الاثنين، 31 أغسطس 2009

Sphere: Related Content
في بلاد الحنين الى امجاد بني عثمان والاصرار على لعب دور اقليمي مركزي
انطباعات من اسطنبول عن السلام والحكومة والمحكمة
اهتمام تركي بأدق التفاصيل اللبنانية من الانعطافات الى الامن

ينشر في "الاسبوع العربي" في 7/9/2009

اسطنبول -
لا يشعر زائر تركيا، هذه الايام، بغربة الابتعاد عن الضجيج السياسي اللبناني بمتفرعاته وجزئياته، ذلك ان انقرة تتابع عن قرب التطورات اللبنانية، حتى يخال المرء انه في قلب بيروت يعيش دقائقها لحظة بلحظة وتصريحا بتصريح وجدلا بجدل. لكن الاهتمام التركي اساسا يبقى في اتجاهين: استئناف المسار السلمي، والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وكل ما يرتبط بها من إعادة تموضع وانقلابات وانعطافات واستشرافات.
تستعد تركيا هذه الايام لختام موسم صيفي - سياسي لافت عززت في خلاله حضورها الديبلوماسي على مستوى الاقليم لاعبا رئيسا في سياق المثلث الشرق اوسطي الذي يضمها – كتقاطع الضرورة والحاجة- الى طهران وتل ابيب.
احد خواتيم هذا الموسم اللافت تجلى في الزيارة التي قام بها في التاسع والعشرين من آب (اغسطس) الامين العام لحلف شمال الاطلسي (الرئيس السابق لوزراء الدانمارك) أندرس فوغ راسموسين، وهي زيارة تعتبرها انقرة نصرا ديبلوماسيا لها على مستوى سياستها الخارجية، نظرا الى انها سبق ان اشترطت اعتذارا صريحا من الرجل قبل استقباله، وذلك على خلفية ازمة الرسوم الكاريكاتورية الشهيرة التي تسببت بها الصحف الدانماركية قبل 4 اعوام. واختار راسموسين الاعتذار من خلال مشاركة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في مأدبة افطار، علما ان تركيا هي الدولة المسلمة الوحيدة من بين أعضاء الحلف الاطلسي.
تبدو تركيا رجب طيب اردوغان مزيجا من دولة اوروبية عصرية عاصمتها انقرة وكيان تاريخي مشدود الى ايام غابرة كانت فيه اسطنبول العثمانية احدى عواصم الامبراطوريات الاعظم، ويسمع زائرها كلاما -تردادا - عن اعوام ثلاثمئة وخمسين "حكمت فيها العالم بالعدل والعدالة"، وعن عظمة سلاطينها وقدرتهم على الاستنباط والحكم والتبصّر.
قلق
يلمس زائر اسطنبول هذه الايام قلقا تركيا رسميا حيال ما يكتنف الاقليم المتوسطي من ضبابية على مستوى المراجعات الدولية، يزيدها غموضا عدم اتضاح الموقف الاميركي من ملفات اساسية في المنطقة، وخصوصا على مستوى مثلث لبنان وفلسطين والعراق، ذلك ان واشنطن التي تقدّم مسألة خروجها من العراق بأقل الخسائر السياسية الممكنة على كل اولويات اخرى، لم تحسم بعد مقاربتها للملفات للعناوين المرتبطة بما فيها علاقتها بدمشق، على رغم التحسّن المطّرد في هذه العلاقة والتي باشره الرئيس الاميركي باراك اوباما تأسيسا على تقرير بيكر – هاملتون الشهير الذي اسدل الستار على كل سياسات عهد الرئيس السابق جورج بوش.
ويبدو ملف استئناف محادثات التسوية الاسرائيلية - العربية في صلب الاهتمامات التركية، لذلك
ينتظر المسؤولون في انقرة زيارة مرتقبة للمنطقة يحضّر لها المبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل، وهي مقررة مبدئيا في النصف الاول من أيلول (سبتمبر)، في مهمة ترمي الى خلق المناخ الايجابي المطلوب لدفع عملية السلام او التسوية السلمية قدما ورفدها بما تحتاج من منشطات ومضادات حيوية تقيها التعثّر الذي طبع الاعوام الاخيرة، وتحديدا منذ مبادرة السلام العربية في قمة بيروت في العام 2001.
ويعوّل هؤلاء على مؤتمر السلام الدولي المزمع التحضير له وعقده قبل نهاية السنة 2010، ليكون مكملا لمؤتمر مدريد في العام 1991، لكن بنسخة مزيدة ومنقحة تقدّم جديدا عمليا على هذا المستوى، وهو امر يفقده هذا المسار.
الحكومة المتعثّرة
ولا يخفي المسؤولون الاتراك قلقهم من تعثّر تقدم المسار السياسي اللبناني، بفعل عدم القدرة على انتاج حكومة ائتلافية تنظر اليها انقرة على انها حجر الزاوية في السنوات الخمس من عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، كما ان انقرة معنية بنجاح تشكيل حكومة لبنانية ستحسم قرارها بالمشاركة في مؤتمر السلام الدولي، انطلاقا من ان موقف لبنان من تحريك عملية السلام يشكل اول التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة، تأسيسا على التقدّم الذي حققته الوساطة التركية بين سوريا واسرائيل.
لذلك يلحّ المسؤولون الاتراك على اهمية انجاز الاستحقاق الحكومي بقدر عال من المسؤولية، حتى تستطيع الحكومة وضع لبنان على المسار السياسي السليم اقليميا ودوليا، وهو مسار سيتقدم الاجندة المحلية على رغم اهمية باقي العناوين، وخصوصا منها ذات الطابع المحلي (معالجة الازمة الاقتصادية والاجتماعية...).
وسبق لوزير الخارجية التركية احمد داود اوغلو في زيارته الاخيرة لبيروت في الثلاثين من تموز (يوليو) الفائت، ان سعى الى جس النبض اللبناني بالنسبة الى إمكان استئناف التفاوض على المسار اللبناني - الإسرائيلي، في إطار عملية سلام شاملة، مشددا على انه لا بد من الشمولية على رغم وجود تحرك من أجل المسار السوري - الإسرائيلي. وصارح اوغلو المسؤولين ان كل الاحتمالات ممكنة لاستئناف التسوية، وان المحاولات تتطلب من الدول المعنية التفكير في ما يمكن ان تتخذه من مواقف متصلة بالدعوة الى مؤتمر سلمي على غرار مدريد، في مرحلة غير بعيدة.
المحكمة ايضا
ولا يفوت المسؤولون الاتراك متابعة ادق التفاصيل اللبنانية الكبيرة منها والصغيرة، بدءا بشكل الحكومة الائتلافية وصولا الى المطالب المختلفة ودقائق التشكيل والعثرات ومشاكل التوزير والاستيزار وتوزيع الحقائب، لكن اكثر ما يتوقفون عنده بعد العنوان الحكومي، هو مسألة المحكمة الدولية الخاصة للبنان، في ضوء التقارير الكثيرة الواردة من بيروت، ولا سيما "الضجيج" اللبناني عن قرب صدور شيئ ما عن المحكمة الدولية (قرار ظني او استدعاءات)، في حين ذهبت تقارير اخرى الى تحديد تشرين الاول (اكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) موعدا مبدئيا لكن غير نهائي لصدور التقرير الظني عن المدعي العام الدولي القاضي دانيال بلمار الذي يستعد في غضون ايام الى استئناف نشاطه بعد فترة قسرية امضاها في كندا للعلاج.
ويلمس الزائر ان انقرة تقارب هذا الملف بحذر شديد، نظرا الى ان هذه المحكمة هي اولا وقبل كل شيئ، تجربة فريدة على المستوى العالمي، اذ لم يسبق ان انشأ المجتمع الدولي محكمة كي تحاكم قتلة مجهولين لشخصية سياسية معروفة وذائعة الصيت، فيما اقتصرت التجارب السابقة على نوع واحد من المحاكم الدولية لمعاقبة مرتكبي جرائم ابادة جماعية. لذا ان نجاح هذه التجربة بعيدا من اي تسييس يؤهلها كي تعمم نسبيا في عالم ما بات يعرف بعصر نهاية الافلات من العقاب والعدالة، علما انه في السياسة الدولية ثمة اربعة انواع متعارف عليها:
1-المحاكم المنشأة باتفاق دولي: محكمة نورنبرغ ومحكمة طوكيو.
2-المحاكم المنشأة باتفاق تعاون بين الدولة والامم المتحدة: محكمة كمبوديا ومحكمة سيراليون.
3-المحاكم المنشأة بقرار من مجلس الامن: محاكم رواندا ويوغسلافيا السابقة.
4-المحكمة المنشأة باتفاقية روما: المحكمة الجنائية الدولية.
الانعطافات
وينظر المسؤولون الاتراك بإهتمام الى التحولات السياسية اللبنانية، وخصوصا الانعطافة التي سجلها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط على خلفية المحكمة ذات الطابع الدولي تحديدا، وهم يقرأون بتمعّن احتسابه التطورات والتوترات التي يمكن ان تكون المحكمة احد مسبباتها، "من جراء التغيير الذي طرأ على مسار المحكمة وتحول وجهة الاتهام من اتهامات سياسية في حق سوريا الى اتهامات قضائية في حق "حزب الله" يمكن ان تصدر عن المحكمة الدولية وان تعكس أجواء تقرير مجلة "دير شبيغل". ويرون ان هذا القلق سبب رئيس من أسباب الحركة السياسية الوقائية التي يقوم بها جنبلاط تحسبا لمخاطر فعلية يريد ان تظل طائفته في منأى عنها.
وعلى رغم ذلك، هناك اعتقاد اقرب الى اليقين بأن المحاولات التي يقوم بها جنبلاط في عقد لقاءات توفيقية، واستعداد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري لزيارة سوريا بعد انجاز التشكيل وتخطيه مرحلة العام 2005 بكل مفاعيلها وتداعياتها، لا تلغي واقع ان ارتدادات القرار الظني لن تكون سهلة على لبنان.
تأسيسا على ذلك، تحضّ انقرة على ضرورة الاسراع في ملء الاستحقاقات الدستورية كي تتمكن الدولة بمؤسساتها وشرعياتها السياسية من بدء الاعداد الى مرحلة جديدة على مستوى الامن القومي اللبناني، قد تحمل المزيد من التحديات ومن المس بالاستقرار وبالتوازنات، وهو امر يفترض تصليب الوضع الداخلي وتحصين الوحدة والخروج بسياسة رسمية واضحة وجلية.


الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

Sphere: Related Content
المساحة المسيحية متنفّس واقعي وضروري وسط وابل الاحتقان
عزل الكتائب ووليدتها: عود على بدء الحرب!
الكتائب والقوات تتنافسان وتستقطبان تحت مظلة ثوابتهما


ينشر في "الاسبوع العربي" في 24/8/2009
منذ خطاب وليد جنبلاط في البوريفاج في الثاني من آب (اغسطس)، والحراك السياسي في ذروة لافتة على مستوى الاحزاب والتيارات، ينذر بمزيد من البهلونيات والانعطافات... وربما الانقلابات. لكن المسرح الرئيس يبقى المساحة المسيحية الحزبية التي هي في حراك دائم، والتي تبقى المتنفس لكل وابل الاحتقان اللبناني والخارجي.
في ذاكرة كثر من المسيحيين، كما المسلمين، وسط جدلية الحكومة العتيدة والانقلابات والانعطافات والاستقراءات، استعادة معركة عزل حزب الكتائب في العام 1975 والتي فتحت الباب أمامه كي يخرج من لدنه رئيسين للجمهورية، موظفا شعار عزله خير توظيف، ليتكئ عليه نهاية السبعينات كي يصبح الحزب المسيحي الاكثر عديدا وتمثيلا وقدرة على الحشد والاستقطاب.
في احد مراجعاته قبل استشهاده بأشهر، يعترف الأمين العام السابق حزب الشيوعي جورج حاوي انه هو من طرح هذا الشعار الذي ادى في حينه الى الالتفاف المسحي حول الحزب الواقف اقصى اليمين، وتاليا الى استعار الحرب وتمددها خمسة عشر عاما عبثية.
قال حاوي في استعادة ذكريات الحرب: "الرد على الاستفزاز (العسكري والامني الكتائبي) كان يجب أن يكون رداً سياسياً (عبر) عزل حزب الكتائب من الحكومة. كان حزب الكتائب مشاركا في الحكومة، وانا طرحت شعارا سياسيا لمعالجة استفزاز أمني عسكري، ولكن لسنا دائماً أصحاب القرار في تطور الصراع، أخذ بشعار عزل الكتائب، وصدر بيان عن المجتمعين (الاحزاب الوطنية) بقيادة كمال جنبلاط مطالبا بعزل حزب الكتائب ومحاكمته، مستنكرا الاستفزاز، وعدم وجود سلطة تستطيع أن تعالج الوضع مباشرة.. فـ "فَلِتَ الملأ" في الشارع (...) واشتعلت الأحداث عسكرياً بدلاً من أن تأخذ منحى صراع سياسي، فاستخدم شعار عزل الكتائب سياسياً إلى شعار تغطية للحرب الأهلية".
تُستمد هذه الاستعارة التاريخية، من تلمّس بعض الشارع المسيحي وجود رغبة في استعادة هذا العزل، انما في حق "القوات اللبنانية، وليدة حزب الكتائب، وتلك التي وظّفت شعار العزل لـ "تلتهم" الوجدان المسيحي نهاية السبعينات، فستقيم على العرش المسيحي بتوحيد البندقية والسياسة والاقتصاد وكل نواحي حياة البيروتيين الشرقيين.
اول المستعيدين
كان وليد جنبلاط اول المستعيدين لهذه الواقعة التاريخية، قبل خطاب البوريفاج بأشهر، وذريعته الامتعاض من "عودة نغمة الانعزالية" في خطابي الكتائب و"القوات اللبنانية"، هذه العودة التي "صادفها" جنبلاط اثناء حضوره احد الاحتفالات الكتائبية الحزبية، والذي تخلله عرض لفيلم وثاقي رأى فيه تعرّضا لذكرى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وانطلقت في ضوء هذه التحفظات الجنبلاطية، شخصيات في المعارضة لتروّج الى عزل سياسي للحزبين، او لاحدهما من خلا استمالة الثاني، على طريقة جورج حاوي، انما من منطلقات مختلفة ترتكز على ادوات وخطاب مستحدث، صلبها المسألة الفلسطينية والعروبة!
في حينه، قال نائب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" جورج عدوان ان القوات ملتزمة القضية الفلسطينية وتعتبر اسرائيل دولة عدوة ،مشيراً الى ان هناك من يريد عزل القوات وخصوصا بعد التحركات الجديد في اتجاه سوريا.
وعلّق المستشار السياسي لرئيس حزب الكتائب، سجعان القزي، بأن جنبلاط "لم يعلن في البوريفاج إنسحابه من 14 آذار (مارس)، بل أعلن عن رغبته في سحب الكتائب والقوات اللبنانية من هذا التجمع تحت ستار اليمين واليسار"، محذراً إياه من "العودة الى إتجاه عزل الكتائب فيما هو نفسه معزول اليوم وستدخله مواقفه المتناقضة قريبا جدا مرحلة افول سياسي". وابدى أسفه لأن تكون الجنبلاطية "لا تطيق التعامل مع المسيحيين الأقوياء، لا على صعيد رئاسة الجمهورية او قيادة الجيش او كرسي بكركي او الأحزاب المسيحية إلا اذا اضطرت بداعي الخشية او بناء على نصيحة خارجية". وأكد ان "الأحزاب المسيحية مصممة على تعزيز إنتشارها في الجبل، وان الضمانة الأساسية للوجود الدرزي في الشوف وعاليه هو الحضور المسيحي الحر، ولا داعي لوليد جنبلاط ان يتعالى على المسيحيين بالعودة الى الجبل وهو الاحوج اليهم".
اذن، هو الجبل مسرح الثنائية المسيحية - الدرزية والتي تختصر حينا بثنائية كمال وكميل، ومساحة كل المواجهات، منذ القائمقاميتين فالمتصرفية، ثم لبنان الكبير وصولا الى الحرب فالسلم الضائع.
كبش محرقة من جديد
في اعتقاد اهل القوات اللبنانية، انها ليست المرة الاولى التي يهوّل فيها على الكتائب ووليدتها بجعلها كبش محرقة نتيجة التغيرات السياسية الدراماتيكية الراهنة. ويتحدثون عن "التهويل الكبير الذي يمارس تحديدا على "القوات اللبنانية" التي تشكل راهنا قوة الرفض الأساسية في قوى الرابع عشر من آذار (مارس) لعدم عودة السيطرة من جديد على القرار السياسي الحر"، في اشارة الى الاتهامات التي وجّهها رئيس تيار "التوحيد" وئام وهاب عن انشاء القوات خلايا امنية.
ويقولون: "ثمة محاولة لتضليل الرأي العام اللبناني، ومحاولة لعزل "القوات اللبنانية" تمهيدا لإضعاف الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري وفرض الشروط عليه لكن هذا الامر لن يمر ولن يحصل لأن تضامننا لا غبار عليه ونحن نعي تماما ما يحصل. لم يتمكنوا من أخذنا بالجملة ولن يتمكنوا من أخذنا بالمفرق".
ويعتبر اهل القوات ان سياسة عزلها لن تؤدي إلى نتيجة لأنها باتت محصّنة في الاعوام الفائتة بالقوى الوطنية عموما، وبمجتمعها المسيحي خصوصا، وهي أصبحت منصهرة في النسيج اللبناني، وتاليا لم تعد معزولة، لا محلياً ولا عربياً ولا دولياً، كما أن قيادتها اعادت صوغ خطاب سياسي – حزبي متماسك اكسبها موظئ قدم في اكثر من عاصمة عربية وغربية، وهو الامر الذي لم يكن متوافرا عندم غدر بالقوات في بداية التسعينات، يوم دُفّعت ثمن موقفها المتمسك بالمؤسسية وبثوابت دولة اتفاق الطائف.
الفصل بين التوأم
ويشتبه اهل القوت اللبنانية بمحاولة للفصل بين الحزبين - التوأمين اللذين يشكلان راهنا القوة المسيحية الثانية في مواجهة "التيار الوطني الحر"، من خلال الايحاء بأن حزب الكتائب مستعد للخروج من تحالف الرابع عشر من آذار (مارس) الى حال وسطية نسيبة لحال الهيولى التي ينزل فيها راهنا ولد جنبلاط. ويقول هؤلاء: يسرّب، لهذا الغرض، ان الرئيس امين الجميل التقى مبعوثين سوريين وهو في طور استعادة علاقته بالقيادة في دمشق، وان ثمن هذه الاستعادة لا بد ان يكون قريبا من الثمن الذي دفعه جنبلاط، اي الانفصال عن تحالف الرابع عشر من آذار (مارس). في حين ان حقيقة الامر مغايرة لكل هذا التسريب، فالكتائب باقية في صلب ثورة الارز ومبادئها، وان تمايزت في مقاربة التغيرات الحاصلة لبنانيا وخارجيا.
ويستبعد اهل القوات ان يزور الرئيس الجميل دمشق لاسباب تنافسية في الوسط المسيحي مع الدكتور سمير جعجع، ذلك ان الرجلين يقرآن في كتاب واحد، والاثنان يدركان حجم المخاطر والتحديات التي تنتظر المسيحيين، وهما لا يمكنان ان يضيعا البوصلة في ما خص المصلحة العليا للمسيحيين في البقاء متعاضدين ومتضامنين، تحت مظلة التنافس الحزبي. وهما استطاعا التكيّف مع متطلبات هذا التنافس، بما فيها القدرة على الاستقطاب من ضمن الثوابت التي اختطاها منذ العام 2005، وهي تقوم على ان التنافس حيوي للحزبين ولقواعدهما على حد سواء، وهو عامل رئيس في عوامل الانتشار والاستقطاب.
من متعددة الى ثنائية
وكانت سرت في بعض الاوساط ان ثمة خطة عمل لدى المعارضة للمرحلة المقبلة تركّز على انهاء هذا التحالف وتحويله حلفا ثنائيا لا أكثر، يضم من تيار "المستقبل"، ومن جانب آخر "القوات اللبنانية".
وتنطلق المعارضة في تصورها هذا من أن القوى الاقليمية والدولية التي رعت حركة 14 آذار (مارس) لم تعد تحتاج اليها بعدما أدت اغراضها. وقد أدرك جنبلاط ذلك، فغادرها على عجل. وهناك شخصيات وقوى اخرى ستتبعه على الطريق الى دمشق.
وتضيف الرواية ان الرئيس الجميل ليس بعيدا من خيار الابتعاد، بدليل حركة الرسائل الناشطة من خلال الوزير السابق وئام وهاب وغيره من الشخصيات. كما ان الحزب ابتعد منذ فترة عن حضور اجتماعات الامانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار (مارس)، في حين يتمايز سامي الجميل في مقاربته العلاقة مع مسيحيي المعارضة، مما انتج ورقة سياسية مشتركة مع تيار "المردة"، ولقاءات على مستويات قيادية مع "التيار الوطني الحر". كما يلقى خطاب الجميل الابن قبولا حتى في اوساط عتات المعارضين.


السبت، 8 أغسطس 2009

Sphere: Related Content
انتقل الى "الهيولى" من دون ان يسقط عقده مع الحريري
جنبلاط او ستّون "روح الفولاذ" وهاجسا فؤاد وكمال!
النسب السياسي مع زعيم المختارة مكلف.. كما الخصام معه

ينشر في "الاسبوع العربي" في 17/8/2009
قدَرُ انسباء وليد جنبلاط وحلفائه (الموقتين) وخصومه (الموقتين ايضا)، ان يدفعوا ثمن موقفه مرتين: مرة لمصادقتهم واخرى لمعاداتهم... تماما كالمثل الشعبي عن المنشار الذي يأكل في "الطالع" ويأكل في "النازل".
تعود الأسرة الجنبلاطية الى أصول كردية، ويُعتقد ان اجدادها قدموا من كردستان إلى لبنان في العهود الأيوبية. تنتسب هذه الأسرة إلى الأمير جان بولارد بن قاسم بك بن احمد بك بن جمال بك بن عرب بك بن مندك الأيوبي الكردي، المنحدر من عشائر الأيوبيين الكرد، وكان يعرف بإبن عربي. وجنبلاط باللغة الكردية هو جان- بولات، ومعنى جان الروح وبولاد الفولاذ، فيكون معنى جان - بولاد الروح الحديدية او الفولاذية.
في الذاكرة التاريخية للاكراد ان الاسرة الجانبلاطية توارثت الحكم من قديم الزمن في كلس، وكان عميد الاسرة الامير حسن نصّبه الصدر الاعظم واليا لحلب. ولما توجه الصدر الاعظم لغزو البلاد الايرانية تحجج بكثير من الحجج والاعذار وامتنع عن الذهاب الى الحرب الايرانية، فحقد عليه الصدر الاعظم واسره في صدره، ولما عاد من ايران بعد هزيمة تبريز ارسل في طلبه وقتله. ولما وصل خبر وفاة الامير حسن الى اخيه الامير علي ذهب الاخير ومعه جيش من الجنبلاطيين الى حلب، فأعلن فيها ثورته على الحكومة العثمانية ثم زحف على طرابلس الشام واستولى عليها وعلى قراها وسكّ النقود بإسمه، وكانت خطب الجوامع تمدحه، وتكوّن لديه جيش كبير مستقل عن الجيش العثماني. وعُرف عن الجانبلاطيين انهم رجال صلب في المعركة لا يخافون ويثأرون للثأر ولا يخافون الموت.
الستون – الهاجس
بلغ وليد جنبلاط، في السابع من آب (اغسطس) الستين العتيّ. ستّون الهواجس والقلق والخوف من محتوم اوقع بجدّه فؤاد والده كمال. الاثنان ماتا قتلا في الستّين. وثمة من يعتقد ان جنبلاط بات يعيش هاجس سن الستين ببلوغه سنّ الاغتيال!
-فؤاد كان قائم مقام منطقة الشوف أيام الحكم العثماني وفي بداية الإنتداب الفرنسي على لبنان. أغتيل في 6 آب (أغسطس) 1921 في وادي عينبال على يدي أحد منافسيه السياسيين، ويُقال على يد احد قطاع الطرق من آل وهاب وهم غير الذين ينتمي إليهم رئيس تيار "التوحيد" وئام وهاب. خلفته في الزعامة الست نظيرة التي أنجبت منه كمال وليندا وبقيت على زعامة العائلة حتى كبر الوريث.
-كمال، زعيم "الحركة الوطنية" في بدايات الحرب وأحد مؤسسي الحزب التقدمي الاشتراكي، ومن الشخصيات اللبنانية المعروفة بدعمها للقضية الفلسطينية، فإغتيل في دير دوريت في 16 آذار (مارس) 1977، وخلفه في زعامته ابنه وليد.
-اما عمّته ليندا المتزوّجة من الأمير حسن الأطرش، فقُتلت، هي الاخرى، في منزلها في بيروت في 27 ايار (مايو) 1976 قبل أقلّ من عام من اغتيال والده.
الكلفة المزدوجة
النسب السياسي مع وليد جنبلاط مكلف، تماما كما الخصام معه. وما ينسحب على خصومه وحلفائه اللبنانيين ينسحب ايضا على الاميركيين ممن خاصمهم جنبلاط ثم صادقهم ليعاديهم مجددا. فبول وولفوفيتش "الجرثومة" الاميركية التي تمنى لها مقتلا في بغداد، وعصر قلبه دما لخبر نجاته وعدم مصرعه في سقوط قذيفة على الفندق الذي كان يشغله في بدايات الحرب الاميركية على العراق، هو نفسه الذي عاد فتبنى عقيدته المحافظة المتشددة، ومن ثم في زياراته الشهيرة للولايات المتحدة الاميركية. فأعيدت اليه الفيزا بعدما حجبت عنه بقرار رئاسي، وصارت محاضراته في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، وهو احد الاذرع الفكرية العقائدية للمحافظين الجدد، "وثيقة" اتكأ عليها هؤلاء ليقولوا بنجاح استراتيجياتهم في الشرق الاوسط.
مهّد وليد جنبلاط لانقلابه الجديد منذ اشهر، وأسْمعَ كل حلفائه هذا التمهيد، وعلى رغم ذلك وقع خطاب البوريفاج (يا للرمزية) وقْع الفأس في الرأس. لم يرد احد من هؤلاء التصديق، لو للحظة، ان جنبلاط قد يعود الى دأبه القديم في التنقّل حيثما يستريح وتستريح آمنةً طائفته. هو اصلا لا يجد عيبا في ان السياسة مصالح لا ثوابت، وانه من الغباء الا يقرأ السياسي المعطيات فيحدد موقعه وخطابه في ضوء كل مستجد. قرأ التغيرات الشرق اوسطية الآتية في العام 2001 على متن الدبابة الاميركية، فإتخذ تموضعه الشهير، لا في اليمين بل في اقصى اليمين. وها هو اليوم يعود الى اقصى اليسار باحثا عن حقوق الفلاحين (!). هذا الظاهر، اما في الباطن فثابتة واحدة لا يحيد عنها، وفي ضوئها يُقرأ حصرا وليد جنبلاط: هو يذهب حيثما يجد الامان والسلام والاستمرارية لطائفته الاقلوية، لا اكثر ولا اقل.
ايقظه السابع من ايار (مايو) 2008 على هذه الثابتة. وجد جماعته في خطر التصادم مع الشيعة، وفي خطر الزوال نتيجة أي تصادم بين السنة والشيعة. واتخذ منذ حينها قرار اعادة التموضع تدريجا وصولا الى الثاني من آب (مايو) في خطاب "بوريفاجي" سيثبت في ذاكرة من والاهم ومن خاصمهم.
عام ونيّف احتاجته الانعطافة، وهي انقلاب فعلي، في التدرّج شيئا فشيئا، لأن الالتزامات كثيرة، وخصوصا مع تيار "المستقبل"، والحاجة كانت ملحة الى العودة الى تطبيع العلاقة مع "حزب الله"، ولاحقا مع دمشق، قبل الاقدام على الخطوة – الانقلاب.
اراد رمزية عودته الى اقصى اليسار والى العروبة وفلسطين واسواق الحميدية بمستوى رمزية خروجه الى اقصى اليمين، فوجد في "البوريفاج" ضالته، و"اخترع" لهذا الغرض جمعية استثنائية لحزبه.
الهيولى او الوسطية الجديدة
لكن في المقابل، من الخطأ تبسيط قراءة الانعطافة الجنبلاطية، والتسليم بالاحتفالات التي ذهبت اليها قوى المعارضة ابتهالا بـ "سقوط اكثرية 14 آذار (مارس)". ذلك ان خلط الاوراق الذي اراده هو وبشّر فيه رئيس البرلمان نبيه بري، لا يعني اطلاقا انتقاله من ضفة سياسية الى اخرى متناقضة، بل هو سيبقى، وربما لزمن طويل نسبيا، في المنزلة ما بين المنزلتين، في الهيولى، الى جانب آخرين، وربما مع الرئيس بري، وان في شكل اقل فجاجة، واكثر سلاسة.
من المبكر، لا بل من المبالغ راهنا الحديث عن سحب جنبلاط نوابه الاحد عشر من تحالف قوى الرابع عشر من (آذار)، لا بل من المبالغ الاعتقاد ان هؤلاء جميعا سيكونون في المنزلة ما بين المنزلتين التي حلّ بها جنبلاط، ذلك ان لبعض هؤلاء هواهم السياسي "اليميني" الذي من الصعب الخروج منه، وتاليا من الصعب ان ينجح زعيم المختارة في تكرار واقتباس صورة كتلة "النضال الوطني" التي تزعمها والده عقودا عدة. كما ان نوابه الحزبيين الذين يلتزمون قراراته لا يزيدون عن خمسة بحكم "الطاعة" الحزبية.
بذل الوسطاء المقربون من قريطم والمختارة جهودا مضاعفة في سبيل توضيح بعض ثنايا الخطاب وتداعياته، وخصوصا لجهة موازين القوى الراهنة في حال تكرّس انتقال جنبلاط الى "المنزلة" المستقلة، ما سيفقد الغالبية اكثريتها النيابية الراجحة.
وحمل الوسطاء الكثير من التوضيحات والتفسيرات، تمحور جوهرها حول ان الاكثرية النيابية لا تزال في صف زعيمها الرئيس المكلف سعد الحريري، وانه لا يمكن الهوان في هذا الصدد، وان التعاون سيبقى مستمرا بصرف النظر عن مواقف البوريفاج.
ثابتان
وثمة من المراقبين من يعتقد ان التفاهم العربي الحاصل امكنه تحقيق ثابتين على المستوى اللبناني طوّقا بعض مفاعيل الانعطافة الجنبلاطية الحادة:
-اولهما، تلافي أي موقف لبناني من شأنه إضعاف الموقع التفاوضي لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري مع المعنيين بتشكيل الحكومة الجديدة، والعمل على تثبيت السيادة وتدعيم قيام المؤسسات الدستورية بدورها بعيداً من أي تدخلات خارجية من شأنها التأثير سلبا على حرية اللبنانيين وقرارهم المستقل.
-وثانيهما، الحرص على حماية نتائج الإنتخابات النيابية وإبعادها عن تأثيرات الضغوط والتهديدات التي من شأنها خلط أوراق التحالفات بقوة الأمر الواقع وليس بفعل اللعبة الديمقراطية المستندة الى قناعات الفرقاء السياسيين، وليس الى خوفهم من استهدافات أمنية قد يتعرضون لها على المستويين القيادي والشعبي.
ومهما يكن من امر، فإن المراقبين يعتقدون ان الاصطفافات السياسية والنيابية لم تعد على ما ظهرت عليه في الثامن من حزيران (يونيو) الفائت، ذلك ان التصدّع الذي احدثه كلام جنبلاط في بنيان تحالف قوى الرابع عشر من آذار (مارس) لا يمكن القفز فوقه مهما بلغت الوساطات واشتدّت. كما ان اصطفاف قوى 8 آذار (مارس) لن يبقى على ما هو عليه، وان بلغ التحوّل على هذا المستوى مبلغا اقل حدة مما حصل في تحالف 14 آذار (مارس)، انطلاقا من ان الآتي من المتغيرات الاقليمية سيصيب الجميع من دون استثناء، بحيث لا يدْفع او يدفَّع فريق واحد ثمن هذه المتحولات.
Sphere: Related Content
"كيسنجر الشرق الاوسط" يستشرف المقاربة الرسمية لإحتمال استئناف التسوية
اوغلو العثماني في لبنان: حكومة وسلام وطريق الشام
لبنان يشارك في اي مؤتمر للسلام يرتكز على ثوابت مدريد

ينشر في "الاسبوع العربي" في 10/8/2009
قد يكون احد جوانب الدفع الاقليمي – الدولي كي تكتمل عناصر العملية السياسية اللبنانية بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، زحمة الوساطات لاستئناف محادثات التسوية السلمية على المسارات الثلاث اللبنانية والسورية والفلسطينية، دفعة واحدة ومن دون تلكؤ. ويظهر دور انقرة في هذا الصدد، متقدما ولو على نحو باطني، وهو دور تتبعه الديبلوماسية التركية منذ ان أُبرز أحمد داود أوغلو، مستشارا رئيسيا لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ثم وزيرا للخارجية.
احمد داوود اوغلو، الذي لمع وسيطا مفاوضا بين اسرائيل وسوريا ومن ثم بين انقرة واكراد العراق، وكان واحدا من أبرز من ناب عن الحكومة التركية في خلال الدبلوماسية المكوكية للتسوية بين إسرائيل وقطاع غزة في العام 2008، يعتبره البعض "كسينجر الشرق الاوسط الجديد"، فيما قال عنه المدير العام السابق للخارجية الاسرائيلية ألون ليال انه" كان الاكثر اسهاما في المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل ابيب عبر دبلوماسيته المكوكية بين البلدين".
وسبق لاوغلو ان كتب "ان قطع تركيا لعلاقات عمرها 500 عام مع الشرق، واتباعها سياسات غربية خلال الخمسين عاما الاخيرة، كان احد اسباب عزلتها و تراجع دورها". وكان لكتابه الشهير "العمق الاستراتيجي" تأثير مهم في اعادة هيكلة السياسة الخارجية التركية، وخصوصا انه تمكن من اخراج بلاده من شرنقة التوجه الى الغرب والتي كادت ان تخنقها، لمصلحة العودة الى الجذوة الشرق اوسطية – الاسلامية، حيث وجدت تركيا ملعبها الفسيح ديبلوماسيا وسياسيا.
ادى اوغلو، في الاعوام الاربعة الفائتة، دورا مركزيا في اعادة التموضع التركي في اتجاه الشرق بعد ما ادارت انقرة ظهرها لعقود عدة متجهة الى الغرب، لكنها فشلت في ولوج الاتحاد الاوروبي وجنّة الـ "شين غين". نظّر اوغلو للمحور الجديد على مستوى الاقليم، محور تل ابيب – انقرة – طهران، واعاد بفاعلية الحراك التركي على مساحة الشرق الاوسط، حتى إتُّهم بهوس الوساطات، اثر وساطاته المنجزة او قيد الانجاز في اكثر من ملف، من بينها التسوية السلمية. وتمكّن من اقناع ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما بأن الدور التركي ليس منافسا بل مكمّل لما تريده واشنطن استئنافا سريعا لمحادثات التسوية، بعد شلل قارب العقد.
الدور المستعاد
يحدد اوغلو دوره في احتمالات استئناف التسوية، من ثوابت "الرؤية الحضارية" وفق نظريتين في جعبته:
-الأولى يعتبر فيها ان "الثقة بالذات الحضارية" مصدر قوة إضافية للدولة في علاقاتها الخارجية، وخصوصا إذا اقترنت بتجاوز عقدة النقص وبالتغلب على الشعور بالدونية تجاه الطرف الآخر، وهذا هو ما فعله خلال وساطته بين السوريين والإسرائيليين، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين.
-الثانية يقول فيها: كي تكون ناجحا في إدارة العلاقات الدولية يتعين عليك مراعاة "التوازن" الدقيق بين قوة الأمر الواقع، وقوة الحق الأصيل، وأنه لا يجوز المغامرة بمواجهة قوة الأمر الواقع من دون استعداد كاف، كما لا يجوز التفريط في قوة الحق الثابت الأصيل، ويمكن إنجاز الكثير في المسافة القائمة بين "قوة الأمر الواقع"، و"قوة الحق الأصيل" في ضوء موازين القوى التي تتحرك باستمرار ولا تعرف السكون أو الجمود.
العثماني في بيروت
حلّ اوغلو في الثلاثين من تموز (يوليو)، في بيروت ضيفا جديدا على الرأي العام، على رغم انه سبق ان زارها مرارا في السر ولأداء مهمات بعيدة من الاضواء. ونقل عنه في مجلس خاص أن زيارته هذه هي الأولى الرسمية له بصفته وزيراً للخارجية، لكن سبقتها أكثر من 13 زيارة سرية إلى العاصمة اللبنانية، ونحو 34 زيارة سرية إلى العاصمة السورية، بعضها كان من أجل لبنان.
قدّم اوغلو نموذجاً جديداً للديبلوماسية التركية تقوم على اساس المبادرة لا الانتظار ورد الفعل. واساس نجاحه قدرته على زرع الثقة وخلق مناخات من التفاعل، وكان المنظّر للاستراتيجية التركية الجديدة التي أتاحت لانقرة أن تعرف للمرة الاولى منذ عقود ظهور مفكّر استراتيجي على غرار زبيغنيو بريجنسكي في واشنطن، يرسم لتركيا خريطة طريق جديدة تجعل منها قوة إقليمية ودولية فاعلة.
اذن، الديبلوماسي الجديد على الرأي العام، وربما على بعض الساسة، سبق ان ادى مهاما عدة لبلاده بين بيروت ودمشق، ويسعى راهنا الى تأدية وساطة على خطين: بيروت – دمشق (علاقة بعض قادة الموالاة بالعاصمة السورية) وبيروت – تل ابيب، في تقاطع مع وساطته المعلّقة راهنا على خط دمشق – تل ابيب.
اوغلو ليس غريباً عن الواقع اللبناني، فهو محيط بكل تفاصيله وعلى تواصل مع مختلف الاطراف، ورافق المسؤولين الأتراك في زيارتهم بيروت كمخطط وصانع السياسة الخارجية الجديدة لتركيا في الشرق الأوسط والعالم.
اولى تحديات الحكومةأعطت زيارة وزير الخارجية التركي لبيروت، غير المقررة،، أكثر من مؤشر على تقدم الإتصالات التمهيدية التي تولاها الجانب التركي مع كل من سوريا وإسرائيل والفلسطينيين في خصوصا احياء مسارات التسوية.
حرص الوزير التركي في تصريحاته على إبقاء الهدف الأساسي من زيارته إلى لبنان في إطار العموميات. ومع ان المتابعة التركية للمداولات الحكومية اللبنانية لم تكن ظاهرة، فإن الاوساط الدبلوماسية والسياسية توقفت عند تزامن زيارة اوغلو مع العملية السياسية القاضية بتأليف حكومة ببرنامج سياسي وبهدف تثبيت الاستقرار اللبناني كجزء من استقرار المنطقة.
لكن لا يخفى الدور الذي قامت به انقرة مع القيادة السورية للمساعدة في تجاوز ذيول أحداث الاعوام الأربعة الفائتة، وفي تدارك المشاكل القائمة بين بيروت ودمشق، وللتقليل من شأن الاختلاف والاضطراب الذي ساد العلاقات بينهما، اضافة الى الرغبة التركية للاسهام في تحريك المسارين السوري - الاسرائيلي واللبناني - الاسرائيلي، استناداً الى الروابط والعلاقات التي تربط بلاده بالاطراف المعنية.
واتى احتمال مشاركة بيروت في مؤتمر السلام الدولي قبل نهاية السنة 2010، في صلب مهمة اوغلو، باعتبار ان لبنان معني بالمفاوضات تماما كما حصل في مؤتمر مدريد في العام 1991، وبذلك يكون موقف لبنان من تحريك عملية السلام اول التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة، انطلاقا من التقدّم الذي حققته الوساطة التركية بين سوريا واسرائيل.
وتأتي زيارة اوغلو في اطار التحضيرات لمعاودة تحريك عملية السلام في المنطقة عموماً، وعلى المسار اللبناني - الاسرائيلي من ضمنها، وهو نصح للمسؤولين بالجهوز لمواجهة هذا الاستحقاق المفصلي، كي لا يؤدي استمرار الخلاف المحلي في خصوص هذه المسألة الاستراتيجية الى الحاق الضرر بلبنان او ابقائه خارج العملية السلمية.
وتواجه الحكومة الجديدة استحقاق المشاركة في مفاوضات السلام، لا بد من مقاربته.
والملاحظ ان أوغلو حرص في لقاءاته الرسمية على شرح نتائج الإتصالات التي قامت بها تركيا على امتداد المرحلة الفائتة، بغية تقديم دفع لمسار التسوية والتوقعات المنتظرة وتأثيرها على الأوضاع في المنطقة، مع الحرص على سماع وجهة النظر اللبنانية من امكان لتحريك التسوية، إستناداً للواقع اللبناني وتعقيداته المتداخلة والتجارب السابقة، ولا سيما المقاربة الرسمية اللبنانية في ضوء وجود فريق (حزب الله) رافض -عقائديا - لاي منطق تسووي مع اسرائيل.
لا تفاوض بل قرارات دولية
سعى أوغلو الى جس النبض اللبناني بالنسبة الى إمكان استئناف التفاوض على المسار اللبناني - الإسرائيلي، في إطار عملية سلام شاملة، مشدداً على انه لا بد من الشمولية على رغم وجود تحرك من أجل المسار السوري - الإسرائيلي.
وصارح اوغلو المسؤولين ان كل الاحتمالات ممكنة لاستئناف التسوية، وان المحاولات تتطلب من الدول المعنية التفكير في ما يمكن ان تتخذه من مواقف متصلة بالدعوة الى مؤتمر سلمي على غررا مدريد، في مرحلة غير بعيدة.
وكان جواب المسؤولين أن لبنان ليس لديه ما يتفاوض حوله مع إسرائيل، وهناك قرارات دولية واضحة يطلب تنفيذها تنفيذا كاملا، وهذا يعني ان حل المواضيع العالقة مع إسرائيل يكمن في تطبيق هذه القرارات التي رسمت سبل الحل.
وأبلغ الرئيس ميشال سليمان إلى أوغلو أن لبنان يشارك في أي مؤتمر دولي للسلام الشامل والعادل يرتكز على مؤتمر مدريد والضمانات المعطاة وعلى المبادرة العربية للسلام.
وتفيد معطيات ديبلوماسية ان الادارة الامريكية تميل للعمل في الشرق الاوسط في ثلاث قنوات بالتوازي: القناة السورية – الاسرائيلية، القناة الفلسطينية – الاسرائيلية والقناة اللبنانية – الاسرائيلية، فيما كانت الادارات السابقة تفضّل التركيز في كل مرة على قناة واحدة حصرا.
وفي تقدير واشنطن ان القناة اللبنانية - الاسرائيلية يمكن الوصول فيها الى اتفاق بسرعة، ذلك أنه بين الدولتين "لا يوجد خلاف حقيقي"، بل خلافات طفيفة بالنسبة الى الحدود في مزارع شبعا وفي قرية الغجر.

الأحد، 26 يوليو 2009

Sphere: Related Content
واشنطن تغيّب بيروت عن مساراتها السلمية الثلاثة
الريبة تقضّ اللبنانيين من الحكومة الى اروقة نيويورك
قصور ديبلوماسي في مواكبة الحراك الدولي والتحديات التي تواجه لبنان

ينشر في "الاسبوع العربي" في 3/8/2009
الابيض الذي يريده رئيس مجلس النواب نبيه بري على اسود الحكومة، لا يزال رماديا. وكل التركيبات الهندسية تنتظر "الصيغة الخلاقة" التي قال بها نائب الامين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم والتي تريدها المعارضة نسخة طبق الاصل عن الثلث المعطل او الضامن انما بصيغة مكتومة. وبين الاخذ والرد السياسي والحكومي، يستمر الجنوب في لبّ التداول المحلي، ومشهدا مستعادا في كواليس مجلس الامن في الذكرى الثالثة لحرب تموز (يوليو) 2006.
خرقت التطورات في الجنوب جدار الجمود الحكومي بعد مضي ما يقارب الشهر على بدء الرئيس المكلف سعد الحريري مشاوراته بغية تشكيل الحكومة. واعادت الاحداث جنوبا الى الواجهة علاقة لبنان بالامم المتحدة والتزامه القرار 1701 عبر العلاقة مع قوات "اليونيفل" ومدى تطبيق هذا القرار الذي انتهت بموجبه حرب تموز (يوليو) 2006 والذي ترعى بنوده علاقة الجيش اللبناني بـ"اليونيفل" بعد انتشاره جنوب الليطاني، وتعزيز هذه القوات لحفظ الهدوء عند الحدود مع اسرائيل.
وفي ظل هذه التطورات، يعيش لبنان راهنا على وقع مجموعة من التناقضات لا تبعث على الارتياح لا لدى المراقبين ولا لدى اهل البلد. ذلك ان هذه التناقضات المحلية والدولية تثير الريبة وتخفي في الاكمة ما قد لا يحمل نسيما يسهم في تبريد المناخ المشدود سياسيا وامنيا ودوليا (على خلفية حادثة بلدة خربة السلم بين الاهالي والكتيبة الفرنسية العاملة في اطار القوة الدولية المعززة في الجنوب).
هواجس
1-في السياسة، تتقاذف الحكومة العتيدة انواء:
-فتارة، تسري الايجابية في عروق الحكومة الموعودة ان تكون للوحدة الوطنية، ويتسرّب عدد من الصيغ والتركيبات الهندسية - الرقمية، لكنها ما تلبث ان تعود الامور الى الكتمان الذي يعتصم به الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري،
-وطورا، يعود البحث الحكومي الى نقطة الانطلاق، مع جزم مسؤولين في الموالاة والمعارضة ان لا تقدم فعليا قد تحقق، وان الامر منوط لا بل مرتبط كليا بالتفاهمات العربية المعلقة راهنا، وان هذا البحث الحكومي قد يطول الى عيد الفطر في ايلول (سبتمبر) المقبل، وان حكومة تصريف الاعمال التي يرأسها فؤاد السنيورة ستبقى حاضرة لملء بعض الفراغ الحكومي الى حين اتمام التفاهمات العربية، واستطرادا التشكيلة الحكومية اللبنانية.
2- في الامن، يتوالى انتشار مسلسل السرقات في مختلف المناطق، في ما يشبه عملا مافيويا منظما يطال اللبنانيين والسياح، كأن ثمة استهدافا مقصودا ومخططا له لموسم السياحة، الواعد هذه السنة.
وكان آخر ما سُجل في الملف الامني تطور خطر تمثّل بإعادة تحريك مشبوه لـ "جبهة" باب التبانة – بعل محسن في طرابلس، اثر حوادث مفتعلة بدأت بتفجير قنابل يدوية في التبانة وانتهت برمي قنابل من نوع "اينرغا" على بعل محسن.
اختلاف في تقويم "اليونيفيل"
3-في الحراك الديبلوماسي الدولي، يبرز اختلاف نظرة اللبنانيين الى دور قوات "اليونيفيل" ومهامها، بعد تعزيز انتشارها جنوب الليطاني بعد حرب تموز (يوليو) 2006، يصف البعض هذا التفاوت بالالتباس الذي يعود –وفق ما يراه قسم من اللبنانيين- الى أن هذه القوة الدولية المعززة بما أعطيت من مهام تتكامل مع مهام الجيش اللبناني في حفظ الامن ومنع توترات قد تنتج حربا جديدة، وتاليا إنها مخولة القيام بمهام يقوم بها الجيش. ويختلف فريق آخر مع هذا الرأي، منطلقا من ان القوة الدولية في الجنوب تقوم بمهمة "فصل" و"مراقبة" بموجب القرار 1701 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي في آب (اغسطس) 2006 وقضى بوقف الأعمال الحربية مع دولة خارجية ومعادية ولم ينه حال الحرب التي اندلعت في حينه، ودورها هو مؤازرة الجيش اللبناني لحفظ الامن والاستقرار وليس المبادرة بمفردها الى اي عمل فردي في حق "حزب الله" او الاهالي في الجنوب.
تفاعلات خربة سلم
انطلاقا ممّا سبق، يبقى التطور الاخطر موضع المتابعة هو تفاعلات حادثة خربة سلم، التي صارت ذا بعد دولي في اروقة الامم المتحدة في نيويورك، وتحوّلت مادة دسمة، اثر السلسلة التفاعلية التي اطلقها انفجار مخزن للذخيرة في اطراف البلدة الجنوبية الواقعة جنوب الليطاني، والتي تعتبرها القوة الدولية المعززة منطقة لعملياتها وتفترض ان السلاح فيها هو حصرا بإمرة الجيش اللبناني.
ويرى المراقبون ان التعاطي الدولي مع الحادثة نحا في اتجاهين معاكسين:
-دوليا، ثمة اجماع في كواليس الامم المتحدة على تحميل "حزب الله" مسؤولية ما حصل من اشكال بين الكتيبة الفرنسية العاملة في القوة الدولية المعززة وبين اهالي بلدة خربة سلم، على خلفية محاولة مداهمة احد المنازل بعدما رصدت القوة الدولية حركة "مشبوهة" في محيطه ربطتها بإنفجار مخزن الذخيرة والاسلحة.
وذهبت المداولات الى تحميل "حزب الله" مسألة خرق القرار الدولي 1701، في حين ان الحزب يعتبر ان الامم المتحدة تنظر الى ما يحصل جنوبا بعين عوراء، بمعنى انها تثير هذه القضية في حين انها تتغاضى عن اكثر من 4000 خرق اسرائيلي للسيادة اللبنانية منذ صدور هذا القرار الدولي.
ومن المتوقع ان تستمر المداولات والمشاورات في كواليس الامم المتحدة في نيويورك حتى انتصاف آب (اغسطس) موعد بت التجديد 6 اشهر لـ "اليونيفيل"، والذي يريده لبنان من دون اي تعديل في هذا القرار، في حين تسعى اسرائيل الى توظيف ما حصل لطرح مسألة تعديل قواعد الاشتباك والعودة الى المسوّدة الاولى للقرار 1701 التي تراها تل ابيب اكثر تناسبا مع مصالحها.
ويتابع المسؤولون اللبنانيون المداولات في نيويورك، نظرا الى تأثيرها على مضمون التمديد (المفترض ان يكون روتينيا) لمهمة "اليونيفيل". كما يتابعون الموقف الفرنسي خصوصا ان باريس هي عادة من يضع نص قرار التمديد.
-اما محليا فتحاول قيادة القوة الدولية المعززة "اليونيفيل" مع الاهالي معالجة آثار ما وقع وبأقل الخسائر. وترمي المساعي الى استكمال الخطوات اللازمة لاعادة الامور الى ما كانت عليه من خلال جولات ميدانية للقوة الدولية ولقاءات توضيحية مع الاهالي.
وسبقت هذه التطورات الميدانية، زيارات قام بها مبعوث الامين العام للامم المتحدة في لبنان مايكل وليامز، وكذلك سفراء الدول المعنية بالقوة الدولية المعززة ولا سيما سفراء فرنسا وايطاليا واسبانيا. وجميع هؤلاء حرصوا على الالتقاء بمسؤولين في "حزب الله" لتوضيح الصورة ومنع تمدد سوء التفاهم.
تنافس على السلام يغيّب لبنان!
وبالتزامن مع التطورات المستجدة جنوبا والتهديدات الإسرائيلية الأخيرة للبنان، وفي ظل التداعيات التي أحدثتها لاءات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ورفضه الطلب الأميركي بتجميد الإستيطان ومشروع الدولتين ورفضه القاطع لتقسيم القدس، بدا واضحاً أن واشنطن توجّه مساعيها في إتجاه تحريك المفاوضات على المسارات الثلاثة الإسرائيلية والفلسطينية والسورية، مع الجولة التي قام بها المبعوث الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل لإحياء المفاوضات بدءاً بالمسار السوري الإسرائيلي.
وتزامن هذا السعي الأميركي مع زيارة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان لسوريا، في سياق إستئناف أنقره مساعيها على خط المفاوضات السورية - الإسرائيلية التي توقفت بسبب الحرب على غزة، مع امكان تلمّس بوادر سباق أميركي - تركي على المسار السوري، لا سيما بعدما سُجل الدخول الأميركي على هذا المسار اثر ابداء تل أبيب إنزعاجها من الدور التركي.
وفي هذا السياق زخّمت واشنطن وتيرة حركة قوافلها من المسؤولين الكبار الى تل ابيب، كوزير الدفاع روبرت غيتس ومستشار الأمن القومي الجنرال جيم جونز والمبعوث الخاص لشؤون الخليج وجنوب غرب آسيا دينيس روس والمبعوث الرئاسي جورج ميتشل ومساعده فريد هوف، للبحث في موضوع السلام في المنطقة في ضوء الهواجس الإسرائيلية حيال الملف النووي الإيراني، وتحت لافتة مشروع أوباما للسلام وتحريك المفاوضات على المسارات الثلاثة.
ويتوقف المراقبون عند تغييب اميركي لافت للمسار التفاوضي اللبناني، بعدما غاب ميتشل عن بيروت على رغم تعويل المسؤولين على زيارة مماثلة لكي يُسمعوا المسؤول الاميركي الهواجس اللبنانية من مجمل التسوية وخصوصا في ما يرتبط بالقرار 194 الصادر عن مجلس الامن الدولي في 11 كانون الاول (ديسمبر) 1948، وضرورة ان يكون حل مشكلة اللاجئين في صلب التفاهمات السلمية.
ويبدي المراقبون استغرابا للقصور الديبلوماسي اللبناني حيال متابعة تطورات احياء التسوية السلمية، خصوصا ان بند اللاجئين الفلسطينيين، وللتقصير في مقاربة او مواكبة هذه الدينامية على مستوى المسارات الثلاثة، وهي دينامية جدية يريدها اوباما مدخلا الى تحقيق بعض من "التغيير" الذي كان سمة حملته الانتخابية وشعاره للوصول الى البيت الابيض.
ويرى المراقبون ان على الديبلوماسية اللبنانية نفض الغبار والابتعاد عن الترهل وبدء حملة ديبلوماسية فاعلة في عواصم القرار وخصوصا في واشنطن ونيويورك، وايضا في انقرة، لشرح وجهة النظر اللبنانية، وتجنيب لبنان ان يدفع ثمن او احد اثمان التسوية على باقي المسارات الثلاثة.

الاثنين، 20 يوليو 2009

Sphere: Related Content
تطورات ايام حافلة تبعث الهواجس والمخاوف .. وقواعد الاشتباك الى الواجهة
الجنوب مجددا: تحريك التسوية ام مخاطر حرب جديدة؟!
تل ابيب تعاود الحديث عن انسحاب من مزارع شبعا والغجر

ينشر في "الاسبوع العربي" في 27/7/2009
العين تكرارا على الجنوب، حيث التطورات المشحونة تنذر بسلبيات خصوصا في ضوء المراجعة الاسرائيلية الشاملة لعبر حرب تموز (يوليو) 2006، في الاعلام كما في السياسة، في حين بلغ الامر بوزير الدفاع الاسبق موشي ارينز في احد مقالاته الى التشكيك بقرار رئيس الوزراء في العام 2000 ايهود باراك الانسحاب من الجنوب واعتباره سببا رئيسا في "تنامي خطر حزب الله"، وفي "فشل اسرائيلي في ضرب منظومة الحزب".
في غضون اسبوع تكرر الجنوب في عناوين الصحافتين العالمية والاسرائيلية من بابي انفجار مخزن خربة سلم اولا، ثم الخرق الاسرائيلي في كفرشوبا واقتحام 12 مدنيا لبنانيا الموقع في منطقة تعدها القوة الدولية المعززة (اليونيفيل) خارج نطاق مهامها وصلاحياتها ونطاق عملها.
يقول قيادي بارز في المعارضة ان "التطورات في الجنوب تنذر بشيئ ما يتم تحضيره في بعض الكواليس الدولية وفي بعض النواحي داخل تل ابيب، ذلك ان التهديدات الاسرائيلية المتكررة تشي بأن ثمة من يخطط لحرب ما يريدها إما في المباشر وإما عبر استدراج ذريعة مشبوهة".
ويرى ان احد هذه التصريحات البيان صادر عن الجيش الاسرائيلي الذي هدد بـ "اطلاق النار في اتجاه من يحاول اجتياز الحدود نحو المنطقة الاسرائيلية، حتى وإن لم يكن مسلحا"، في اشارة الى اندفاع الاهالي نهاية الاسبوع الفائت نحو موقع في كفرشوبا الذي اقدم الجيش الاسرائيلي على اقامته داخل الاراضي اللبنانية.
وتُعدّ تل ابيب مذكرة لعرضها على اجتماع مجلس الامن الدولي المتوقع ان يعقد نهاية شهر آب (اغسطس) للبحث في نشاط القوة الدولية المعززة في الجنوب وتمديد فترة عملها. وتشمل المذكرة ما تقول اسرائيل انها "انتهاكات للقرار الدولي، بالتركيز على حادثي كفرشوبا وتفجير مخزن الاسلحة في الجنوب" (الانفجار في محلة خربة سلم)، لتخلص الى المطالبة "بزيادة عدد قوات "اليونيفيل" واجراء تعديلات على المهمات الملقاة عليه".
على ان الابرز في الحراك الاسرائيلي "السعي الى ممارسة الضغوط في اتجاه ايجاد منفذ للتعديل في بنود القرار 1701، بما يتيح للقوة الدولية صلاحيات اكبر لإطلاق النار وتنفيذ عمليات مشتركة مع الجيش اللبناني بشكل اوسع مما عليه اليوم"!
قواعد الاشتباك مجددا
ويرى القيادي البارز في المعارضة في هذا المسعى الاسرائيلي "تجاوزا للبّ القرار 1701 الذي تنتهكه اسرائيل بوتيرة يومية برا وبحرا وجوا، والذي يحدد بدقة قواعد الاشتباك للقوة الدولية المعززة". ويشير الى انه "سبق لتل ابيب ان جرّبت مرارا تعديل قواعد الاشتباك هذه، في محاولة العودة الى المسودة الاولى للقرار 1701، علما ان قواعد الاشتباك نص عليها القرار الدولي والتي تحدد، في اطار ضيّق جدا، الظروف والاحداث التي تتيح للقوة الدولية وكتائبها وعناصرها اطلاق النار او الاشتباك، مع الاشارة الى ان القوة الدولية هي قوة مؤازرة للجيش اللبناني، ولا يجوز لها، بحسب القرار 1701، التصرّف كقوة دعم للجيش، بمعنى انها غير قادرة عمليا على تنفيذ مداهمات بل مهمتها دعم الجيش في حال طلب ذلك منها".
ويطرح القيادي اياه علامات استفهام حول بعض الدور الذي تمارسه القوة الدولية المعززة في الجنوب، اذ يرى ان من المهام الاساسية لهذه القوة استدراك اي حوادث تؤدي الى توترات محلية خطرة. ويسأل، على سبيل المثال، عن تباطؤ القوة الدولية في معالجة وازالة الخرق الاسرائيلي قرب بوابة حسن في بركة كفرشوبا وإزالة أسلاك شائكة والذي كان الدافع لاهالي المنطقة الى اقتحام الموقع وزرع العلم اللبناني وراية "حزب الله" فوق الساتر الترابي الذي اقامه الجيش الاسرائيلي.
ويعتبر القيادي ان "قول القوة الدولية المعززة بأن كفرشوبا خارج نطاق عملياتها بإعتبارها مرتبطة بملف مزارع شبعا، انما هو حجة غير موضوعية، ذلك ان الخرق الاسرائيلي هو الذي تسبب بكل التوتر الذي حصل في الجنوب، وكان على القوة الدولية الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في استدراك اي توترات حتى لو اجتهدت قيادتها احيانا".
ويشير الى ان على قيادة القوة الدولية التحلي بمزيد من الحكمة في تعاطيها اليومي مع الخصوصيات اللبنانية، والابتعاد قدر الامكان عن اثارة الحساسية المرتبطة بهذه الخصوصيات، وذلك منعا لتكرار مشهد المواجهة التي حصلت بين افراد الكتيبة الفرنسية العاملة في "اليونيفيل" واهالي منطقة خربة سلم في قضاء بنت جبيل، والذي تخلله قيام سكان البلدة بإقفال الطريق العام في محلة بئر السلاسل- خربة سلم احتجاجا على قيام القوة الدولية بمحاولة دهم أحد المنازل في المنطقة التي انفجر فيها مخزن ذخيرة.
ويستشهد القيادي بمقال ورد في صحيفة "جيروزاليم بوست" الاسرائيلية، ليخلص الى ان نوايا اسرائيل لا يمكن الركون اليها او اغفال النظر عنها.
ومما جاء في المقال ان "انفجار مخزن السلاح في بلدة خربة سلم الجنوبية يعدّ شهادة على نجاح الجهود التي يبذلها حزب الله لإعادة بناء قوته جنوبي نهر الليطاني (...) وان الجيش اللبناني، وبدلاً من العمل ضد حزب الله، ينهمك في (مراقبة) انتهاك السيادة اللبنانية من الجيش الإسرائيلي، إذ يبدو أن النشاط الإسرائيلي أهم بكثير للسلطات اللبنانية من استمرار تعاظم قوة حزب الله، (...) وأن الجيش اللبناني يبدي يقظة أكثر من أي وقت مضى حيال تهديدات إسرائيلية كهذه، لكن في ما يتعلق بتنفيذ القرار 1701 من قبل "حزب الله"، فإن لديه معايير مختلفة".
ويعتبر القيادي المعارض ان "الايام المقبلة هي مفصلية في تحديد ما تخطط له اسرائيل على مستوى الجنوب اللبناني، خصوصا ان كل الانباء الآتية من تل ابيب مباشرة او بالتواتر عبر مسؤولين اوروبيين وغربيين، تثير الحذر واللا اطمئنان".
ويكشف القيادي ان وزير الخارجية الالمانية فرانك فالتر شتاينماير "عبّر للمسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم في زيارته القصيرة لبيروت في السابع من تموز (يوليو) عن قلقه من تطوّر اسرائيلي غير محسوب على الجبهة الجنوبية. وحضّ رئيس الديبلوماسية الالمانية هؤلاء المسؤولين على التنبّه الى الخطر الاسرئيلي، بقوله: "فلتبقوا عيونكم مفتوحة على اسرائيل التي قد تهرب من الضغوط الاميركية والاوروبية عليها لجعلها تلتزم عنصر التسوية السلمية، بحرب على لبنان".
ويرى القيادي ان "هذا الانذار - التنبيه مؤشر خطر، وعلى المسؤولين اللبنانيين مقاربته بجدية ومسؤولية عالية ليجنبوا لبنان تداعيات أي هروب اسرائيلي الى الامام، وهو امر اعتادت تل ابيب على الركون اليه كلّما واجهت تحديات او التزامات سلمية وتهدوية تفوق قدرتها وقدرة حكومتها على الايفاء بها".
لا حرب بل خلط اوراق التسوية
في الموازاة، يقلل ديبلوماسي عامل في بيروت من مخاطر احتمال حرب اسرائيلية على لبنان، كاشفا ان ثمة بحثا جديا في تل ابيب لا يزال في نطاقه الضيق، في احتمال اتخاذ خطوات اسرائيلية جدية على مستوى مزارع شبعا، وهي خطوات ترمي في ما ترمي الى اعادة النظر في مجمل الاستراتيجيا الاسرائيلية على مستوى المزارع.
ويرى الديبلوماسي ان هذا البحث الاسرائيلي يعني ان المستويين السياسي والعسكري في تل ابيب باتا على قناعة بوجوب تسجيل خرق جدي وحقيقي قادر على خلط الاوراق على جبهة الصراع العربي - الاسرائيلي، تماشيا مع الارادة الاميركية التي تظهرها ادارة الرئيس باراك اوباما في اتجاه تحريك مياه مستنقع السلام والتسوية الراقدة منذ نحو عقد. ويعتبر ان "مجرّد التسريب الاسرائيلي عن حل لمزارع شبعا يجعلنا نستبعد تلقائيا الحديث عن مؤشرات حرب جديدة، على رغم كل ما يردنا من تقارير ويدل الى خلاف ذلك".
ويشير الى ان تل ابيب قد لا تقدم في الفترة الراهنة على خطوات عملية في مزارع شبعا، لكنها بالتأكيد تنتظر ولادة الحكومة اللبنانية العتيدة لتحديد اتجاهات سياستها الخارجية وخصوصا في ما خص استئناف مفاوضات التسوية السلمية، والاهم موقع المقاومة وسلاحها في البيان الوزاري، ذلك ان تل ابيب التي طالما رددت انها غير مستعدة لمنح "حزب الله" هدية الانسحاب من مزارع شبعا، تستشعر ان خرقا على مستوى مزارع شبعا من شأنه قلب الاولويات في الاقليم، وكذلك تسهيل تحريك المحادثات غير المباشرة على الجبهة الاسرائيلية – السورية، وبذلك تكون تل ابيب قد ضربت اكثر من عصفور بحجر واحد.
ويقول الديبلوماسي اياه: ما تسرّب من تل ابيب الى الآن ان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يعدّ مشاريع حلول لمزارع شبعا وقرية الغجر، وهو بذلك يسعى الى إبراز، ما يسمّيه مساعدوه الجانب السلمي من ولايته وإيجاد أكثر من حلّ، إلا أنه يحاول في الوقت نفسه تجنب أي حلّ يعدّ انتصارا لـ"حزب الله"، لأنه يدرك أن المواجهات العسكرية ليست الحل، وبذك هو يطرق باب الحل السياسي، عسى يتحقق له ما عجزت حربا لبنان وغزة عن تحقيقه لايهود اولمرت".
لكن الديبلوماسي اياه ينبّه المسؤولين اللبنانيين من كل تجاوز لمنطق القرار 1701 جنوب الليطاني والذي يمنع ظهور اي سلاح الا سلاح الجيش اللبناني. ويشير الى ان اكتشاف مخزن الذخيرة والصواريخ في اطراف غير مأهولة في بلدة خربة سلم اثار استياء ايطاليا من آلية تعامل الرسمي والحزبي اللبناني مع عناصر الكتيبة الايطالية التي حاولت الاقتراب من المخزن بعد الانفجار، لافتا الى ان مرد الاستياء خصوصا يعود الى منعها من اجراء التحقيق الميداني اللازم في منطقة يفترض ان تكون تحت نطاق رقابتها تطبيقا لاحكام القرار 1701، ويفترض ان تكون آمنة لعملها ولدورياتها، وان تكون خالية من أي نشاط عسكري حزبي.
ولم يستبعد المصدر ان يضمّن الامين العام للامم المتحدة بان كي مون هذه الحادثة تقريره الدوري عن القرار 1701، نظرا الى انها تطوّر خطر في مسار مراقبة الامم المتحدة منطقة جنوب الليطاني.


الاثنين، 13 يوليو 2009

Sphere: Related Content
لقاء فرنجية- الجميل دينامية سياسية تخرق جدار الجمود الحكومي
خلط الاوراق مسيحيا: استشراف الخطر على "الكيانية"؟
"الكتائب" في الوسط... "قناة وصل" بين الاحزاب المسيحية المتناقضة؟

ينشر في الاسبوع العربي في 20/7/2009
اطلق انحسار الايجابية على مستوى الملف الحكومي في انتظار تطور مسار التفاهمات العربية، دينامية سياسية لافتة تمثّلت في خلط اوراق ولقاءات كانت متعذرة سابقا بين قياديين في تيارات متخاصمة، في طليعتها الاجتماع في بنشعي بين رئيس تيار المردة" النائب سليمان فرنجية برئيس اللجنة المركزية في حزب الكتائب النائب سامي الجميل، في حين كشف رئيس الحزب امين الجميل عن لقاءات غير معلنة بين الكتائب و"التيار الوطني الحر" (لقاء سامي الجميل بألان عون). اما قناة "القوات اللبنانية" وتيار "المردة" فما زالت على حالها في ضوء اضطلاع الرابطة المارونية بدور تقريب وجهات النظر وتمديد الهدنة، لا سيما ان الجهود لجمع فرنجية بالدكتور سمير جعجع لا تزال بعيدة المنال والتحقق.
ثمة قراءتان لهذه الدينامية المسيحية المستجدة بعد الانتخابات النيابية: واحدة تضعها في الاطار الفولكلوري، وثانية تعوّل عليها لتكون بداية وعي مسيحي للاخطار المحدقة.
1-يرى اصحاب القراءة الاولى ان لقاء بنشعي السبت في الرابع من تموز (يوليو) هو مجرّد عملية تعارف بين رجلين سعيا الى تخطي "عقَد" الماضي بين الجدّين والوالدَين والحزبَيْن. واستوجبت اللقاء ضرورات تمرير الوقت الضائع في انتظار المشاريع العربية الواردة في السياسة والحكومة والاقتصاد والامن، وربما السيادة والاستقلال.
2-ويعتبر اصحاب القراءة الثانية ان موجبات خلط الاوراق على المستوى العربي والدولي، والفراق الذي كرّسه الرئيس الاميركي باراك اوباما مع ادارة الرئيس السابق جورج بوش وخصوصا في الشرق الاوسط، تتطلب ولا بدّ، اعادة نظر في مجمل الحراك السياسي المسيحي على مساحة لبنان والمنطقة. كما تفترض ضرورة قراءة المرحلة بموضوعية وعلى مستوى عال من التبحّر وفهم المحيط في ضوء المصالحات الاسلامية الجارية يمنة ويسرى، والتي فرضتها ظروف التقارب العربي - الاسلامي قبل أي ظروف اخرى، بما فيها هواجس المجموعات الطائفية اللبنانية.
بهذا المعنى، يعمل سامي الجميل الآتي من اديولوجية "لبناننا" حيث الطرح الاقرب الى الكيانية –الفدرالية، على تثبيت وراثته رئاسة حزب الكتائب انطلاقا من مروحة اتصالات بدأها قبل اشهر مع "التيار الوطني الحر" واستكملها جزئيا بزيارة بنشعي، على ان يستمر في هذا الوتيرة في المرحلة المقبلة، بإشراف والده الرئيس الجميل والحزبيين القدامى المحيطين من المستشارين والذين رافقوا مسيرة الحزب منذ زمن الجدّ بيار الجميّل.
وثمة من يقول ان النظرية الغالبة راهنا تشير الى ان فرنجية يتزعم مسيحيي الشمال، القلعة التي من الصعب ان يلِجَها احد من الاحزاب المنافسة نظرا الى التاريخ الجامع بين زغرتا ومعظم الاقضية المسيحية الشمالية ما خلا بشري، بدليل الارقام التي جمعها تيار "المردة" مع "التيار الوطني الحر" في الكورة والبترون، والتي كانت لتؤدي الى فوز مرشحيهما لولا العوامل التي استعان بها منافسوهما (المغتربون في البترون والناخب السني في الكورة). اما في جبل لبنان فهامش التحرك الكتائبي اكثر وسعا واتساعا انطلاقا من ان شرائح مسيحية مختلفة (ما عدا حزبيي التيار الوطني الحر ومناصريه) في هذه المحافظة لا تدين بالولاء الى "القوات اللبنانية" بل هي عبارة عن مجموعة عائلات متراصة، وتاليا في استطاعة الجميل الابن بخطابه المسيحي الصرف ونظرياته عن "الكيانية المسيحية" او "الكيانية الذاتية" ان يشكل عامل استقطاب لهذه المجموعات وخصوصا الناشئة منها، من خلال التصدي لدور يرغب به المسيحيون وهو دور قناة الوصل بين الاحزاب والتيارات المسيحية المتعارضة او المتناقضة او المتمايزة، وهو دور لا يقوى عليه لا العماد ميشال عون ولا الدكتور سمير جعجع المصطفين في محورين متضادين فكرا وسياسة.
"الكتائب" في الوسط
اما الكتائب، بحسب عدد من الاوساط المطلعة، فيمكنها ان تشكل، وسط هذا الاستقطاب، حزب الوسط المسيحي القريب من رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية، وهما رمزا المسيحيين على مر عقود الاستقلال، مما يتيح للكتائب لبس ثوب متجدد برّاق سياسيا واجتماعيا وشبابيا، فتشكّل عامل استقطاب للشرائح التي اظهرت الانتخابات الاخيرة انها لا تزال خارج الاصطفاف، وان ما دفعها الى حسم الخيار الاقتراعي هو خطاب السيادة والاستقلال والدولة والمؤسسات الذي انتهجته قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، في حين نحا "التيار الوطني الحر" نحو خطاب غير سياسي اقرب الى الخطاب الخدماتي، ولم يفلح في الرد على هواجس "ولاية الفقيه" والعلاقة مع "حزب الله"، التي اثارتها الموالاة.
انطلاقا من هذه القراءة، يعتقد الكتائبيون ان في امكانهم جذب الشرائح المسيحية المترددة في الانضمام الى الاستقطاب الحزبي القائم بين "تيار" و"قوات"، من خلال هذا الخطاب الكياني معطوفا ومعززا في الوقت عينه بالظهور بمظهر قناة التواصل بين المختلفين من القيادات المسيحية، بحيث يبني الحزب هيكله على انقاض خلافات الآخرين وعدم قدرتهم على تجاوز الذاكرة الحافلة بزهق الارواح المتبادل.
وتعزز هذه القراءة ما رشح من معطيات، معظمها كتائبية، عن "ثمار" لقاء بنشعي، هو لم يكن اللقاء الاول ولن يكون الاخير بين الرجلين او الحزبين، في سياق التنسيق ومتابعة التواصل.
بين التعارف والسياسة
وبحسب اوساط مطلعة على اجواء اللقاء، فهو شكّل محطة للتعارف اكثر بين الرجلين ومعرفة هوايات بعضهما البعض وآرائهما في السياسة ومواضيع شتى، وتناول سبل تعزيز التعاون والتفاهم على المستويات الحزبية والسياسية والنيابية كافة لملاقاة الجهود المبذولة من الرابطة المارونية بين الاطراف المسيحية ولتجميع الايجابيات التي تراكمت نتيجة اللقاءات السابقة بين "الكتائب" و"المردة" على مستوى اللجان المشتركة بين الطرفين.
وتؤكد الاوساط انّ اللقاء سيؤدي الى تزخيم عمل اللجان المشتركة بين الحزب والتيار في وقت تستعدّ الكتائب لاحياء عمل لجانها المشتركة مع العديد من الاطراف السياسية والحزبية المسيحية وغير المسيحية. وتنفي ان يكون لقاء سامي الجميل وسليمان فرنجية بمثابة رسالة الى اي طرف مسيحي او لبناني آخر، مؤكدة انّ الطرفين لم يجاهرا الا بالدعوة الى الحوار في اصعب الظروف ولم يسعيا يوما الى اي لقاء بالسر، فالتواصل بين اعضاء من قيادتي الطرفين تجري في اجواء هادئة ويشكل مستمر وان لم يكن منتظما فخطوط الاتصال مفتوحة بينهما عند اي استحقاق.
وتعدد الاوساط النتائج التي ادى اليها اللقاء، ومن ابرزها:
-الاتفاق على الاستمرار في التواصل الثنائي وعلى مستوى اللجان اذا اقتضت الضرورة، وطرحت الكتائب في هذا المجال امكان عقد لقاء ثان استكمالي في بكفيا.
-تشكيل لجنة تنسيق سياسية مشتركة.
-تطور العلاقات البينية مع احتفاظ كل منهما بموقعه وخطابه وتحالفاته.
-السعي الى تحقيق مصالحة مسيحية شاملة مع حفاظ كل حزب على خصوصيته، وترغب الكتائب في لعب دور طليعي في هذا الصدد.
-ضرورة ان يقوم الرجلان، كل من موقعه، بدور توافقي او تصالحي او تقريبي بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" وبين المردة والقوات.
انطباع "القوات" سلبي
الى ذلك كان لافتا ان صدى زيارة بنشعي تركت انطباعا سلبيا في ذهن القيادة القواتية، عبّر عنه النائب فريد حبيب الذي قال: "صديقنا وحبيبنا الشيخ سامي الجميل الذي نكن له كل محبة وتقدير، كان له زيارة ولقاء في بنشعي، وبعدها صدر كلام ومديح ممن يمثل النظام الذي قتل الشيخ بيار الجميل والنائب انطوان غانم وكل رفاقنا في 14 آذار (مارس). لذلك اقول لك يا شيخ سامي انك تخطيت الكورة، لاننا نحبك ونتمنى لك كل التوفيق، فالقوات خرجت من رحم الكتائب، فهل يجوز ان نسمع بعد زيارتك ان هناك فريقا من 14 آذار (مارس) من "الاوادم" (في اشارة الى تصريح لفرنجية سبق لقاءه بالجميل الابن)؟ نحن جميعا اوادم ولسنا في شهادة من احد".
ويؤشر كلام حبيب الى عمق الفجوة بين القوات والمردة، وهي فجوة قد تعصى على جهود الشاب الآتي بإندفاع الى وراثة جده ووالده واخيه، في حزب الاقانيم الثلاثة، والتي يواجه اثنان منها (الوطن والعائلة)، اضافة الى "الكيانية" المسيحية، مخاطر التشرذم والتشظي، نتيجة ورث ثقيل من الصراعات الدموية على السلطة والمال والامتيازات والطائفة والمذهب.
وكان آخر لقاء للجنة المشتركة بين "الكتائب" و"المردة" قد عقد قبل الانتخابات النيابية وتحديدا قبل حادثة بصرما (فجر 17 ايلول/ سبتمبر 2008) بيومين حيث جرى بحث تفصيلي في سبل خوض الانتخابات النيابية في ظل اجواء هادئة وديموقراطية كل من موقعه السياسي والحزبي. وتخلل اللقاء تأكيد على التواصل بين الطرفين مع التأكيد على تمايزهما على الصعيد الوطني، الامر الذي لا يحول دون استمرار التشاور في كل المحطات السياسية والوطنية.