"!

9-العرض المضاد الذي تقدّمت به طهران ردا على عرض مجموعة الست لتخصيب اليورانيوم في روسيا وفرنسا، ما ادى الى تأزم على هذا المستوى، قد ينسحب سلبا على لبنان. والتأزم هذا لن يجد مساحة افضل من الحكومة المعلّقة.

الاثنين، 19 أكتوبر 2009

Sphere: Related Content

تسعيان الى منع توتر جديد بين اسرائيل و"حزب الله".. والى اختراق على مستوى التسوية السلمية

باريس وواشنطن: مقاربتان مختلفتان لتهدئة تائهة

باريس لا ترى ان تل ابيب قادرة راهنا على شن حرب لكن الخطط جاهزة!

انتكاسات واشنطن اتاحت قيام محور ناشئ بين طهران وانقرة ودمشق

ينشر في "الاسبوع العربي" في 26/10/2009

بين انفجار مخزن الذخيرة في خراج بلدة خربة سلم الثلاثاء في الرابع عشر من تموز (يوليو)، وتفجير معدات التنصت في وادي الجمل الواقع بين بلدتي حولا وميس الجبل السبت في السابع عشر من تشرين الاول (اكتوبر) وبينهما والانفجار الغامض في طيرفلسيه الاثنين في الثاني عشر من تشرين الاول (اكتوبر)، 3 اشهر كاملة حفلت بالاسئلة والمقاربات الامنية – الاستخبارية، وبالتهديدات الاسرائيلية لـ "حزب الله" بـ "الاقتصاص" منه ومن لبنان، واتهامه بالسعي الى "الاخلال بالتوازن" الهش الذي نتج من القرار الدولي 1701 الصادر في آب (اغسطس) 2006. فماذا عما يشاع عن احتمال الحرب؟ وما موقف دول "اليونيفيل" مما يجري تداوله اسرائيليا؟ وما هي مقاربتا واشنطن وباريس لمشاريع التسوية ونزع الفتيل؟

حمل الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان ومستشار الرئيس نيكولا ساركوزي جان دايفيد ليفيت ومساعده للشرق الأوسط نيكولا غالي، في زيارتهم الاخيرة لسوريا، الملف اللبناني ومسيرة السلام جزءا لا يتجزأ من المقاربة الساركوزية للعلاقة مع دمشق - قيادة ومحورا-، وأبلغ الوفد الفرنسي الى محدّثيه أن عدم استقرار لبنان ليس من مصلحة أحد إلاّ إسرائيل التي تُتاح الفرصة لها، في ظروف عدم استقرار لبنان، لأن تتدخل وأن تحوّل انتباه العالم الى مشاكل تبعدها من طريق السلام.

في هذا الوقت، سُجّل في باريس، في الخامس من تشرين الاول (اكتوبر) اجتماع استثنائي هو الاول من نوعه، جمع رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال غابي أشكينازي ورئيس الأركان الفرنسي الجنرال جان لوي جورجولان، واجتماع ثان استثنائي ايضا ضم أشكينازي ورئيس الأركان الأميركي الجنرال مايكل مولن الذي كان في النورماندي لزيارة المقبرة الأميركية حيث ترقد رفات عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين الذين سقطوا في هذه المنطقة في ربيع وصيف العام 1944.

باريس والملفات اللاهبة

لم يرشح الكثير عن هذين الاجتماعين المنفصلين، اللذين ترافقا مع موجة تهديدات عسكرية اسرائيلية علنية لكل من ايران و"حزب الله"، على خلفية الملف النووي الايراني وما تشتبه تل ابيب الحزب بالاعداد له في الجنوب "لملاقاة" اي ضربة اسرائيلية للمفاعلات النووية في ايران.

وكان اشكينازي قد تحدث في خطاب عنيف في السادس عشر من تشرين الاول (اكتوبر) عن حرب حتمية ضد لبنان يتحضر لها الجيش الإسرائيلي، في سياق حملة إسرائيلية متواصلة عن قيام حزب الله بتعزيز قدراته العسكرية تصاعدت منذ فشل إسرائيل في تعديل قواعد اشتباك "اليونيفيل".

القليل مما تسرّب الى زوار باريس ان المواضيع الساخنة واللاهبة كانت محور الاجتماعين، وخصوصا الوضع في جنوب لبنان من زاوية وجود نحو ألفي عسكري في الكتيبة الفرنسية المنضوية تحت راية القوة الدولية المعززة (اليونيفيل).

من الواضح من مداولات اجتماع اشكينازي بنظيره الفرنسي، ان هاجس باريس الرئيسي يتمثّل في إمكان أن يؤدي اختلال الأمن في منطقة الجنوب، أي في منطقة عمليات القوة الدولية المعززة، إلى تهديد سلامة الكتيبة الفرنسية. فماذا عن سلامتهم في حال اندلاع حرب؟ وماذا سيكون عليه دور "اليونيفيل" في هذه الحال؟ هل تقف مع أحد من الطرفين (وهذا مستبعد) أم تقف على الحياد، وهذا لن يمنع تعرضها الى الخطر والقصف، وصولا الى اتهامها بالتهرّب وعدم القيام بواجبها؟

ومن الواضح ايضا ان باريس لا تزال تحلل الحادث الذي حصل في تموز (يوليو) الفائت حين تواجهت قوة فرنسية مع أهالي قرية خربة سلم لدى محاولتها تفتيش أحد المنازل بحثا عن أسلحة عائدة لـ "حزب الله" على اثر انفجار المخزن.

وهي، انطلاقا من كل ما تجمّع لديها من معطيات استخبارية، تتخوف من عودة احتمال التوتر بين "حزب الله" وإسرائيل، إن بسبب الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للأجواء اللبنانية أو بسبب تأكيدات إسرائيلية على استمرار تهريب الأسلحة، وخصوصا تلك الاخيرة التي قالت ان دمشق نقلت الى الجنوب جزءا كبيرا من مخزونها الصاروخي الاستراتيجي.

كما تتخوف باريس من أن يفضي فشل مساعي الحوار والتفاوض بين طهران والمجتمع الدولي إلى انصراف إسرائيل الى توجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية ما سيؤدي إلى نسف الاستقرار في الشرق الأوسط والخليج. وتجد باريس نفسها معنية من زاوية أخرى في ما سيحصل، إذ ان لها قاعدة عسكرية في أبو ظبي، ويربطها اتفاق دفاعي بالإمارات العربية المتحدة والكويت. وسبق أن عاودت النظر في اتفاقها الدفاعي مع أبوظبي، وهو يتضمن في أحد بنوده التزاما فرنسيا بأمن دولة الإمارات.

لا حرب راهنا ولكن..

وبناء على التقديرات الاستراتيجية والتكتيكية لاجهزة الامن الفرنسية، ولا سيما جهاز الاستخبارات الخارجي SDECE، لا ترى باريس ان إسرائيل جاهزة راهنا لشن حرب على "حزب الله" بسبب عدم الاستعداد الميداني والعسكري، وعدم جهوزية الداخل الإسرائيلي لحرب طويلة ومدمرة مع "حزب الله"، لكنها لا تنفي وجود خطط إسرائيلية لخوض حرب مقبلة في لبنان انطلاقا من انه "أمر بديهي ومعلوم في الأوساط العسكرية والسياسية، غير أن التخطيط للحرب أمر وشن الحرب أمر آخر". لكن هذه الحرب، في كل الاحوال، لا يمكن ان تقوم الا بتبني واشنطن لها على غرار ما حصل في حرب 2006، او اتفاق أميركي - إسرائيلي على أن تبدأ إسرائيل الحرب وتكملها اميركا. وهذان الاحتمالان، في التقدير الفرنسي، خارج الواقع والسياق الموضوعي والمنطقي بسبب الأوضاع في العراق وأفغانستان، والوضع الميداني المستجد في اليمن.

وفي تقدير الاستخبارات الفرنسية ان ثلاثة أسباب قد تؤدي إلى مواجهة وهي: اسر "حزب الله" جنودا إسرائيليين، ونجاح إسرائيل في إغتيال احد القادة الكبار في الحزب (في اشارة الى الامين العام او نائبه)، واغتيال مسؤول إسرائيلي كبير كرد على اغتيال القيادي في الحزب عماد مغنية.

لكنها ايضا ترى ان تل ابيب قادرة على توظيف اي من الحوادث الامنية في الجنوب (انفجار مجزن ذخائر او وجود سلاح حزبي جنوب الليطاني)، في اتجاه دراماتيكي.

من هنا، لا بد من مراقبة ما سيكون عليه موقف باريس من مشاركتها في القوة الدولية المعززة، لأن سيناريو الحرب سيصبح اكثر من محتمل إن هي اقدمت على سحب جنودها أو خففت حضورها، أو أعادت كتائب "اليونيفيل" تموضعها وانتشارها بصورة مفاجئة.

العوامل النافية

وسط هذه الصورة، تنكب مراكز الابحاث الغربية على مراجعة شاملة للاقليم على وقع التطورات الحاصلة، انطلاقا من قناعة بحثية بأن "أزمات الشرق الأوسط تربط أمنه بالأمن العالمي وتعزز تباعا النفوذ الإيراني".

احد هذه الابحاث، ما نشره كيهان بارجيزار (الأستاذ الزائر في جامعة هارفارد وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة "أزاد الإسلامية" في طهران)، وفيه محاولة للإجابة عن مجموعة من التساؤلات من قبيل: كيف يرتبط أمن منطقة الشرق الأوسط بنظام الأمن العالمي؟ وما موقع إيران ضمن منظومة الأمن العالمي؟ وما الأسباب التي أدت إلى تصاعد الدور الإيراني في المنطقة؟

يقول بارجيزار في البحث الذي نشرته دورية Ortadogu Etutleri بعنوان "إيران والشرق الأوسط والأمن العالمي": (...) "في لبنان أدى صعود العامل الشيعي إلى السلطة إلى تعزيز الدور الإقليمي الإيراني، وذلك من خلال ثلاث مراحل:

-المرحلة الأولى: بدأت مع انتصار "حزب الله" على إسرائيل في حرب صيف 2006، ما عزز الدور الإيراني في الشؤون اللبنانية والفلسطينية من الناحية الاستراتيجية. فالحرب لم تكن حربا تخوضها لبنان وإسرائيل فحسب، بل هي حرب إقليمية بين الولايات المتحدة وإيران عبر وكلائهما، "حزب الله" وإسرائيل. ومن هذا المنظور مهدت الحرب الطريق لحضور إيران المباشر على سواحل البحر المتوسط وعند الحدود الإسرائيلية.

-المرحلة الثانية بدأت مع انتصار "حزب الله" في جولة جديدة من التنافس السياسي الداخلي في ربيع 2008، عندما شرعت الجماعة الشيعية اللبنانية في التصدي لحكومة فؤاد السنيورة الموالية للغرب. ويُعتقد أن الاتفاق بين الطوائف اللبنانية الذي تم التوصل إليه في مؤتمر الدوحة كان نصرا استراتيجيا آخر لـ "حزب الله وإيران" في منطقة البحر المتوسط.

-المرحلة الثالثة شهدت ازدياد الدور الإقليمي الإيراني نتيجة معارضة طهران الحرب الإسرائيلية على غزة في حرب الـ 22 يوما. وبينما لزمت كل النظم المحافظة العربية الصمت، كانت إيران إحدى الدول الإقليمية الرئيسة التي دانت العمليات العسكرية الإسرائيلية ودعت إلى رد فعل قوي من المجتمع الدولي".

واشنطن: كسر الحلقة المفرغة

تأسيسا على ذلك، تتوقّع مراكز ابحاث اوروبية ان تعمد واشنطن الى كسر هذه الحلقة المفرغة من الحروب والتوتيرات التي ادّت حصرا الى اضعاف وجود واشنطن وتعزيز الدور الايراني، ما اتاح قيام محور ناشئ بين طهران وانقرة ودمشق يميل اليه كثر من سكان الاقليم، وخصوصا في ضوء المواقف التركية الاخيرة من قمع المشاركة الاسرائيلية في مناورات "نسر الاناضول"، الى تنامي الخصام والثقافي والاجتماعي بين الاتراك والاسرائيليين.

وتدرك واشنطن، حيال هذا الواقع، ان التعويل على "القوة الناعمة" و"الاختراقات النظيفة"، هي باب من ابواب كسر هذه الحلقة المفرغة والعبثية من التوتر، وذلك لا يكون الا من طريق طرح مبادرات سلمية تمسّ جوهر قضايا الشرق الاوسط وسبب تفشي النزاعات والتطرف فيه، اي القضية الفلسطينية. من هنا كان التعويل على مبادرة الرئيس الاميركي باراك اوباما، وهي مبادرة بتشعبات عدة، بدأت من خلال صوغ مقاربة جديدة مع الرأي العام الاسلامي انطلاقا من زيارتيه المؤثرتين الى تركيا ومصر، وتستمر من خلال المسعى الى وقف الاستيطان الاسرائيلي كشرط لبدء اختراقات ملموسة على مستوى اعادة اطلاق عملية التسوية تفتح رأس جسر لحوار عربي – اسرائيلي، وإن بصيغة بدائية.

Sphere: Related Content

من عين الرمانة – الشياّح الى باب التبانة – جبل محسن

من يحرّك فوالق الحروب والتصدّعات المذهبية؟

امنيون ينبّهون الى تزاحم استخباري عربي – دولي

تزامن بريئ بين الخروق الامنية والقمة السعودية – السورية؟

ينشر في "الاسبوع العربي" في 19/10/2009

وضعت الحادثة المأسوية في محلة عين الرمانة ليل السادس من تشرين الاول (اكتوبر) والتي قضى بنتيجتها الناشط في "التيار الوطني الحر" جورج ابو ماضي، معطوفة على الخروق الامنية في مدينة طرابلس بين محلتي التبانة وجبل محسن، الامن في واجهة الاهتمامات اللبنانية، نظرا الى هشاشة الهدوء اثر موجة من الاحتقان السياسي على خلفية تعثّر تشكيل الحكومة.

تقّدم الشأن الامني في اولويات الاهتمام الديبلوماسي، وسط دفق هائل من تقارير السفارات والبعثات الديبلوماسية العربية والاجنبية، التي توسّعت في شرح مخاطر اي تفلّت امني:

-إن على خلفية مأساة عين الرمانة التي تستمر مع جارتها الشياح في ان تكونا مسرحا لاستفزازات وعراضات وتحرّشات خطرة تتهدد السلم الاهلي والامن القومي، نظرا الى ما لـ عين الرمانة في الذاكرة اللبنانية من مكانة ترمز الى مأساة الحرب، وبإعتبارها خط تماس في مساحة تصارعت على ارضها وبشبابها، القوى الحزبية والمليشيوية من امراء الحرب ورموزها.

-او على خلفية القذائف المجهولة التي تصيب الاحياء الآمنة في طرابلس وتحرّك النعرات وتؤدي الى تأزيم النفوس وزيادة النفور بين اهالي المحلّتين.

ويخشى بعض المراقبين من ان ثمة مشروعا خارجيا اشبه بمؤامرة، يرمي الى تحريك نقاط التصدّعات وفوالق الزلازل السياسية والامنية في البنيان اللبناني، وخصوصا في المناطق ذات الحساسية التاريخية كمحلة عين الرمانة التي شهدت انطلاق الحرب اللبنانية بسبب ما يوصف تاريخيا بشرارة بوسطة عين الرمانة، وكثنائية باب التبانة – جبل محسن التي تشهد نزاعات اهلية متواصلة، وكانت رمزا من رموز الحرب ايضا.

ولئن تنحو التحقيقات في مأساة عين الرمانة الى حصرها في الاطار الفردي، يُفترض بالقيادات السياسية والحزبية ان ترفع الغطاء وتنفي الحضن عن مجموعات متوترة وشباب طائش ورعاع ومنحرفون ومهمشون ويافعون أسرى الطيش والعصبيات والسلوكيات العنجهية والاستعراضية، وهم بمجملهم يقيمون أوكارهم ليلا على الأرصفة في المناطق ذات هامش فقر مرتفع، ويتحركون في مواكب دراجة أو سيارة مدججين بالسكاكين والجنازير والعصيّ، يتحرشون بالفتيات ويرابطون في أحيائهم بزعم التصدي لغزوات المتحرشين من الأحياء المجاورة، وبينهم من يتعاطى المخدرات والحبوب المنشطة على أنواعها، وهم تبرعوا دائما في ظروف الاحتقان السياسي و الطائفي والانتخابي بتنظيم عراضات استفزاز متبادلة.

ضجة على وقع مأساة

واقع الامر انه كان يمكن لحادثة عين الرمانة ولأحداث باب التبانة – جبل محسن، ان تمرّا كما مرّت مثيلاتهما سابقا، مثلهما مثل الخروق الأمنية المتنقلة في المناطق، ولكن الحادثتان اقتطعتا مساحة واسعة من الاهتمام الشعبي والسياسي والاعلامي والديبلوماسي، ونافستا حدث القمة السورية – السعودية، والمداولات اللبنانية في شأن الحكومة، نظرا الى مجموعة عوامل محلية واقليمية سياسية ونفسية، والى بعض "القراءات المقارباتية":

1- ففي عين الرمانة – الشياح، تبرز:

أ-الرمزية التاريخية - النفسية للمساحة التأزمية بين عين الرمانة والشياح كأول خط تماس في الحرب ومنطلقها وحاضن شراراتها المباشرة في نيسان (ابريل) العام ١٩٧٥. وكان لافتا ان كثرا على جانبي هذه المساحة قد غادروا منازلهم ونزحوا موقتا الى مناطق اكثر امنا في انتظار هدوء النفوس وتراجع التشنّج.

ب-الرمزية الطائفية لشارعين شرقيّ وغربيّ، اكتسباها منذ شباط (فبراير) ٢٠٠٦، يوم اجتمع زعيمين ماروني وشيعي لتوقيع وثيقة تفاهم كان لها تأثير مباشر ومستمر في الأوضاع الداخلية وواجهت تحديات واختبارات في محطات عدة.

ج-"الرمزية السياسية - الطائفية لتماس فاصل بين شيعية سياسية – حزبية يختصرها ثنائي "حزب الله – حركة "امل"، وبين "مارونيات" تحنّ لمارونية سياسية دفنتها حروب واتفاقات، وتتصارع راهنا (كتائبيا - قواتيا – عونيا)، إما لاستعادة مجد غابر او لتثبيت جدوى تفاهم يصاب بكلَمٍ كلّما سقطت ضحية او هُدرت دماء على خطوط التماس الطائفية. فقرأت "القوات اللبنانية" الحادثة رسالة سياسية موجهة الى تعاظم حضورها. وقرأ "التيار الوطني الحر" رسالة الى العماد ميشال عون، بعدما تبين ان الضحية هو من أنصاره، كي لا يذهب بعيدا في انفتاحه وحواره مع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري.

2- في باب التبانة – جبل محسن، تُبرز:

أ-ثنائية خط تماس متواصل بين اكثرية سنية واقلية علوية.

ب-ثنائية تصارعية، تختصر (او يخيّل لها انها تختصر) صراع جماعة طائفية ثكلها اغتيال زعيمها، مع نظام تتهمّه لو سياسيا بهذا الاغتيال.

ج-مساحة تتصارع فيها عشرات اجهزة الاستخبارات في مدينة كانت ولا تزال مفتوحة على انواع شتى من التنافس الاستخباري الظاهر والمستتر.

وتاليا، أصبح اي حادث في هاتين المساحتين نذر شؤم يوقظ ذكريات وجروحا وتقيؤات!

الحادثتان والقمة

بيد ان ما منح هاتين الحادثتين بعدا اقليميا ودوليا، تزامنهما (صدفة او ميعادا) مع القمة السعودية – السورية في دمشق، نظرا الى ان تقارير كثيرة كانت تترقّب حادثا او خرقا امنيا إما يطيح بالقمة او يؤثر في مسارها او يحوّل الاهتمام عنها،؟ ونظرا ايضا الى ان مراجع امنية حذرّت تكرارا من ان ينتج التمديد للفراغ الحكومي مآس وخروقا اصولية – قاعدية او استخبارية مشبوهة.

حقيقة الامر ان ايا من الهواجس هذه لم تثبتها التحقيقات القضائية والامنية في مأساة عين الرمانة التي لا تزال تُحصر في اطار الاشكال الفردي افتعلته توتر مذهبي ضارب في جذور الذاكرة الجماعية، وشلل اعتادت الاستباحة والتسيّب.

لكن الحقيقة ايضا ان الظروف الداخلية وتلك المحيطة، تفترض وعيا اكبر لدى القيادات الحزبية المعنية بمواقع التوتر والتشنّج، حيث خطوطها تمتدّ عاصمة وشمالا وبقاعا وجبلا، بحيث تنصرف هذه القوى الى اجراءات وقائية – ردعية لبعض الجماعات المتوترة والمتهورة التي تستظل غطاء حزبيا كي تعيث فوضى بإسم من يغطيها او تدّعي ذلك.

محاذير امنية

وكان موفدون كثر قد حذّروا من مخاطر استمرار الفراغ الحكومي وانعكاساته الامنية، في حين حمل المستشار الخاص للرئيس الفرنسي هنري غينو في زيارته الاخيرة لبيروت، تنبيها سياسيا – استخباريا، من امكان ان يتسلل متضررون من الاستقرار اللبناني وبعض المجموعات الاصولية المرتبطة بـ "القاعدة"، وينْفِذوا في اتجاه تفجيرات امنية تطال شخصيات لبنانية مدنية وعسكرية وروحية، او تستهدف القوة الدولية المعززة العاملة في الجنوب من ضمن رغبة "القاعدة" في ان يكون لبنان ملاذا جديدا لها وساحة جهاد بعدما مُنيت مشروعاتها في العراق وافغانستان بضربة قاسمة، وانهارت المراحل الاولى من مشروعها فرض الولاية الاسلامية على المنطقة الممتدة من فسطين الى افغانستان.

ويحذر امنيون من تداعيات اي خروق امنية، نظرا الى أن توقيت مثل هذه الأحداث في الظرف السياسي الراهن وفي ظل الاستحقاقات الدقيقة التي يمر بها لبنان من شأنه أن يضر بأي تفاهم سياسي لمصلحة الذين لا يريدون إرساء أسس السلم الأهلي.

ويرى هؤلاء انه عندما تحصل حوادث داخلية وتسعى القوى الامنية الى القيام بما يجب عليه من اجراءات وقائية وردعية وعقابية، تهبّ تكتلات طائفية لحماية المرتكبين، مع أن السبب قد لا يتجاوز احيانا تخوف شبان ميليشيويين موجودين في كل الأطراف من استقرار الوضع الأمني وتشديد قبضة الدولة. وهذا ما لا مصلحة لهم به، لذا يعمد بعضهم إلى أعمال فردية إجرامية يستفيد منها فريق ثالث ليحقق مصالحه الخاصة سواء في السياسة أو في الأمن.

ويتحدثون عن تقارير عن دخول عناصر استخبارية اقليمية ودولية على خط التشنّج، ربما بنيّة تنفيذ بعض الاغتيالات او محاولات الاغتيال، ورغبة في تأجيج الوضع بين الطوائف، وربّما لتفويت موسم سياحي واعد في المجمّعات الشتائية ومع عيدي الميلاد ورأس السنة.

كما يتخوّف هؤلاء الامنيون من أن تعمد اسرائيل الى تنفيذ اغتيالات لتحويل النظر عن ملف عملائها. ويأتي في هذا الاطار ما حكي عن محاولة لاغتيال النائب سامي الجميل، كما عن خطة لاستهداف المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله.

الأحد، 27 سبتمبر 2009

Sphere: Related Content
فكّ التأزم اللبناني مرهون بمجمل مسار الاقليم
هل تكفي ساعتا جدة كي تستقيم الحكومة؟
تذبذب في العلاقة الاميركية – السورية ينسحب سلبا على لبنان؟
التصلّب الايراني ومفاعل قمّ نذيرا حرب!

ينشر في "الاسبوع العربي" في 5/10/2009
قلبت قمة الساعتين في جدّة السعودية بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد، مجمل الصورة النمطية في لبنان، وخصوصا عن مآل الحكومة ومتعلقاتها وتطور مسارها. لكن التفاؤل يبقى نسبيا ومرهونا بمجمل المسار في المنطقة، بدءا وانتهاء بالملف النووي الايراني والعلاقة المتأرجحة بين طهران ومختلف العواصم الاقليمية والغربية. لكن ماذا عن التأرجح في العلاقة بين واشنطن ودمشق، واثره على بيروت؟
حملت الاسابيع الفائتة معطيات متفاوتة عن تطور العلاقة الاميركية – السورية، في ضوء بعض الاحداث والجزيئيات التي شكلت حمّالة اوجه في تفسير سبب التذبذب الحاصل في هذه العلاقة.
من هذه المعطيات، تقرأ اوساط ديبلوماسية الآتي:
1-تأخّر تعيين سفير جديد للولايات المتحدة في سوريا، وهو المركز الشاغر منذ استدعاء السفيرة مارغريت سكوبي في الخامس عشر من شباط (فبراير) 2005، اثر اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. وكانت دمشق قد ضربت شهر تموز (يوليو) موعدا لمجيئ السفير الجديد، فقفل الصيف من غير ان يحلّ طيف السفير في سوق الحميدية، ولا في شارع المنصور في منطقة ابو الرمانة الدمشقية الراقية حيث مقر السفارة، في حين يمارس القائم بالاعمال شارلز (شاك) هانتر مهامه على رأس البعثة منذ تعيينه في آب (اغسطس) الفائت، خلفا للديبلوماسي مايكل كوربين.
تفاوتت المعطيات في شأن تأخر واشنطن في ايفاد سفيرها، على رغم انه سبقت ان اعلنت قبل نحو شهرين ونصف شهر انها عازمة على اتمام هذه الخطوة، في حين يقول بعض التقارير ان واشنطن صرفت راهنا النظر عن هذا التعيين.
2-الحدّ من اندفاعة زيارات رجال الكونغرس والمسؤولين الى دمشق.
3-تجميد الاجتماعات الامنية والاستخبارية المشتركة، وكان آخرها في تموز (يوليو) الفائت، وفي حينه ابلغت دمشق الى واشنطن انها تفضّل انتقال هذه اللقاءات الى مستوى لجنة سياسية تناقش مختلف العناوين لا الشأن الامني – الاستخباري المتعلق حصرا بالعراق.
4-استثناء دمشق من برنامج الزيارة الاخيرة للمبعوث الرئاسي جورج ميتشل الذي سبق ان زارها في تموز (يوليو) الفائت، وهي زيارة تطوّر نقاش واسع في شأنها داخل الاروقة الاميركية.
5-عدم دعوة السفير في واشنطن عماد مصطفى الى الافطار الذي اقامته وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، على شرف شخصيات من العالمين العربي والاسلامي، في الخامس عشر من آب (اغسطس) الفائت، فيما حضر معظم نظرائه، وخصوصا اللبناني انطوان شديد والسعودي عادل الجبير والفلسطيني معن عريقات. ويؤشر امتناع الخارجية عن دعوة مصطفى الى الافطار التقليدي السنوي، الى تراجع كبير في العلاقة الاميركية - السورية، بعد تحسن اثر انتخاب باراك اوباما رئيسا، حيث تمت دعوة مصطفى الى بعض النشاطات الثقافية، كما حضر مسؤولون اميركيون مناسبات اقامتها السفارة السورية.
6-تثبيت الديبلوماسي، المثير للجدل سورياً، السفير جيفري فيلتمان في مركز رئيسي في وزارة الخارجية (مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى)، على رغم كل الحملات السورية على الرجل، وازكائه لدور متقدم في الملف اللبناني – السوري. وهذا المنصب سبق ان رشحه اليه اوباما شخصيا في الثامن من نيسان (ابريل) الفائت.
7-في الجانب الآخر من الصورة، برز استقبال جيفري فيلتمان، الاثنين في الثامن والعشرين من ايلول، (سبتمبر) نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد، في زيارة هي الأولى لمسؤول سوري بهذا المستوى منذ العام 2004، في اطار لقاءات شملت مسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية.
وقالت مصادر سورية إن المقداد زار واشنطن بناء على دعوة وجهت إليه قبل شهر ونصف شهر، في اطار "متابعة الحوار المستمر الذي بدأته الإدارة الأميركية مع سوريا منذ آذار (مارس) الفائت، حيث سبق لفيلتمان والمسؤول في مجلس الأمن القومي دانييل شابيرو أن زارا سوريا مرتين".
مطبخ القرار الاميركي
لماذا هذا التذبذب في الانفراج الاميركي – السوري؟ وما تداعياته لبنانيا؟
ما يجري في المطبخ الأميركي قبل صدور أي قرار على ‏الصعيدين الداخلي أو الخارجي، ترسم مساره هيئات ومراكز دراسات تسمى بـ "خزانات ‏الفكر" Think Tanks وهي التي تدرس تطبيقاته السياسية ‏والعسكرية والاقتصادية.‏ وداخل هذه الخزانات يقوم باحثون ‏مختصون بجمع المعلومات وإجراء دراسات عميقة تستمد نفقاتها من تبرعات الشركات العابرة للقارات، والطبقة ‏البورجوازية المتحكمة في صناعة القرار ليس على صعيد الولايات ‏المتحدة الاميركي وحسب بل على الصعيد العالمي.‏ ومن الامثلة على «خزانات الفكر» هذه هي "خدمة أبحاث الكونغرس" المعروفة اختصارا بـ CRS، وهي مركز أبحاث تابع لمجلس النواب الأميركي تقدّر ميزانيته السنوية بنحو 100 مليون دولار ويعمل فيه 700 موظف في مختلف القضايا، منهم 450 محللا متخصصا، ونحو 70 متخصصا في قضايا علمية وتكنولوجية. المركز هو الذراع البحثية للكونغرس ويؤمن الأبحاث العملية التي يحتاجها أعضاؤه في اتخاذ القرارات. ولا يوفر أبحاثه للجمهور الأميركي بشكل مباشر بل من طريق طرف ثالثة يقوم بنشر تقاريره كوزارة الخارجية. ويمكن أعضاء الكونغرس تقديمها للجمهور للاستعانة بها في مبادراتهم ومناوراتهم السياسية. ومع ذلك، يجري حجب التقارير التي تمثل إحراجا أمام الجمهور أو المجتمع الدولي.
الصراع في المناطق الاربع
في تقريره السنوي للعام 2008 عن العلاقة الاميركية – السورية الذي صدر في شتاء - ربيع 2009، يشير التقرير الى انه "على رغم ضعف جيشها وضحالة اقتصادها، لا تزال سوريا تلعب دورا في جيوبوليتيكيا الشرق الاوسط. فنظام الاسد يضع يديه في كل واحدة من مناطق الصراع او المقبلة على الصراع الاربع في المنطقة، اي لبنان، واسرائيل - فلسطين، والعراق وايران". ويضيف: "في المشرق، يهدف القادة السوريون الى السيطرة على سياسات لبنان الداخلية، وتم اتهامهم بالتورط في اغتيال اربعة اعضاء في البرلمان (اللبناني) ورئيس الحكومة السابق رفيق الحريري".
وفي الفقرة عن لبنان يقول التقرير: "قاوم نظام الاسد المحاولات الاميركية والفرنسية لدعم حكومة فؤاد السنيورة الموالية للغرب، معتقدا ان في إستطاعته ان يخفف من عاصفة الضغوطات الاميركية مع الوقت". ويتهم التقرير سورية بعرقلة السلام في المنطقة "اذ تقوم احيانا بدور المفسد برعايتها للمسلحين الفلسطينيين وتسهيلها اعادة تسليح حزب الله". ويعتبر ان ابتعاد دمشق عن واشنطن على مدى العقد الفائت، دفع بسوريا الى تعزيز علاقتها مع ايران، بما يشكل "مصدر قلق للاستراتيجيين الاميركيين". ويتحدث عن انقسام بين المحللين الاميركيين بين من يدعو صانعي السياسة الاميركيين الى "جذب زعماء سوريا بعيدا من ايران"، وبين من يعتقد ان على الادارة ان "تذهب ابعد مما هي عليه في الضغط على الحكومة السورية، وان تبحث في تطبيق عقوبات اقتصادية اكبر عليها".
وفي آخر جلسة استماع للجنة الفرعية لمجلس النواب للشرق الأوسط وجنوب آسياHouse Subcommittee on the Middle East & South Asia، والتي حملت عنوان "التطورات في لبنان" Update on Lebanon، اكد رئيس اللجنة غاري أكرمان والسفير فيلتمان التزام أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون "استمرار دعم سيادة وديمقراطية ورخاء لبنان". وشددا على "ضرورة سعي الولايات المتحدة إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة في لبنان واستمرار انخراط شركاء الولايات المتحدة من أجل هذا الهدف، وإلى استمرار تدعيم مؤسسات الدولة اللبنانية، وجهود الحكومة اللبنانية من أجل توسيع سلطاتها". وأشارا إلى "ضرورة سعي الإدارة لتحقيق سلام بين إسرائيل ولبنان في إطار تحقيق سلام شامل بالمنطقة، انطلاقًا من أن لبنان فاعل رئيس في بناء سلام واستقرار في منطقة الشرق الأوسط على المدى الطويل". واعتبرا ان "الدعم الأميركي لاستقرار واستقلالية لبنان مهم جدًّا لنجاح الجهود الأميركية المستقبلية في المنطقة".
ولخّص أكرمان المصالح الأميركية في لبنان بـ "سيادة واستقلال الدولة اللبنانية ووحدة أراضيها"، مضيفًا أن الولايات المتحدة "تريد أن يحكم لبنان اللبنانيون من أجل اللبنانيين، وأن واشنطن تحتاج إلى شريك وليس دولة ميليشيات وفرق عسكرية، وحليفٍ وليس وكيلا، وداعيا إلى "استمرار واشنطن في تقديم الدعم إلى اللبنانيين لتحرير لبنان من القوى والهيمنة الخارجية (...) والى ضرورة تدعيم الولايات المتحدة الجيش اللبناني (LAF) وقوى الأمن الداخلي (ISF)، انطلاقا من شرعيتهما القوية داخل لبنان، ودورهما في محاربة أنشطة الإرهابيين المدعومين من القوى الخارجية".
واكد فيلتمان ان المحكمة الخاصة بلبنان تُعبّر عن رغبة اللبنانيين والمجتمع الدولي في وضع حدٍّ لعهد الإفلات من عقوبات الاغتيالات السياسية، انه مؤمن في ان المحكمة ستقدم قتلة الحريري، إلى العدالة. وشدد على أن "المحكمة ليست جزءا من اتفاق سياسي إقليمي أو أنها ذات طابع سياسي، ولكنها تهدف إلى العدالة من خلال أدلة يتوصل إليها من الاستجوابات والتحقيقات، أي محكمة مهنية وليس سياسية".
التعقيد لبنانيا
ارتكازا على هذه الانطباعات والمواقف، يعتقد ديبلوماسيون عاملون في بيروت انه على رغم هيمنة مناخ الانفراج على مجرى الاستشارات النيابية التي قام بها الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، ثمة معطيات تزيد في احتمال الحاجة الى مزيد من الوقت والجهد قبل بلورة صيغة حكومية معقولة ترضي الاطراف السياسية، الامر الذي يرجح استمرار مشاورات الرئيس المكلف في مرحلة لاحقة، لمدة اسبوع على الاقل، قبل ان ينخرط في مرحلة وضع الاسماء والحقائب، والتي يؤمل ان تبدأ في الاسبوع الاول من الشهر المقبل.
ويرى الديبلوماسيون ان المعلومات عن القمة السعودية - السورية لا تزال غير كافية بشكل يسمح بتقديم انطباع عن تأثيراتها الايجابية المباشرة على مسألة تشكيل الحكومة، من دون ان ينفي ذلك مناخ التفاؤل المحدود الذي تركته القمة.
وفي اعتقاد الديبلوماسيين ان التقديرات لنتائج قمة جدة تشير الى انها حققت انفراجاً على الصعيد اللبناني، وعلى مستوى العلاقات بين الدولتين، لكن هذا الانفراج لم ينسحب اتفاقاً على المستوى الاقليمي، لاعتبارات تتصل بالعلاقات السعودية - الايرانية، وبالمسار الذي يسلكه الملف النووي الايراني وخصوصا بعدما كشفت طهران عن مفاعلها الثاني في قمّ، مما ادى الى خلط كل الاوراق الدولية.
ويخلص هؤلاء الى ان الانطباع عن اندفاعة سرية وفاعلة ومؤثرة نحو إنجاز الملف الحكومي، يبدو غير مبني على وقائع ثابتة، اقلّه في المدى المنظور، نظرا الى تشعّب التعقيدات والذيول الناتجة عن التصلّب في مسار المفاوضات الايرانية مع مجموعة الست (الدول الخمسة الاعضاء في مجلس الامن زائدا المانيا).


الأحد، 20 سبتمبر 2009

Sphere: Related Content
الازمة تتأصل في تشابكها مع التطورات من صعدة الى انقرة
ثلاث جبهات - عوائق في طريق الاستقرار اللبناني
تقاطعات بين بيروت وصعدة في الفتن وحروب الاقلويات
جورج ميتشل نقل الى لبنان ضمانات تُبعد حربا اسرائيلية


ينشر في "الاسبوع العربي" في 28/9/2009
يتأصّل ترابط الازمة اللبنانية بمجموعة الازمات التي تعصف بالمنطقة: من صعدة وعمران في شمال اليمن حيث الفرز الطائفي – الحربوي في اوجه، الى العلاقة العراقية – السورية المتأججة خلافات واتهامات ومحاكم دولية مستعادة، فالازمة النووية الايرانية في ضوء مقترحات طهران الى مجموعة الست، مرورا بتجميد مسارات التفاهمات العربية لعوامل عدة منها ما يرتبط بتراجع الود الاميركي المنفلش على رقعة الشرق الاوسط، ومنها ما يعود الى قصور فهْم بعض العواصم ما حصل من تقارب، واعتقادها ان في امكانها توظيف اعادة التموضع سبيلا لاعادة ما "سُلب" منها من حقوق وجغرافيات!
لم يكن هذا التداخل في الازمات، بعد مدّ من "الريلاكس"، امرا غريبا على اللبنانيين الذين طالما خبروا تشابك جزئياتهم، واحيانا هوامش حياتهم اليومية، مع كل ازمات الاقليم القابع على خط زلازل سياسي هدّام لا يستكين لا صباحا ولا مساء. فلبنان دفع مرات كثيرة اثمانَ ما ليس له فيه من مصالح اقليمية – دولية: من القضية الفلسطينية بدءا، الى حلف بغداد في منتصف خمسينات القرن العشرين، ثم نظريات هنري كيسينجر في منتصف السبعينات، فمعاهدة كامب ديفيد في نهاياتها، وصولا الى التوكيل الاميركي الشهير قبيل حرب الخليج الاولى، بداية التسعينات. هي لعبة الامم التي تكاد تحبس وليد جنبلاط، هذه الايام، داخل شرنقتها!
من صعدة الى بيروت!
تقع محافظة صعدة في الجزء الشمالي من الجمهورية اليمنية، ويبعد مركزها الإداري عن العاصمة صنعاء شمالا حوالى 243 كيلومترا. ويبلغ سكانها وفقاً لنتائج التعداد السكاني للعام 1994 نحو 484,063 نسمة. وازدهرت صعدة كمدينة علم ودين وثقافة وتجارة وصناعة وزراعة، إضافة إلى دورها الرئيسي في أحداث العصر الإسلامي الذي شهد صراعات وحروب عنيفة متواصلة على الساحة العربية عموما وعلى الساحة اليمنية خصوصا. ويتنوع مناخ صعدة تبعاً لتضاريسها الطبيعية، وهو معتدل صيفاً وبارد شتاء.
لماذا هذا الاسقاط؟ وما الجامع بين صعدة وبيروت، وبينهما آلاف الكيلومترات؟
دخلت صعدة، فجأة، في القاموس اللبناني السياسي والشعبي، منذ بدء الحرب بين الحوثيين والنظام اليمني، وهي راهنا في نسختها السادسة. ذلك ان الحرب هناك، كما في الحرب اللبنانية عام 1975، بدت فعليا حرب الآخرين على ارض اليمن، ترجمها تنافس مذهبي صار اقرب الى فتنة بين جماعتين يمنيتين اكثرية واقلوية. وتكاد تكون نسخة من مشروع الفتنة التي قدّر بعض العواصم ان تكون بيروت ساحتها، لكنها انتقلت، او نُقلت الى شمال اليمن، بقدرة قادر، وربما لحسن طالع لبنان.
ثمة قراءات ديبلوماسية وجيو - سياسية عدة للحرب في صعدة ولإنعكاساتها اللبنانية، منها اثنتان:
-قراءة اولى تعتبر ان ما يجري في ذلك الاقليم اليمني، محاولة إيرانية للضغط على الإدارة الأميركية لدفعها إلى التفاوض، باعتبار أن الحوثيين مدعومون من ايران، وأن تهدئة الاوضاع تحتاج الى تدخل إيراني لوقف النزاع. ويبدون خشية من أن تنتقل الحرب بالواسطة في صعدة، الى لبنان على شاكلة تفجير أمني - فتنوي واسع ردا على ما يحدث، لإشغال الساحة اللبنانية مجددا بهدف تمرير بعض الاستحقاقات الاقليمية.
2-قراءة ثانية تخشى ان يجري نقل احداث صعدة الى ازقة بيروت، كنسخة منقّحة من احداث ايار (مايو) 2008 بغرض احلال ديماغوجية المذاهب واللعب على الوتر المذهبي السني – الشيعي، فيما الهدف الرئيس إرباك "حزب الله" وتعطيل دوره في مواجهة اي حرب اسرائيلية محتملة.
تشابه في الخطاب!
وكان لافتا ان يطلّ الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله، في خطابه في "يوم القدس" في الثامن عشر من ايلول (سبتمبر)، على احداث صعدة، كاشفا ان الحزب تلقى اتصالا من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في خصوص هذه الاحداث، وخاطبه قائلا: "الله بأهلك وشعبك، ولا دخل لي في التفاصيل، ولكن فلتبادر لوقف نزف الشعب وفتح الباب السياسي ولوقف إطلاق النار. لست اعرف ماذا يجري هناك ولم يطلب مني أحد إطلاق هذه المناشدة"، مضيفاً: "في يوم من الأيام أصغينا لك وأكرمناك، اليوم نناشدك بأن تأمر بوقف القتال". وردت صنعاء مرحبة ومعلنة وقف اطلاق نار لمناسبة عيد الفطر، ولافتة الى "اننا في الوقت الذي نقدر فيه للسيد حسن نصر الله دعوته وحرصه على تجنب إراقة الدم اليمني فإننا نؤكد له أن الدولة قد فُرضت عليها الحرب فرضا كانت دوما ولا تزال حريصة على اللجوء إلى كل الخيارات السلمية (...)".
وسبق للقيادة اليمنية، قبل اشهر، ان اتهمت عناصر في "حزب الله" بدعم وتسليح جماعة الحوثيين. ولاقى هذا الاتهام، في حينه، ردا عنيفا من نصر الله. كما اتّهمت هذه القيادة ايران بمحاولة تصدير الثورة الاسلامية.
ومن يطّلع على صحف اليمن الرسمية هذه الايام والمواقع الالكترونية المقربة من جماعة الحوثيين او الداعمة لها، يخال انه يقرأ التصاريح اللبنانية نفسها زمن التأزم العصبي، وهي بمجملها خطابات بنكهة لبنانية، من جهة عن "مخاطر نشر التشيّع والمد الصفوي"، ومن جهة اخرى عن "الرغبة في استهداف الجماعة الشيعية" وصولا الى اعتبار "حزب "الشباب المؤمن" الحوثي فرعا لـ "حزب الله"!
3 جبهات
ويقول ديبولوماسي واسع الاطلاع، في سياق مقاربته تشابك الازمة اللبنانية الراهنة مع مجموعة ازمات المنطقة، إن جلاء الموقف ينتظر ثلاث محطات:
1-نتائج المحادثات التي اجراها الرئيس السوري بشار الأسد مع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان في ضوء المعلومات الأولية التي تحدثت عن أن انقرة أثارت الأوضاع في لبنان والعقبات التي تعترض تشكيل الحكومة، وانها ما زالت تعتبر أن من ترتيبات الاستقرار في المنطقة، استقرار الوضع اللبناني سياسيا وأمنيا واقتصاديا، علما ان المعاهدة السورية – التركية (مجلس تعاون استراتيجي) التي تمّ توقيعها بين الأسد وأردوغان لا تدل الى وجود مشروع اشتباك جديد على مستوى الاقليم.
2-النتائج المرتقبة للرسائل الاميركية الى ايران حول الملف النووي، لا سيما في ضوء المقايضة التي تطرحها طهران بالتفاهم على كل النقاط الساخنة في المنطقة من العراق حتى أفغانستان مرورا بلبنان، اضافة الى اللقاء المنتظر بين وفد مجموعة الدول الست (الاعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الامن زائدا المانيا) والمفاوضين الايرانيين في بداية تشرين الأوّل (اكتوبر).
3-جلاء وجهة التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ضوء التقدم المعلن عنه، والاطلالات التذكيرية الاخيرة لمسؤولين في المحكمة، في مقدمهم المدعي العام القاضي دانيال بلمار.
سماح ضروري
ويعتقد الديبلوماسي ان فترة السماح او الانتظار الحكومية طويلة، لكنها قد تكون ضرورية لاستطلاع تطورات الصراعات الإقليمية، ولادراك المكامن التي من خلالها يمكن تحقيق خرق لبناني في الجدار الإقليمي المتصلّب. ويشير الى ان ثمة اطرافا لبنانية رئيسية تنتظر ما سيفضي اليه مسعى انقرة حول الملف النووي الايراني، خصوصا في ضوء تبدل الموقف الروسي من العقوبات المحتملة على طهران بعد تخلي الولايات المتحدة عن الدرع الصاروخية في بولونيا وتشيكيا. اذ تعتقد هذه الاطراف اللبنانية ان مسألة تشديد العقوبات على ايران ستشكل مؤشرا الى مرحلة اقليمية جديدة لن تكون المنطقة برمتها بمنأى عن تداعياتها.
اما مسألة الحرب الاسرائيلية على لبنان فالتصاريح في تل ابيب، بحسب الديبلوماسي، توحي كأنها تقترب، في حين تعاكسها المعلومات الواردة من اكثر من عاصمة، منها ما ذُكر عن مهمة المبعوث الرئاسي الاميركي جورج ميتشل الذي نقل الى بيروت سلّة من الضمانات الاقليمية والدولية، في طليعتها أن التهديدات التي يطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، حدودها - حتى إشعار آخر- حدود الداخل في إسرائيل، وما يدور من تجاذبات سياسيّة حادة داخل الحكومة، وان هذه التهديدات تأتي في سياق حملة إعلاميّة مفتوحة للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي وشدّ عصبه حول الطروح السياسيّة لنتانياهو، اطلاقا من ان للحديث عن لبنان وعن "حزب الله"، وقعه النفسي الايجابي المؤثر منذ حرب تموز (يوليو) 2006 وتداعياتها.
ويرى الديبلوماسي ان تكاثر المناورات الاسرائيلية على جبهة الشمال وفي الجولان والتي تحاكي حربا على اكثر من جبهة، هي في حد ذاتها مؤشر آخر الى ان النوايا الاسرائيلية لا تزال، حتى اشعار آخر، تهويلية.

الاثنين، 14 سبتمبر 2009

Sphere: Related Content
خشيةٌ من ان تملأ الاضطرابات الامنية الفراغ السياسي
الحكومة تترنّح في خانة الانتظار حتى الميلاد!
الاطراف الاقليمية تؤاثر التريث الى حين تبلور آفاق استعادة التسوية السلمية
رئيس الجمهورية غير قادر على المبادرة بفعل اغلال الدستور

ينشر في "الاسبوع العربي" في 21/9/2009
دخل لبنان مطلع الاسبوع المنصرم المرحلة الثانية من مشوار تأليف الحكومة مع استعادة عملية الاستشارات النيابية الملزمة في القصر الرئاسي بعيد اعلان النائب سعد الحريري اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة اثر امتناع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن توقيع مرسوم التشكيلة التي تقدم بها الحريري والتي اثارت موجة من الردود تفاوتت بين تأييد تيار "المستقبل" وحلفائه على رغم بعض التحفظات المعلنة، والرفض القاطع للمعارضة لا سيما منها تكتل "التغيير والاصلاح" و"التيار الوطني الحر"، المتهم بالعرقلة والتعطيل، بشكل اكثر تحديدا.
اسئلة كثيرة تطرح بعد التطورات الاخيرة التي شرّعت الساحة السياسية اللبنانية على احتمالات عدة، تبدأ بتوقع الكثير من العقبات التي ستحول دون التأليف وصولا الى استشراف ازمة حكومية مرشحة الى ان تطول في حال استمرار الجمود الاقليمي لا سيما على الخط السعودي- السوري وتشبث الافرقاء اللبنانيين بمواقفهم التي ان لم تكن هي في اساس التعقيد، بحسب بعض المراقبين، الا انها تعكس عدم الحراك الاقليمي المسهّل، في ما لو حصل لعملية التشكيل.
ماذا اذا إثر اعتذار سعد الحريري ثم اعادة التكليف؟ ولماذا قفز الى الذهن، فور اعلانه الاعتذار، صورة والده الراحل "يستودع الله هذا البلد الحبيب لبنان وشعبه الطيب"، من دراته في قريطم في خريف العام 2004، بعد معاناة مع التشكيل لم تصل في حينه حدّ السبعين يوما، لكنها كانت كافية لإدراكه ان ثمة قرارا سوريا بمنع عودته الى الحكومة قبل الانتخابات النيابية، إلتحف لباس تجيير اصوات النواب الى رئيس الجمهورية لاختيار رئيس الحكومة؟
مخاض التشكيل
في هذا الاطار، يقول قيادي في الموالاة اطّلع من قرب على مآل المسار الحكومي للرئيس المكلف، ان هذا المسار، منذ اعلان التكليف الاول قبل شهرين ونيف، مرّ بمسارات اربعة كان جلّها اقرب الى مخاض قاس لسعد الحريري، قاده الى اعتذار، هو فعليا قلب لطاولة السبعين يوما ولما عليها ولمن حولها:
-في المرحلة الاولى، انصرف الرئيس المكلف الى مفاوضة "حزب الله" وحركة "امل"، في موازاة، وربما في تلاق مع استئناف الاتصالات على المستوى السعودي – السوري. وبلغت هذه المرحلة سقفها الاعلى والاجدى مع اعلان السيد حسن نصر الله الاتفاق مع سعد الحريري على مشاركته حكومة وحدة وطنية وفق صيغة شراكة تتجاوز كل طبقات مرحلة ما قبل الانتخابات التشريعية، بما فيها نتائج الانتخابات نفسها. وحينها سرت المياه في مجراها بشكل لافت، وربما مستغرب. وتعهدت دمشق تسهيل استيلاد الحكومة. وتقاطعت باريس وواشنطن وعواصم قرار اخرى على الاشادة بالتعهدات السورية، وصولا الى ضرب موعدين دمشقيين: واحد لقمة سعودية – سورية تصالحية، وثان لزيارة "تصالحية" لسعد الحريري كتب فيها الكثير ونسجت في سياقها سيناريوات متعددة، بعضها اقرب الى علم الخيال.
-في المرحلة الثانية، حدث ما ليس في الحسبان اثر زيارة قيل ان السيد نصر الله قام بها لدمشق، حيث التقى الرئيس بشار الاسد في جلسة تقويمية لنتائج الانتخابات النيابية ولمسار ما بعد هذه الانتخابات. بعدها، تراجع التفاؤل بالمسار السعودي – السوري، وانسحب سلبا على المداولات الحكومية لبنانيا. وصودف ان اعلن وليد جنبلاط في الثاني من آب (اغسطس) انقلابه الشهير على قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، فإختلط نابل دمشق – حزب الله بحابل انعطافة البيك، وتعقّدت الامور والمسارات، ووظفت المعارضة هذا الاختلاط افضل توظيف، واحتفلت، غنائيا وشماتة، بالانقلاب، وكالت الوعيد لقوى الرابع عشر من آذار (مارس) بالتفتت والتشقق والاضمحلال، وبفقدان فرصة الحكم وضياع الحظوظ بالحفاظ على الغالبية النيابية.
ويضيف: كانت هذه المرحلة الاشد على سعد الحريري من حيث وطأة الانقلاب والانفساخ الجنبلاطي، ومن حيث قساوة الهجوم المعارض عليه، وخصوصا من "التيار الوطني الحر".
انصرفت الرياض، في خطة اجرائية وقائية، الى ترويض ولجْم الخيل الجنبلاطية الجامحة (الوصف للعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في نيسان / ابريل 2006، واكده في حينه جنبلاط نفسه، فخورا بوصفه بالخيل التي هي "أهم ما لدى العرب، ويكفيني أن يصفني الملك عبد الله بأنني مثل الفرس التي تحتاج الى لجم بعض الأحيان"!). وامكن ردّ بعض من اندفاعات زعيم المختارة ونوازعه، وخصوصا في اتجاه طهران، الى ان كان لقاء العتب الشهير الذي تمخّض عن اعلان جنبلاط بقاءه في اكثرية سعد الحريري لا في اكثرية 14 آذار (مارس)!
مكانك راوح ...
-في المرحلة الثالثة، يرى القيادي الموالي، انه وبعد استكانة الانقلاب وعدم فاعلية المعارضة في توظيفه، انصرف الحريري الى مفاوضة ميشال عون، وكان توزير جبران باسيل في صلب مطالبه، لا بل كاد يختصرها. كثرت اللقاءات مع باسيل، في ضوء لقاء يتيم مع عون في القصر الجمهوري برعاية ميشال سليمان، لكن المطالب ظلت واحدة، واستمرت المراوحة. وتنصّل "حزب الله" من وعد قيل انه سبق ان قطعه في المرحلة التفاوضية الاولى، بأن يتولى هو شخصيا نصح حليفه بالاعتدال في مقابل الاتفاق على تثبيت المعادلة الهندسية الشهيرة 15- 10-5.
في الموازاة، انطلقت حملة سورية – لبنانية غير مسبوقة على المحكمة الدولية، وعلى دانيال بلمار شخصيا. فتنبأ البعض بمرض عضال اصابه جعله طريح الفراش وربما الموت، وساق البعض الآخر، متكئا تارة على تغيّر المقاربة الدولية لدمشق وطورا على تقرير "دير شبيغل" وارهاصاته، نظرية احتضار المحكمة دوليا وسياسيا.
-في المرحلة الرابعة، ومع بدء الشهر الثالث للتكليف، بات صبر الحريري قاب قوسين من النفاد. فالايام السبعون أكلت، بل إلتهمت من رصيده السياسي والشخصي، في سابقة قلّما حصلت في تواريخ لبنان بين الجمهوريتين الاولى والثانية. وكان لا بد من المبادرة، إثر مدّ التفاوض وجزْر الحوار، وما بينهما من سكون، قال وربما بالغ سعد الحريري في وصفه بـ "صمت ابي الهول". جمع الرجل اوراقه التي تبعثرت على مدى الايام السبعين بين بيتي قريطم والوسط وقصري بعبدا وبيت الدين، وحسم قراره: التشكيلة ها هي: إما تؤخذ كاملة وإما لا تؤخذ، على طريقة الصفقة المتكاملة في البيزنيس: Take it or Leave it. لا مكان بعدها، لا للتفاوض ولا للاخذ واللغو. ردّت المعارضة بأن جمعت هي الاخرى اوراقها وخليليها والجبران، وأبلغت الى رئيس الجمهورية على دفعتين، اولا رفضها الصيغة، وثانيا مطالبها الشفوية: وزارة الطاقة وتوزير باسيل في الاتصالات وتعديل في اسمي وزيرين للحزب والحركة.
ويتابع القيادي في الموالاة: اراد الحريري الاعتذار، لكن المملكة العربية السعودية مع ميشال سليمان ووليد جنبلاط ونبيه بري ارادوا له بعضا من طول البال، واسبوعا واحدا حتى الاثنين في الرابع عشر من ايلول (سبتمبر). طال بال الحريري يومين فقط، ليصعد الى بيت الدين يوم الخميس في العاشر منه، فيقلب الطاولة ويستعيد زمام المبادرة.
الفراغ والهاجس الامني
لكن في سياق هذه الاستحقاقات الداهمة، يخشى مراقبون ان تكون البلاد قد دخلت مرحلة من انعدام التوازن ستؤدي الى تمديد أجل حكومة تصريف الاعمال حتى كانون الاول (ديسمبر) في الحد الادنى، وسط خشية متنامية من محاولات لملء الفراغ السياسي بالتوترات الامنية التي دفعت الاجهزة الامنية الى التحوّط لملاقاتها بتدابير استثنائية، سبق ان اقرّها مجلس الامن المركزي قبل فترة.
انه، بإختصار، اعلان دراماتيكي لانطلاق مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بين أكثرية ترمي الى استعادة المبادرة والحفاظ على مكتسبات السابع من حزيران (يونيو) 2009 وطمس خسائر السابع من ايار (مايو) 2008، وأقلية تحاول التعويض عن الخسارة النيابية بالقفز فوق نتائج الانتخابات والضغط في اتجاه تركيبة حكومية تضعف الأكثرية ما امكن، بالثلث الضامن المضمور، ولِمَ لا، بإستعادة "إنتصار" السابع من ايار (مايو)!
اذن، العراقيل التي حالت دون تشكيل الحكومة مرشحة للاستمرار على حالها في المرحلة المقبلة كونها وليدة عوامل اقليمية اكثر مما هي محلية، لا سيما اثر طغيان حال الترقب على مستوى الاقليم عشية استحقاقات كثيرة، في مقدمها الجهود الاميركية لتحريك ملف التسوية السلمية مع زيارة المبعوث الاميركي جورج ميتشل، ما يدفع كل الاطراف الاقليمية الى مؤاثرة التريث والترقب والبقاء في خانة الانتظار، الى حين تبلور الآفاق والآليات.
وحده رئيس الجمهورية يقف حائرا، واحيانا اسير توافقيته. فلا هو قادر على المبادرة بفعل قيود الدستور واغلال مواده، والاهم لرغبته في احترام ما كُتب في الكتاب، ولا هو قادر على الاقناع بفعل تشعّب المواجهة محليا واقليميا، وخروجها اطوارا كثيرة عن مقتضيات العناصر المحلية، لا بل عن قدرة هذه العناصر على ادارة ازمة اريدت ان تبقى كذلك بفعلٍ، بل بإرادةٍ اقليمية!

الأحد، 6 سبتمبر 2009

Sphere: Related Content
ذكرى قيام الدولة كادت تندثر وسط صخب الهواجس والتحديات
لبنان في تسعينه يشيخ على ما فُطم عليه من مخاطر!
التوطين يبحث اوروبيا في موازاة التداول الاميركي بآليات احياء التسوية

ينشر في "الاسبوع العربي" في 14/9/2009
في خضم كثرة الاحداث التي حفلت بها لبنان على مرّ محطاته الاستقلالية، تندثر (او تكاد) الذكرى التاسعة والثمانين لقيام دولة لبنان الكبير من صفحات التاريخ اللبناني على رغم اهميتها في تحديد كيانية الوطن وصورته وجغرافيته ونظام الحكم فيه. الا انّ المشترك في كل المحطات المفصلية، العودة الى المواجهة للدفاع عن نهائية هذا الوطن الذي ارتسمت اولى خطوطه مع اعلان الدولة. فهل ما يشهده لبنان راهنا، مع الحديث المتزايد عن خطر التوطين، محطة جديدة من محطات الدفاع عن بلد انهكته الصراعات والتسويات الاقليمية والدولية ولم تستسلم في استخدامه ساحة لتمرير مخططاتها؟
مرّ الأول من أيلول (سبتمبر) كمثيله من ايام هذا العام، مع انه مفصلي في تاريخ الكيان اللبناني. هو يوم نسيه اللبنانيون تماما، بل فقدوه في زحمة الأيام والمناسبات. في الأول من أيلول (سبتمبر) 1920 أعلنت دولة لبنان الكبير التي اعادت ضم السهل والساحل والأقضية الأربعة الى جبل لبنان التاريخي، ليظهر لبنان بتركيبته الموزايكية الجمهورية - الطائفية - الديموغرافية - السياسية – التوافقية، هي مزيج من ديمقراطيات الغرب وديماغوجيات الشرق.
يمثل هذا اليوم الحدث الأهم في تاريخ لبنان، كونه يرمز الى نهاية 400 عام من الحكم العثماني للمشرق العربي، ومن ضمنه لبنان، وهو الذي أعطى لبنان كيانه ونظامه السياسي الديمقراطي البرلماني، المطعم بالحرية الفريدة من نوعها في هذا الشرق، فضلا عن كل مقومات الدولة التي يعتز بها اللبنانيون منذ 90 عاما.
البطريركية والمجد صنوان
لبكركي في التاريخ منطقها: الدولة ثم الدولة ثم الدولة. بين جدرانها نشأت فكرة الدولة اللبنانية التي نقلها البطريرك الياس حويك إلى مؤتمر الصلح في قصر فرساي في العام 1919. في ذلك العام حمل بطريرك الاستقلال والسيادة، تفويضا وطنيا جامعا وقاتل في باريس من اجل لبنان بحدوده الراهنة.
منذ ايام البطريرك حويك رفض الكرسي البطريركي المزايدة عليه عربياً وقال بلغة زمانه: "ومتى كان لبنان فرنجياً ليقول اليوم عن نفسه أنه عربي". ويحلو للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ان يردد من فينة الى اخرى قول الشاعر العاميّ: "بكركي من عركي لعركي، لا زيتا ولا نورا شح، كلّن عم يحكوا تركي، وبكركي عم تحكي صح".
ويلاحظ المؤرخون انه من بين كل الكيانات التي اعلنتها فرنسا – زمن الانتداب- أو فكّرت في نسجها، من دولة حلب الى دولة دمشق الى دولة اللاذقية الى دولة جبل الدروز الى سنجقي إسكندرون والجزيرة، لم تكتب الحياة الا لمشروع الجمهورية اللبنانية. ويعود الفضل الرئيس في ذلك الى رؤيوية البطريركية المارونية التي انتقت بدقة حدود لبنان، فلم تنقص منها في الاطراف حتى لا تفقد الدولة الناشئة خزانها الغذائي في السهول، ولم تزد عليها حتى لا تثير غضب الجيران!
ويورد مؤرخون انه عندما وضع رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو (الملقب بالنمر) الخريطة أمامه، وراح يخط حدود الدولة العتيدة، شطح به القلم فضم دمشق إلى لبنان، قبل أن يتنبه البطريرك حويك، الذي تردد أنه رفض حتى إلحاق وادي النصارى في سورية بالدولة لأن جلّ سكانها من الأرثوذكس لا من الموارنة.
لكن البطريرك صفير صحّح هذه الرواية المتداولة، نافياً أن يكون سبب رفض سلفه إلحاق وادي النصارى بلبنان الكبير لأن جل سكانه من الأرثوذكس، بل بسبب طغيان العلويين في تلك المنطقة وامتداداتها.
والبطريركية، منذ رحلة البطريرك حويك الى مؤتمر الصلح في فرساي، تعتبر نفسها حامية للوحدة اللبنانية. وعلى هذا الاساس، تحتسب خطواتها بمنتهى الدقة ويتوارث احبارها تراثا متكاملا من النضال والرؤية والذوبان في الكيان – الدولة حتى الرمق الاخير. لذا اعطي لها مجد لبنان.
في آذار (مارس) 2005، سلم البطريرك الماروني، في زيارته الاخيرة لواشنطن، الرئيس الاميركي السابق جورج بوش مذكرة خطية ابرز عناوينها: انتهاج الإدارة الاميركية سياسة منتجة وحلولاً لأزمة لبنان لا تكون رهينة المصالح الدولية المتغيرة أو رهن حلول إقليمية تأتي على حساب لبنان، ورفض التوطين والتشديد على مسؤولية المجتمع الدولي ومسؤولية الولايات المتحدة في الحفاظ على الرسالة اللبنانية وعلى الديمقراطية والحرية، وتأمين حماية دولية مالية للبنان.
وفي النداء العاشر للاسقفة الموارنة، شكت بكركي من ان "بروز حكومة يمينة متطرفة في اسرائيل زاد من وضع العراقيل أمام أي حل عادل لهذه القضايا، ولا سيما القضية الفلسطينية التي يتأثر بها لبنان كل التأثر، اذ ان المساعي التي يقوم بعض البلدان بها عادت تطرح بإلحاح قضية توطين الفلسطينيين في البلدان التي يعيشون فيها. وهذا يحرم الفلسطينيين من حقهم في العودة ويشكل اكبر خطر على لبنان دولة ومجتمعا وكيانا. فكيف سيواجه اللبنانيون هذا الخطر؟".
ويظهر من مجمل المواقف السياسية للبطريرك الماروني ان التوطين يعتبره الاخطر على الصيغة والكيان والتوازنات السياسية والديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
التوطين مجددا
في زيارته الاخيرة لبيروت، اطلق المفوّض الاعلى للسياسة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا كلاما خطيرا في هذا الشأن، لم يأخذ حقه في النقاش ومرّ مرور الكرام نظرا الى ان موجة الحكومة المعلّقة باتت تستحوذ الصورة والصوت. قال سولانا، تعليقا على تحذيرات اطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن خطر التوطين: "لا أستطيع ان أساعد في حل هذه المشكلة، لكن سأرفع الامر الى المعنيين في الاتحاد الاوروبي".
يعتبر المراقبون ان مردّ الخطورة في هذا الكلام انه مؤشر صريح الى ان التوطين يبحث جديا في المحافل الاوروبية، في موازاة البحث الاميركي في آليات احياء المسار التسووي في الاقليم، انطلاقا من معالجة الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، حيث تبرز عودة فلسطينيي الشتات احد اهم العقد والعثرات، وهي كانت مدار بحث مستفيض في ما سمي بوثيقة ابو مازن - يوسي بيلين (وزير العدل في حكومة إسحق رابين وكشفتها صحيفة "هآرتس في 23 شباط / فبراير 1996) التي تلت توقيع اتفاقية اوسلو في بداية التسعينات. وتنصّ هذه الوثيقة التي أطلق عليها "مرجع المفاوضين السياسيين لمرحلة الحل النهائي"، في الشق الذي يعني لبنان مباشرة، أي اللاجئين والنازحين الفلسطينيين، على "وجوب العمل على أن تحل هيئة دولية جديدة محل وكالة الغوث الحالية (الأونروا) لتتولى عملية إعادة تأهيل هؤلاء وتأمين إستيعابهم في دول وأماكن إقامتهم الحالية وإمتصاص أعدادهم في الحياة اليومية للمجتمعات التي يعيشون في محيطها"، على ان "تتكفل حكومة حزب العمل بالتعامل ثنائيا مع الدول المعنية ومع الأطراف الدولية الراعية دونما صخب أو ضجيج وبما لا يشكل إحراجا للسلطة الفلسطينية وتتكفل أيضا بممارسة الضغوط الكفيلة بإنتزاع المواقف الدولية الداعمة لهذا الهدف والتعامل مع الدول المضيفة بما يضمن إغلاق هذا الملف ببطء بعد أن تتم تهيئة كل الظروف التي تعطي للاجئين حق المواطنة حيث يقيمون".
ويستذكر المراقبون اعلان ابو مازن في تموز (يوليو) 2005، أنه لا يمانع أن تمنح الدول العربية "إذا أحبت" للاجئين الفلسطينيين، معتبرا أن ذلك "لا يعني التوطين"، ومشيرا الى انها "مسألة عاطفية لا علاقة لها بالجنسية، فهناك فلسطيني من الجيل الخامس يعيش في تشيلي يحب أن يعود عندما يسمح له".
وبعد أيام قليلة على موقف أبو مازن، حصل جدال بين المندوبين اللبناني السفير عبد اللطيف مملوك والفلسطيني محمد صبيح، في إطار أعمال الدورة الـ 74 لمؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في جامعة الدول العربية، وذلك على خلفية تجنيس الفلسطينيين. فحينذاك أعلن السفير مملوك تمسك لبنان بقرار مجلس الجامعة الصادر في العام 1959 والقاضي "بعدم منح الجنسية للفلسطينيين في الدول التي تستضيفهم بصورة موقتة حتى يعودوا الى ديارهم"، لكن المندوب الفلسطيني قاطعه ليؤكد أن "قرار الجامعة هذا مجرد توصية سقطت بالتقادم"، وان "واشنطن ولندن وبعض العواصم الأوروبية تمنح الجنسية للفلسطينيين فأولى بالدول العربية أن تمنحهم إياها". فردّ السفير مملوك: "إن قامت الدول العربية بمنح الفلسطينيين الجنسية، فلن يعود فلسطيني واحد الى أرضه".
إلتقاط الفرصة
ويشير المراقبون الى ان كلام سولانا عن البحث في التوطين مقرونا بإلحاحه على اللبنانيين كي "يلتقطوا الفرصة الدولية للاسراع في تشكيل الحكومة لأن في ذلك فائدة كبيرة للبنان الذي يمكن ان يستفيد من الاجواء الراهنة و ينصرف الى معالجة مشاكله وتحسين وضعه الاقتصادي"، فيه الكثير من ورائيات الكواليس الاوروبية، حيث كُشف مرارا عن مؤتمرات دولية سرية عقدت في اكثر من عاصمة اروربية، بينها واحد في احدى السفارات الكندية، خصصت للبحث في مسألة توطين الفلسطينيين حيث هم او في دول راغبة في ذلك او يفرض عليها ذلك لقاء اثمان سياسية او اقتصادية. ولا يزال كلام الرئيس بوش عن الصندوق الدوليذي الـ 120 مليار دولار احد "الوثائق" التي يُستند عليها عند مناقشة هذا الملف.
ويعتبر المراقبون ان المقصود تحديدا من تشديد سولانا على اهمية وجود حكومة في لبنان عشية استحقاقات متسارعة، تلك التي تتمثل بالحراك في واشنطن لاطلاق مبادرة الرئيس باراك اوباما للتسوية في المنطقة، واستطرادا مستقبل الوضع الفلسطيني، ما يضع لبنان امام خطر التوطين الذي ستطرحه اسرائيل بندا في سياق مفاوضات التسوية.