الاثنين، 29 يونيو 2009

Sphere: Related Content
قراءة ديبلوماسية للبنانَ اكثر استرخاء بعد الانتخابات
تقلّص التوتر و"حزب الله" آخذ الى مزيد من الليونة
9 "وزنات" راكمتها دمشق في رصيدها الاميركي - الاوروبي


ينشر في "الاسبوع العربي" في 6/7/2009
انسحب تقلّص التوتر على مستوى العلاقات العربية البينية، استرخاء على المستوى اللبناني، ولئن بقيت مفاعيل التوترات المحلية السابقة تحكم علاقات بعض القوى السياسية. ويؤذن فتح صفحة سياسية جديدة، بعد اكتمال استحقاق الانتخابات التشريعية العامة (مجلسا جديدا ورئاسة وهيئة مكتب) ومن ثم تكليف النائب سعد الحريري تشكيل ثاني حكومات العهد بمجموع ثلثي اعضاء برلمان 2009، بدينامية متجددة قد تتيح تغيير النمط السلبي الذي ساد في الاعوام الفائتة.
يرى ديبلوماسي رفيع عامل في بيروت، في جلسة تقويم تلت اكتمال المشهد النيابي في ساحة النجمة وتكليف الحريري بدء مسيرة تأليف حكومته الاولى، "اننا ذاهبون الى تهدئة شاملة لا تقتصر فقط على الملف اللبناني بل تتخطاه الى مجمل المشهد في الاقليم، حيث يجري التحضير الى هدنة اقليمية – دولية تنتج مناخا مؤاتيا لحل مستدام في الشرق الاوسط ارتكازا على القضية المركزية في الصراع وهي في الوقت عينه السبب الجوهري والرئيس في حال القلاقل وعدم الاستقرار في المنطقة، وهي قضية فلسطين".
ويشير الى ان ثمة تحوّلا ملحوظا في الغرب تجاه التعاطي مع الحقوق العربية، انطلاقا من فلسطين نفسها، ذلك ان عواصم فاعلة عدة باتت تدرك ان استقرار الاقليم لا يستوي الا بإستنباط حل مستدام للقضية الفلسطينية، استنادا الى حل الدولتين الاسرائيلية والفلسطينية، وانطلاقا من خطاب الرئيس الاميركي بارك اوباما في القاهرة.
ويرى الديبلوماسي ان المرحلة الراهنة على مستوى الشرق الاوسط وجواره، تقتضي توافر شروط نجاح انتاج الدولتين وبدء تسوية سلمية متماسكة، من خلال تدوير الزوايا وتجميد الملفات ذات الطبيعة الخلافية من العراق الى افغانستان مرورا بلبنان والعراق.
ويعتبر ان ملامح هذه المرحلة المستقرة نسبيا بدأت مع الادارة الاميركية الجديدة في البيت الابيض، وتثبتت عناصرها مع الوجوه التي استقدمها الرئيس اوباما من جورج ميتشل في الايام الاولى لمكوثه في البيت الابيض في شباط (فبراير) الى دنيس روس، نهاية حزيران (يونيو).
ويشير الى ان روس المتخصص في شؤون الشرق الاوسط، عُيّن مستشارا للرئيس باراك اوباما لمنطقة واسعة تضم الشرق الاوسط والخليج وافغانستان وباكستان وجنوب آسيا. وهو بذلك انتقل من منصب عادي في وزارة الخارجية الاميركية كمستشار لشؤون الخليج وجنوب غرب آسيا، الى منصب رئيسي هو المستشار الخاص للرئيس، وعضو فاعل في فريق الامن القومي الاميركي، بعدما سرت تكهنات كثيرة ومتباينة بشأن المهام التي ستسند اليه. ومن المقرر ان يعمل مع مسؤولين كبار على ملفات تشكل راهنا بعض اهم التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الاميركية، بما فيها ملفات ايران والعراق.
التاجر الحميدي
ويعرض الديبوماسي اياه روايته لأماكن "تقلّص الوتر"، نتيجة الاداء الاميركي الجديد، وخصوصا نتيجة الالتفاتة تجاه دمشق التي اجادت لعب اوراقها كـ "تاجر حميديّ" بارع:
-في فلسطين، ظهرت من خلال ضغط سوري على حركة "حماس" اسفر عن ليونة لافتة في خطابها، وتوّج بزيارة رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل الى القاهرة، هذه الزيارة التي انتجت توافقا بين السلطة الوطنية الفلسطينية و"حماس" على ادارة هادئة للمرحلة حتى كانون الثاني (يناير) 2010 موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
كما ظهرت معالم المرحلة مع زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) لدمشق.
-في العراق، تبريد المناخ مع الاستعداد الاميركي لاعادة تموضع ضخمة وانسحاب القوات العاملة هناك، في مقابل مساعدة سورية فاعلة لواشنطن على المستوى الامني – الاستخباري، لمكافحة تسرّب مجموعات تنظيم "القاعدة"، وهي امر مركزي في خطط تأمين سلامة انسحاب القوات الاميركية، واستطرادا امن الدولة العراقية.
-في لبنان ظهرت بعدم تدخل سوري مباشر وفاضح في الانتخابات النيابية، مع تسهيل سوري – عربي – دولي لمهمات المراقبين الاوروبيين والدوليين.
ولا يفوت الديبوماسي في هذا الصدد الاشارة الى ان بعض حلفاء سوريا في الاطراف (عكار وطرابلس والبقاع) ذهبوا الى ابعد من هذا التوصيف، بحيث تحدثوا عن دور سوري خفيّ ادى الى التقليل من فرص فوزهم في الانتخابات. لا بل ثمة من يسأل عن سبب عدم "ضبط" جحافل المجنسين المقيمين في سوريا، تجتاح اقلام الاقتراع، خلافا لما كان يحصل في الانتخابات السابقة.
ويلفت الديبلوماسي الى ان هذه الدينامية الايجابية ستنتج بلا ادنى شك تبريد المناخ اللبناني الى الحد الممكن، بحيث تتوافر عناصر تشكيل حكومة لبنانية مهمتها ادارة الامور في انتظار نضوج ظروف وعوامل التسوية السلمية الذي يتحضّر لبنان لكي يكون جزءا رئيسا فيها، فوق الطاولة وليس تحتها.
الرصيد السوري
لكن ماذا عن الاثمان المفترضة التي طلبتها او حصلت عليها دمشق لقاء كل هذه "الايجابية"؟
يلخّص الديبلوماسي مجموع "الوزنات" الذي جمعتها القيادة السورية في رصيدها الاميركي - الاوروبي من مجمل ما "قدّمته"، بالآتي:
1-ابرام مجموعة من الاتفاقات الاستثمارية مع عملاق النفط الفرنسي "توتال". وكان تعثر هذه العقود سببا رئيسا في الموقف السلبي لادارة الرئيس السابق جاك شيراك من دمشق في العام 2004، ابان قمة النورماندي الشهيرة بينه وبين الرئيس الاميركي السابق جورج بوش، والتي اطلقت في حينه دينامية القرار 1559 وانهاء "تلزيم" لبنان لسوريا.
2-ضم ملف الجولان الى التسوية الشاملة.
3-تعهّد واسع النطاق بوقف الدعم لاي شكل من اشكال المعارضة السورية (مجموعتا نائبي الرئيس السابقين رفعت الاسد وعبد الحليم خدام).
4-تعهّد بتنظيم العلاقة بين دمشق والقاهرة.
5-حصر المحكمة الدولية الخاصة للبنان في مجال الامم المتحدة حصرا، بعيدا من متناول أي عاصمة او جهة او طرف.
6-تعهّد واشنطن بإعادة سفيرها الى دمشق مع بداية هذا الصيف، على ان ترشح الديبلوماسي المناسب بالتشاور مع القيادة السورية.
7-تعهّد اميركي بإعادة النظر في التصنيف "الارهابي" لسوريا، تمهيدا لسحب اسمها من لائحة الدول الداعمة للارهاب.
8-تعهّد اوروبي بإنجاز اتفاق الشراكة مع سوريا، في اسرع وقت، وتذليل ما بقي من تحفظات احدى اوروبية.
9-تعهّد اميركي – اوروبي بتسهيل انضمام سوريا الى منظمة التجارة العالمية.
ويعتبر الديبلوماسي انه ضمن هذا المناخ، سارت امور لبنان الى حلحلة نسبية، فأعيد، ضمن اطار الصفقة المتكاملة على مستوى الاقليم، انتخاب الرئيس نبيه بري رئيسا لدورة خامسة متواصلة على رغم التحفظات الشكلية. كما سيصار الى تشكيل حكومة برئاسة رئيس تيار "المستقبل" النائب سعد الحريري، على رغم كل التجاذب الكلامي الحاصل والذي سيزيد كضرورة من ضرورات التفاوض وتحصيل المكاسب.
حزب الله في التقويم الجديد
وينتقل الديبلوماسي الرفيع في مسار تقويمه التحولات على المستوى اللبناني، الى مقاربة الخُطا التي سيكون عليها "حزب الله"، بعد خلط الاوراق الحاصل في المنطقة. فيبدي اعتقاده بأن الحزب خالف، حيال الارباك الايراني على خلفية ما يحصل اثر الانتخابات الرئاسية، توقعات المراقبين والبعثات الديبلوماسية، بإنصرافه الى خطوات انفتاحية فاعلة بدءا من اللقاء بين امينه العام السيد حسن نصر الله ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، مرورا بالتعاطي الايجابي مع الملفات الساخنة المطروحة محليا وعربيا. لكن الاهم يبقى النقد الذاتي الذي يمارسه الحزب في شأن مجمل خطابه في الفترة السابقة وصولا الى استقرائه الاتجاهات الشعبية اللبنانية في ضوء نتيجة الانتخابات النيابية.
ويعتقد الديبلوماسي ان الحزب، الذي يجيد القراءة بين السطور العربية عموما، وبين السطور السورية تحديدا، تعززت لديه القناعة بأن الوحدة الوطنية وتماسكها وتضامنها حوله وحول خطابه و"مهمته الجهادية" هي التي تحمي المقاومة وكوادرها، لا منطق الصفقات الايرانية - الاميركية او السورية – الاميركية.
ويختم الديبلوماسي تقويمه بالقول: "على هذه الوتيرة يتحرك لبنان" لا تعقيد ولا انفراج، بل مراوحة بمنحى ايجابي، في انتظار تبلور مجموع الاستحقاقات في المنطقة، فلسطينيا وايرانيا وعراقيا".

الأحد، 21 يونيو 2009

Sphere: Related Content
الرابطة المارونية تستأنف المساعي واقنية الاتصال والتواصل متاحة ولكن..
المصالحة المسيحية العالقة في التواريخ والاحقاد!
القوات اللبنانية والمردة "جاهزتان" .. فما الذي يعيق؟

ينشر في "الاسبوع العربي" في 29/6/2009
قبل ما يقارب الثمانية اشهر، لم يكد اللبنانيون عموما والمسيحيون خصوصا يتفاءلون في امكان تحقيق احد اعمدة المصالحة المسيحية بين تيار "المردة" "القوات اللبنانية" حتى اصيبت مساعي المصالحة بانتكاسة ادت الى تراجع منسوب التفاؤل، في مؤشر الى عودة الامور الى النقطة صفر، على رغم عدم الاستسلام او التراجع عن المحاولات للتوصل الى نتيجة ما تحفظ ماء وجه الساعين. منذ ذلك الوقت جمدت الرابطة المارونية مساعيها في انتظار اتمام الانتخابات، لعل المناخات تكون –مسيحيا - اكثر سلاسة بعد السابع من حزيران (يونيو).
شغلت الانتخابات النيابية الاوساط والرأي العام المحلي كما الخارجي، واسترعت كل الاهتمام من كل الاقطار الى حدّ باتت الحدث المرتقب لتكوين صورة لبنان المستقبل وموقعه على الخارطة الدولية، لجهة تعاطي الدول الغربية معه على اساس شكل السلطة التي ستنبثق من الانتخابات والتي من المنتظر ان تتبلور في المستقبل القريب خصوصا لناحية التشكيلة الحكومية الجديدة مع "ثلث معطّل" او من دونه. الا انّ اتمام الاستحقاق الانتخابي وقبول معظم الافرقاء بالنتائج، في ما خلا بعض الطعون التي ستقدم الى المجلس الدستوري في عدد من الدوائر، جعلا الانظار تتركز على امور داخلية كانت قد تأجّلت بفعل الانتخابات لعدم اعطائها الطابع والتوقيت الانتخابيين. ولعلّ ابرزها كانت المصالحة بين "تيار المردة" وحزب "القوات اللبنانية".
بعد الانتخابات انحسرت الحملات وعاد الاهتمام الى حلحلة العقد اللبنانية الداخلية. ومع اشاعة مناخ الحوار والانفتاح وتفعيل المشاركة للانطلاق في عملية اعادة بناء الدولة، وجدت الرابطة المارونية انه من الملحّ اعادة تفعيل مساعيها للمصالحة المسيحية المجمّدة منذ ما قبل الانتخابات بناء على طلب رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية "الذي رفض آنذاك اعطاء اي رصيد شعبي اضافي لـ "القوات اللبنانية" قد ينتج من اتمام المصالحة المسيحية قبل الاستحقاق الانتخابي"، كما كان يعتبر ويقول. وتماشيا مع الواقع الرافض لاتمام المصالحة آنذاك، اوقفت الرابطة المارونية مساعيها، ودخل لبنان مناخ الانتخابات بالحملات والحملات المضادة.
الرابطة تستأنف المساعي
وفيما راهن الكثيرون على حتمية فشل مساعي الرابطة التي انطلقت قبل اشهر من اجل التوصل الى اتمام المصالحة المسيحية برعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في بكركي، لم تستسلم الرابطة المارونية لواقع قد يكون من الصعب تجاوزه لا سيما انه عالق عند 13 حزيران (يونيو) 1978 تاريخ مجزرة اهدن، فاستأنفت المساعي بعد الانتخابات على خط بنشعي- معراب لمحاولة ارساء قواعد مصالحة مسيحية تعثّرت ما قبل الانتخابات.
وللتذكير فقط، فان الاسباب الرئيسية التي ادت الى تعثر المصالحة في الماضي القريب، والتي اضاءت عليها "الاسبوع العربي" حينذاك، نقلا عن مصدر واسع الاطلاع، كانت:
-كون الطرفين المعنيين بها غير مستعجلين لتحقيقها نظرا الى ارتياحهما لمواقعهما قبيل الانتخابات النيابية، وجل ما فعلاه هو اما الظهور عبر الاعلام بصورة الجهوزية والايجابية المطلقة، واما لجآ الى رفع سقف الشروط لتمرير الوقت وصولا الى انهاء المسألة والمساعي من دون ضجيج اعلامي، في حين انّ ما كان يظهر عبر الاعلام مجرد تضليل للحقيقة المتمثلة برفض الطرفين هذه المصالحة.
-الصيغة المطروحة لحضور رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" النائب العماد ميشال عون الاجتماع في قصر بعبدا، تحفظ عنها عون نفسه، كونه ليس شريكاً مسيحياً رئيساً.
-وثالثها أن مشروع المصالحة واللقاء مع رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع سبّب في حينه لفرنجية ارباكاً عائلياً، إذ بادرت مجموعة من أهالي ضحايا مجزرة إهدن وصولاً الى حادثة بصرما الى التحفظ عن تغطية أو المشاركة في أي مصالحة. وهددت هذه المجموعة التي تربطها علاقة عائلية قوية برئيس "المردة" وتعتبر أساسية في التركيبة التنظيمية، بنشر بيان تتنكر فيه للمصالحة في حال حصلت، ويتزعم هذه المجموعة كل من جوزف ابراهيم فرنجية وطوني وجيه فرنجية (شقيق جوزف وجيه فرنجية) وجو فرنجية نجل يوسف الشب فرنجية.
الجدية والامل
وبالعودة الى الواقع الراهن، تفيد مصادر مطلعة في الرابطة المارونية بجدية استئناف المساعي بعد الانتخابات، بناء على التوافق على تأجيل البحث في المصالحة الى ما بعد هذا الاستحقاق، مشيرة الى انه في الجلسة الاخيرة للمجلس التنفيذي تمّت مناقشة الموضوع وكان اجماع على انّه من واجب الرابطة استئناف مساعيها لا سيما بعد اتمام الانتخابات وقبول جميع الافرقاء بتنائجها، وذلك بهدف تبريد الجبهة المسيحية عموما والمارونية خصوصا.
وتلفت الى ان الرابطة انطلقت من قدرتها على انهاء حالَيّ توتر انذرتا بالتفجّر في الشمال، وهما ازالة حاجزي برصا المتقابلين بين "القوات" و"المردة". كما استطاعت بعد الانتخابات منع تطوّر حادث انفعالي في قضاء زغرتا وتحديدا في زغرتا- الزاوية بين آل فرنجية وآل معوض، مما دفعها الى تزخيم وساطتها في محاولة جديدة قديمة للتقريب بين المتخاصمين لعل اتمام اللقاء بينهما يكون اسهل هذه المرة.
اقنية الاتصال مفتوحة
وفيما تشير بعض المعلومات الى اجتماع عقد بين ممثلين لحزب "القوات اللبنانية" وتيار "المردة" في مقر الرابطة المارونية في حضور رئيس الرابطة جوزف طربيه وعضو المجلس التنفيذي انطونيو عنداري ومشاركة الاب اسطفان فرنجية والاب هاني طوق، تلفت الى ان ممثل "القوات اللبنانية" هو طوني الشدياق، وممثل "المردة" هو يوسف سعادة، وصلة الوصل بين "المردة" و"القوات" هو طلال الدويهي العضو في الرابطة والساعي الى تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
وفي ما يشبه اللاتعليق على هذه المعلومات، تشير المصادر المطلعة الى ان اي لقاءات سياسية لم تعقد بين الطرفين فاللقاءات التي تحدث عنها الاعلام كانت تنسيقية على المستوى الميداني، لافتة الى ان اي لقاءات قد تستأنف ستكون على مستوى لجان المصالحة التي سبق ان شكلت للبحث في الحيثيات، ومؤكدة ان اقنية الاتصال مفتوحة مع الفريقين في "المردة" و"القوات" من خلال مقربين من الفريقين وبالتحديد من فرنجية وجعجع، وتاليا من الفاعلين أكان في تيار "المردة" او في "القوات اللبنانية". وتقول ان الاتصالات التي تجري مع ممثلي الفريقين مشجّعة وتفاؤلية. وتؤكد انّ المساعي التمهيدية التي قامت وتقوم بها الرابطة تتمّ عبر اعضاء منها ومن مجلسها التنفيذي في منطقة الشمال، على تماس مع الطرفين ومن اصحاب الحظوة لدى كل من فرنجية وجعجع.
وتشير الى ان المجلس التنفيذي للرابطة المارونية سيجتمع ربما بشكل دوري لتقويم نتائج مساعيه ولتقرير الخطوات المستقبلية، وهو كان قد اجتمع في الاسبوع الثاني من جزيران (يونيو) واطلع على تقرير عن المناخات الاستطلاعية الاولى المستأنفة بعد الانتخابات.
"المردة" يمهد
الى ذلك، وبالتزامن مع تحرك الرابطة المستجد يبدو ان الاجواء التفاؤلية تخيم على خط بنشعي-معراب منذرة بامكان تحقيق اي تقدم ملموس في هذا الاطار.
من جهتها، تثمن مصادر تيار "المردة" جهود الرابطة المارونية التي "لم تستسلم ودأبت في جمع وجهات نظر القيادات المسيحية على اختلافها"، مشيرة الى انّ كلام النائب سليمان فرنجية في ذكرى مجزرة اهدن كان واضحا لجهة ضرورة العمل للتوصل الى مسلّمات تجمع المسيحيين وتؤمن وحدتهم من ضمن الوحدة اللبنانية، ما يشيع اجواء ايجابية في اطار اعادة طرح المصالحة المسيحية-المسيحية، وكذلك كانت عظة الاب اسطفان فرنجية الذي رسم ما يشبه خارطة الطريق المسيحية الممهدة لاي مصالحة قد تحصل. وتقول: يبقى النظرالى قدرة الطرف الآخر وامكانيته ومساحة قراره في هذا الاطار. فتيار "المردة"، على رغم انه الضحية، سبق ان مد اليد نحو الفريق الآخر وكان يريد مصالحة مسيحية على نطاق واسع يحضرها الممثل السياسي للمسيحيين العماد ميشال عون، الا انّ الانتخابات النيابية اتت لتضع الموضوع على نارها ممّا شوّهه بعض الشيئ، لذلك كانت مطالبة "المردة" بأن يأخذ الموضوع اطاره الطبيعي والواقعي خارج الظرف والتوقيت الانتخابيين".
واذ تعرب المصادر عن اعتقادها بان لا تطوّر مهما في المدى القريب على صعيد ترجمة الاقوال افعالا لجهة تحقيق المصالحة، تستطرد لتقول انّه في اطار العمل السياسي والوطني قد تستجدّ امور معيّنة تؤدي الى تطورات مهمة وغير متوقّعة.
"القوات" جاهزة
في المقابل، تعرب مصادر "القوات اللبنانية" عن ترحيبها وقبولها باي مساع جديدة تقوم بها الرابطة المارونية على خط المصالحة المسيحية - المسيحية، مؤكدة جهوزيتها وانفتاحها على اي طرح من شأنه ان يشيع مناخا من الايجابية والحوار والمصالحة بين الافرقاء المسيحيين المتخاصمين لا سيما وان هذا الامر بات ضرورة مسيحية ملحة خصوصا بعد اتمام الانتخابات النيابية وفرزها واقعا مغايرا للواقع السائد على مدى الاعوام الاربعة الفائتة، "اذ ان التمثيل المسيحي بات راهنا مقسما على زعامات عدة وانتفت احادية التمثيل المسيحي لـ "التيار الوطني الحر"، مما يحتم تفاهما مسيحيا يتخطى الشكليات الى المفهوم السياسي".
واذ تشير الى انّ الرابطة تستأنف مساعيها في محاولة جديدة لتقريب وجهات النظر، تلفت الى انّ "الطرف الآخر كان دائما يفرض شروطا على عملية اللقاء والمصالحة، ممّا كان يساهم في تعثّرها او تأجيلها، كما حصل في السابق عندما اشترط تيار "المردة" حضور العماد عون لقاء المصالحة، في حين كانت جهوزية "القوات اللبنانية" قائمة ومن دون اي معوقات".

الاثنين، 8 يونيو 2009

Sphere: Related Content
انتخابات تاريخية كرّست الاصطفاف لكنها ادخلت عوامل مكيِّفة وضابطة
برلمان 2009: ثبات الطائف لكن الازمات لن تطوى!
ازمة حكم وعُسر في ولادة الحكومة وفي انتخاب رئيس المجلس

ينشر في "الاسبوع العربي" في 8/6/2009
يشرّع الوضع اللبناني بعد الانتخابات النيابية على احتمالات ومقاربات عدة، اذ طوى اللبنانيون في السابع من حزيران (يونيو) اشد المعارك الانتخابية حدة وبأسا وتنافسا، وافرزت نتائج الانتخابات ثباتا في تفوّق قوى الرابع عشر من آذار (مارس) على رغم كل التغييرات الانتخابية التي طرأت. لكنها افرزت ايضا برلمانا ائتلافيا للطوائف. ولا بد لهذا الواقع ان يدفع مختلف القوى الى البحث عن قانون انتخاب عصري حديث للسنة 2013 يعتمد القاعدة النسبية.
تتعدّد السيناريوهات المتوقعة لمرحلة ما بعد 7 حزيران (يونيو) في ضوء فوز تحالف قوى الرابع عشر من آذار (مارس) والمستقلين، وانعكاسات ذلك على الوضع السياسي الداخلي اضافة الى نظرة العالم الغربي لشكل وتركيبة السلطة الجديدة في لبنان.
وفي هذا السياق، لا تنكر أوساط سياسية مراقبة أنّ مرحلة ما بعد الانتخابات ستشكل بحد ذاتها محطة مفصلية بالغة الخطورة في تاريخ لبنان، بحيث يبقى المعيار الأساسي لطريقة التعاطي مع النتائج المنبثقة عن الانتخابات في تأكيد ثبات اتفاق الطائف واحترام الدستور وتفعيل عمل المؤسسات الدستورية وتحصين دورها، وعدم افساح المجال لأي طرف للعرقلة وشل عمل الدولة ووضع الشروط المتبادلة التي من شأنها تقييد مسار المؤسسات، ما يتهدد الدور الوطني الذي يقوم به رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لجهة تفعيل الحوار ومدّ الجسور بين القوى السياسية من خلال الاستمرار في طاولة الحوار للبحث في القضايا التي لا تزال موضع خلاف بين اللبنانيين وفي مقدمها الاستراتيجية الدفاعية.
الحوار في مهبّ الانتخابات
وتعتبر الاوساط انه بعد انقشاع الغبار عن الجولة الاخيرة من النسخة الاولى من طاولة الحوار التي يرعاها الرئيس سليمان في قصر بعبدا، تطبيقاً لاتفاق الدوحة، تكثر التساؤلات عن شكل الحوار في نسخته الثانية بعد الانتخابات وما اذا كان سيستمر ام انه كباقي بنود اتفاق الدوحة تنتهي مفاعليه عند الثامن من حزيران (يونيو) بعيد انتهاء الانتخابات. فاذا كان فريق الموالاة ينادي بـ"دفن" اتفاق الدوحة مباشرة بعد الانتخابات، فطاولة الحوار تصبح هي ايضاً معرضة لأن "تدفن"، الا اذا كان من المسموح انتقاء البنود المطروحة في الاتفاق الذي تم توقيعه في قطر. واذا توافق الجميع على عدم العودة الى اتفاق الدوحة، فعندها يجب الالتقاء مجدداً على شروط جديدة لطاولة الحوار، وتاليا يجب تحديد المشاركين والمواضيع المدرجة.
وفي هذا الاطار، تؤكد الاوساط ضرورة استمرار الحوار الذي كان، في البداية، مطلب فريقي النزاع، الا انّ الفريقين معا حوّلاه مع مرور الوقت مجرّد "عملية تمرير للوقت" للولوج الى الانتخابات النيابية بأكبر قدر ممكن من التهدئة. الا انّ الاوساط ذاتها لا تعطي اهمية كبيرة لما يتخوف منه البعض لجهة العودة الى نقطة الصفر عند بداية الحوار بصيغته الجديدة، لان النسخة الاولى اكتفت بتخفيف الاحتقان في الشارع، وجمعت القيادات اللبنانية من دون ان تتمكن من الزامها بما اتفقت عليه في الجلسات، وهو ما ظهر بشكل واضح من خلال المواقف التصعيدية المتبادلة والتراشق الاعلامي القاسي الذي لم يحترم تعهدات الزعماء على الطاولة بالتزام التهدئة الاعلامية والميدانية.
اما الاستراتيجية الدفاعية التي تعتبر الطبق الرئيسي على الطاولة، فهي لم تتقدم قيد انملة، ويبدو ان اللجنة العسكرية المتخصصة التي تم تشكيلها لوضع تصور للمناقشة قد اخذت بدورها اجازة طويلة ريثما تنجلي الامور بشكل واضح وصريح.
بين 14 و8
الى ذلك، تعتبر مصادر في الاكثرية ان فوز 14 آذار (مارس) بالغالبية سيعطي اندفاعة قوية لحكم رئيس الجمهورية في اتجاه تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف وحماية إنجازات انتفاضة الاستقلال، وتشكيل حكومة قادرة وفاعلة تخلص لبنان نهائياً من سياسات المحاور الخارجية، لانه لن يكون فيها لقوى 8 آذار (مارس) الثلث معطل، مشيرة الى انّ لبنان كان سيواجه منعطفا خطرا جدا لو فازت المعارضة بالغالبية النيابية لانّ البلد كان ليصبح عرضة لتجاذبات سياسية كبيرة قد يؤدي الى انقلاب على الطائف والدستور اللبناني والسعي الى اقامة الجمهورية الثالثة التي لم يخف اقطاب المعارضة الدعوة اليها ان تحت عنوان "محاربة الفساد وجمهورية الاصلاح" او عبر التلميح بالمثالثة ومن ثمّ العودة عنها عندما لمس اصحاب هذا الطرح رفضا قاطعا لها من قبل مكونات الشعب اللبناني والاطراف السياسيين المتمسكين بالطائف على قاعدة المناصفة في الحكم. هذا اضافة الى نيّات مبيتة لدى اطراف في المعارضة تجاه الرئاسة الأولى، ولا سيما الكلام الذي يتردد كثيراً في الآونة الأخيرة عن محاولات يسعى إليها البعض لتقصير ولاية رئيس اذا حصلت المعارضة على الأكثرية النيابية.
في المقابل، ترى مصادر في قوى المعارضة انّ فوز 14 آذار (مارس) بالانتخابات سيعود بالبلد الى عهد رفض المشاركة مع باقي الشركاء من خلال حكومة الوحدة الوطنية بالثلث الضامن، وذلك خدمة لمشروع يبقى هدفه الرئيسي انتزاع سلاح "حزب الله".
معضلة الحكومة
وفيما تبشّر مرحلة ما بعد الانتخابات بأزمة حادة قد تنتج من معضلة تشكيل الحكومة، يبدو المشهد السياسي المقبل معقّدا بعض الشيئ، لا سيما بالنسبة الى موقع رئاسة الجمهورية في قلب اللعبة السياسية، وخصوصا بالنسبة الى الرئيس الذي، في ضوء الانتخابات، لا بد ان يلحّ على استمالة عدد اكبر من ثلاثيته الوزارية الراهنة، لانّ الاصطفاف الصراعي سيبقى بين الفريقين ذاتهما اذا لم يقتنعا بهامش وزاري يتيح للرئيس ترجيح الكفة عبر قوة مرجحة له في الحكومة.
وفي شأن شكل الحكومة المقبلة، تتحدث مصادر سياسية مطلعة عن ان البحث بدأ قبل الانتخابات، وهناك اكثر من سيناريو يجري الحديث عنه بين سفراء غربيين، الا ان الثابت أن الامور ستتجه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية بصرف النظر عن النسب في المقاعد الوزارية، وهذا الأمر تشجعه المملكة العربية السعودية وفرنسا وحتى الولايات المتحدة الاميركية.
وترى مصادر دبلوماسية أن حكومة ما بعد 8 حزيران (يونيو) ستنبثق عن الخريطة السياسية التي ستفرزها الانتخابات والتي لا تختلف كثيراً عن خريطة برلمان 2005، مع فارق دخول فرقاء سياسيين قادرون على تأدية دور الوسيط المهدئ يحد من الاصطفاف والانقسام العمودي.
وتشير المصادر، في استشرافها للمرحلة المقبلة، إلى اعتبار التصعيد الانتخابي مرحلة عابرة ستعود بعدها الحال السياسية إلى واقعها السابق وهو المزيد من الاصطفاف والتجاذب على وقع التحولات الإقليمية والدولية.
لكن ثمة من يعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في مرحلة ما بعد الانتخابات، وان أولى المعارك ستكون على تركيبة الحكومة الأولى بعد الانتخابات.
وسط هذه الأجواء، برز اقتراح قديم عاد إلى التداول في بعض المجالس السياسية ويقضي بتشكيل حكومة تكنوقراط من خارج الاصطفافات السياسية والحزبية، مستنداً إلى تجارب سابقة وناجحة.
وانطلاقاً من هذه القراءة، تعتقد مصادر معارضة أن لبنان في مرحلة ما بعد الانتخابات سيكون أمام خيارين كبيرين:
-الخيار الأول يفترض ضرورة إشراك أكثرية القوى السياسية، وخصوصاً القوى ذات التمثيل السياسي والطائفي.
-الخيار الثاني، أن يحاول البعض تجاوز التوافق (الثلث الضامن) في محاولة لإبعاد قوى وأطراف أساسية، مما سيأخذ البلاد نحو أزمة حكومية أو سياسية وربمت أزمة وطنية - كيانية.
لكن مصادر في قوى 14 آذار (مارس)، لا تزال على اعتقادها وقناعتها بأن من يفز يحكم، وبأن تجربة الثلث المعطل عطّلت الحكم وهمّشت المؤسسات وقلّصت دور الرئاسة، وانه لا بد من اعادة نظر جذرية في هذه التجربة منعا لتكرار التهميش والتعطيل.
في اي حال، سيتصدر عنوان الصلاحيات الرئاسية مرحلة ما بعد الانتخابات مع ضرورة البحث في تعديل يعطي الرئيس المزيد من صلاحيات.
وثمة من يقول ان من يرد تقوية رئيس الجمهورية وتصليب موقعه عليه العمل على تعديل صلاحياته، بحيث تكون لديه سلطة حل مجلس النواب وإقالة الحكومة ووزراء، وسلطة على الهيئات الرقابية.
في الخلاصة، تلوح خريطة سياسية جديدة للبنان.
لكن ماذا بعد هذه الخريطة؟ ماذا إن لم يحصل تفاهم إقليمي ودولي؟
ولادة الحكومة العتيدة عسيرة، وكذا انتخاب رئيس مجلس النواب.
اما لبنان فعلى مشارف ازمة، في انتظار حل يؤمّه من دوحة أخرى!

الأحد، 31 مايو 2009

Sphere: Related Content
لبنان نحو مسيرة تعزيز الجمهورية بعد عام من الهدوء النسبي؟
سليمان في بدء سنة ثانية: واثق الخطوة يمشي رئيسا
تعديل في الصلاحيات يمكّن رئيس الجمهورية الحكم لا ادارة الازمة

ينشر في "الاسبوع العربي" في 8/6/2009
بات لبنان على مشارف الانتقال الى مرحلة سياسية جديدة مع اتمام الاستحقاق الانتخابي وتجديد السلطة بعد السابع من حزيران (يونيو). هذا الاستحقاق يشكل للكثيرين محطة امل ببثّ روح جديدة الى الحياة السياسية اللبنانية التي عانت الشلل والركود نحو عامين نتيجة ازمة وصّفها البعض بأزمة نظام. الا ان لبنان عاش بعد ذلك ما يشبه فترة الانفراج قرابة العام منذ تاريخ انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية. ولربما كانت هذه السنة الهادئة نسبيا عصارة توافق عربي على التهدئة تظهّر في اتفاق الدوحة ونتج منه ختام ازمة استفحلت واشتدت حتى انفجرت في السابع من ايار (مايو) 2008. مرحلة جديدة يفترض ان تشهدها الساحة اللبنانية بعد الانتخابات، فهل تشكّل الرئاسة مهدها بعدما كانت محور الاهتمام المحلي والاقليمي والدولي خلال العام الفائت؟
كثر الكلام في الفترة الاخيرة على ضرورة تقوية موقع رئاسة الجمهورية وتعزيز دورها وتفعيله ليتمكن رئيس الجمهورية من لعب دور الحكم الذي اناطه به اتفاق الطائف، وانهاء مرحلة سياسية تلت اتفاق الدوحة كان فيها الرئيس محكوما بإتفاق سياسي حيث كان الهدف تمرير مرحلة الانتخابات التشريعية.
وبما انّ الازمة ابرزت ضرورة تفعيل دور الرئيس لتجنيب البلد التعطيل والشلل نتيجة قدرة اي من الاطراف السياسيين على الاستئثار والتعنت، من الواضح انّ بند صلاحيات الرئاسة سيطرح بجدية، اقله من الرئيس سليمان، في الفترة التي تلي الانتخابات، بالاستناد الى ما قاله هو نفسه في مناسبات عدة وآخرها خطابه في ذكرى مرور السنة على انتخابه رئيسا، في احتفال في مسقطه في عمشيت.
ولا يخفي ديبلوماسيون عرب واجانب عاملون في بيروت، ان ثمة تعاطفا اقليميا – دوليا مع سعي الرئاسة الى تبديل بعض النصوص الدستورية بحيث يتاح للرئيس ان يحكم فلا تقتصر ولايته على ادارة الازمة، وفي هذا التبديل رغبة جامحة لعدم تكرار رئاسة المغفور له الياس سركيس، يوم جُمّدت صلاحيات الرئاسة ليس بفعل الدستور، بل بفضل "البلطجة" الميليشيوية التي مارستها قوى الامر الواقع في حينها، معطوفا عليها التنافس الفلسطيني – السوري - الاسرائيلي على حكم لبنان، تارة من جونية وطورا من بعبدا.
ويشير هؤلاء الديبلوماسيين في جلساتهم الاسبوعية التقويمية، ان اداء الرئيس سليمان اظهر وعيا كاملا ومقاربة موضوعية للواقع السياسي، وهو امر ساعد كثير على تثبيت الاحتضان الخارجي للبنان بشخص الرئيس العارف والمدرك للتوازنات ولسبل الحكم، بعيدا من نشوة الكرسي.
ويتوقع الديبوماسيون العرب والاجانب ان يستعيد الرئيس القدرة الكاملة على الحكم بعيدا من التعطيل او التعثر الذي شاب سنته الرئاسية الاولى، والناتج بشكل رئيسي من مفاعيل خارجة عن ارادته بسبب رغبة اطراف لبنانيين كثر في عرض قواهم، كسلاح من اسلحة التنافس للفوز بالغالبية النيابية.
تعزيز الرئاسة ضرورة
في هذا السياق، يرى مصدر سياسي محايد انّ خطاب رئيس الجمهورية في عمشيت جاء مكمّلا لخطاب القسم بعد تجربة العام الأول كما جاء في مكانه عشية الانتخابات ليؤكد حيادية الرئيس، من دون أن يكون هذا الحياد في مثابة اللا مبالاة، بل حياد إيجابي يجعل منه رئيسا فعليا للجمهورية وليس مديرا للأزمة"، لافتا الى أن "هذا ما أراد الرئيس سليمان أن يذكّر به كل الأفرقاء عندما تحدث عن التوازنات وإدراتها، وكذلك بتعهده حكومة حاضنة وضامنة مهما كانت النتائج".
ويشير المصدر الى انّ الرئيس اكد الثوابت حول الطائف والدستور من دون إغلاق النوافذ على مستقبل لبنان وتطوره وإصلاحاته المفترضة، وكذلك الإشارة الى الحكومة الحاضنة والضامنة بأنها حكومة المشاركة بلا تعطيل، من دون أن تكون الضمانة من فريق واحد على حساب الآخرين.
ويؤكد انّ مطلب رئيس الجمهورية تعزيز دور الرئاسة هو مطلب اساسي وضروري لاستقامة الوضع السياسي في البلد في المرحلة المقبلة، لافتا الى انّ المشروع يجب ان ينصبّ على كيفية تأمين التوازن والشراكة في النظام اللبناني وفي الوقت ذاته تصحيح الخلل الذي كان قائما في المرحلة السابقة على صعيد موقع رئاسة الجمهورية. ويشير الى انّ الرئيس تحدث عن موضوع الصلاحيات في مطلع خطاب القسم، لذلك طرحه ليس بجديد.
ويقول: انّ دور رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف وصف بالحكم، ولكن هذا الحكم في حاجة الى وسائل وامكانات ليتمكن من الاضطلاع بدروه. والورشة الاصلاحية يجب ان تأخذ في الاعتبار تفعيل موقع الرئاسة من خلال تعزيز صلاحيات الرئيس دستوريا وليس فقط سياسيا. فرئيس الجمهورية يجب الا يبقى رهن مزاجية الاطراف السياسية وولاءاتها ومصالحها. والمطلوب تعزيز الصلاحيات دستوريا وتدعيم موقع الرئاسة كواقع دستوري يستطيع الرئيس ان يمارسه في اي وقت من دون الاخذ في الاعتبار مشيئة اي من الاطراف السياسيين، او المرور عبرها لتنفيذ ما يراه مناسبا وملائما لحكمه.
ويعتبر المصدر ان البحث في ورشة الاصلاحات سيستوي، لكن من دون المس بالتوازنات الطائفية التي وردت في اتفاق الطائف، منبّها الى ضرورة التمييز بين اتفاق الطائف والدستور اللبناني ومشيرا الى انّ المطلوب ليس تعديل الطائف كوثيقة وفاق وطني ترعى التوازنات الطائفية، انما اعطاء الرئاسة الامكانات اللازمة لتلعب دور الحكم. ويلفت الى انه يبج البحث في اعطاء رئيس الجمهورية القوة الوازنة في مجلس الوزراء ممّا يعزز قدرته على فضّ النزاعات وتسهيل التوصل الى حلول.
ويشدد على ضرورة ان تكون مؤسسات الرقابة كمجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة وهيئة التفتيش خاضعة الى سلطة رئيس الجمهورية وليس للسلطة التنفيذية، فالرئيس هو الحكم الذي يراقب ويشرف ويحاسب.
استعادة الدور المفقود
انطلاقا من هذه القراءة المحايدة، يشير الواقع السياسي الى انّ رئيس الجمهورية يتعاطى مع دوره في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية من زاوية حقوقه الدستورية وليس حجم كتلة النواب المستقلين التي ستفرزها هذه الانتخابات، وهذا ما يبرر عدم تبنيه اي من المرشحين الى الانتخابات ومنهم "الوسطيون" او "المستقلون"، اذ لا يبدي اهتماما كبيرا لدعمهم الى حدود خوض معاركهم، وهو يترك لهم حرية دخول السباق، من دون أن يربط تصوّره ومشروعه للمرحلة المقبلة بالنتائج التي يمكن أن يحققوها. وحتى لو ربط المستقلون موقفهم السياسي بسياسة رئيس الجمهورية وتوجهاته، فإن الرئيس سليمان يعتبرهم قيمة زائدة او مضافة، وليسوا ضرورة لا غنى عنها.
وسط هذا المناخ، يلفت متابعون للواقع السياسي عشية الاستحقاق الانتخابي، الى انّ الرئيس سليمان مدرك انّ موقعه وقوته ليسا مرتبطين بموازين القوى الانتخابية ونتائج الانتخابات، بل بالموقع الذي يشغله والصلاحيات التي يمنحها النظام السياسي اللبناني والدستور لهذا الموقع، والتفاهم الاقليمي – الدولي الذي زكّاه للرئاسة.
ويقولون انّ المعركة المفصلية بالنسبة إليه، ليست الانتخابات النيابية التي يخوضها السياسيون، إنما تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات وفق تصوره هو لتركيبتها، وهو تصور عبّر عنه في أكثر من مناسبة خلال الفترة الأخيرة، رافضا حكومة اللون الواحد التي تستثني اي فريق من اللبنانيين. وبحسب تصوره للمرحلة المقبلة، فإن أحكام الدستور تمنحه صلاحيات واسعة في تشكيل الحكومة وتركيبتها، وفي اختيار وزرائها، لو كانوا من الحصص السياسية للأحزاب والتيارات السياسية اللبنانية، وهو ما يعتبر المفتاح الاساسي لإدارة البلاد.
خيارات للحكم
وفي رأي هؤلاء المراقبين ان فحوى خطاب سليمان في عمشيت، بعد انقضاء عام على انتخابه وحكمه "بالتي كانت هي الداء"، وهو المفوَّض دوليا بإدارة مرحلة ما بعد الدوحة، سلّط الضوء على المعبر الضيّق والفاصل، وفق المفهوم اللبناني، بين رئيس الجمهورية كرئيس توافقي لادارة الازمات والتوازنات الثقيلة، وبين صراع مفتوح بين فريقي الازمة والاصطفاف، حتى بات صعبا على المؤسسات الدستورية تنظيم الخلاف أو التخفيف من حدة وطأته.
ويظهر الرئيس سليمان، وفق هؤلاء المراقبين، عزما على التمسك بصلاحياته، وهو لن يتوانى عن خوض اي مواجهة مع كل من سيحاول تجاوز الدستور وفرض تركيبات لا يقتنع بها. كما انه عازم على العمل بموجب متطلبات النظام السياسي اللبناني القائم على فصل السلطات، وهو في تركيبة الحكومة المقبلة سيفتح الابواب واسعة أمام إمكان محاسبة الحكومة في مجلس النواب، وسيرفض اي محاولة لجعل الحكومة مجلسا نيابيا مصغّرا، تتعطل من خلاله قدرة الرئاسة على إدارة البلاد، وقدرة المجلس النيابي على محاسبة السلطة التنفيذية.

الاثنين، 25 مايو 2009

Sphere: Related Content
نائب الرئيس الاميركي يستطلع المناخات في توقيت دقيق
بايدن في بيروت: مواكبة لتحرك اوباما ونفي لصفقة على حساب لبنان
واشنطن مهيأة لاي احتمال في الانتخابات اللبنانية وجاهزة للتعايش مع ما لا تحبذ

ينشر في "الاسبوع العربي" في 1/6/2009
انتهت الزيارة الرسمية والسياسية لنائب الرئيس الاميركي جوزف بايدن الى لبنان، وهي الارفع منذ العام 1983 يوم زار نائب الرئيس في حينه جورج بوش بيروت لشد ازر قوات مشاة البحرية الاميركية الذين سقط نحو 300 قتيل في تفجير سيارة مفخخة في مقرهم، بشيئ من جدل في الوسط السياسي اللبناني لا سيما وانها تأتي عشية الانتخابات النيابية المرتقبة. الا انّ البارز في الشكل انها الزيارة الاولى على هذا المستوى بعدما كانت تكتفي الادارات الاميركية السابقة بإيفاد رئيس الديبلوماسية الاميركية عند الرغبة في نقل موقف او رسالة، والحال هذه ثابتة في الجمهورية الثانية منذ وارن كريستوفر وصولا الى هيلاري كلينتون وبينهما كولن باول وكوندوليسا رايس.
امتدت زيارة المسؤول الاميركي الرفيع سبع ساعات امضاها متنقلا بين القصر الجمهوري في بعبدا ومقر الرئاسة الثانية في عين التينة والسراي الحكومي والحازمية حيث التقى اقطاب قوى الرابع عشر من آذار (مارس) في منزل النائب نايلة معوض. وحمل بايدن في محطته الاولى في بعبدا دعما أميركيا رفيعا الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، والى مؤسسات الدولة، استكمالا للرسالة والابعاد التي حملتها زيارة وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون لبيروت قبل أسابيع.
مواكبة لتحرك اوباما
وبحسب مرجع اطلع على فحوى محادثات بايدن في لبنان فانّ نائب الرئيس الاميركي اراد من خلال حضوره الى بيروت ان يواكب تحرك الرئيس الاميركي باراك اوباما قريباً في المنطقة مصحوباً بكلام على السلام، خصوصا وان المبعوث الاميركي الخاص للشرق الاوسط جورج ميتشل سيزور بيروت في منتصف الشهر المقبل لاطلاع المسؤولين اللبنانيين على آفاق عملية السلام في المنطقة.
وبحسب المعلومات فانّ بايدن شدد على أن بلاده ستحترم النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات التشريعية اللبنانية، وأنها ستتعامل مع الطرف الذي سيفوز فيها، سواء 8 أو 14 آذار (مارس)، مؤكدا أن المهم بالنسبة إلى بلاده أن تكون هذه الانتخابات شفافة. كما ركز بايدن على انّ الحوارات التي تقوم بها الإدارة الأميركية في المنطقة، ترمي إلى إيجاد حلول للأزمات القائمة فيها ولا يزال الانفتاح على بعض البلدان رهن الاختبار، مؤكدا أن "لا خلاص لهذه المنطقة إلا بالحل الشامل".
المحطة اللبنانية... في التوقيت
الى ذلك، اتت زيارة بايدن المفاجئة والقصيرة قبل اسبوعين من الانتخابات النيابية وعشية بدء اسرائيل مناورة عسكرية هي الأكبر والأشمل، وقبل 3 ايام من زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي قام بها الإثنين في الخامس والعشرين من ايار (مايو)، لتسليم الديبلوماسية اللبنانية دعوة الى حضور مؤتمر أنابوليس للسلام. كما ان الزيارة تأتي بعد فشل المحادثات التي أجراها الرئيس باراك أوباما مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو في واشنطن، خصوصاً حول حلّ الدولتين الذي تتمسك به الإدارة الأميركية وترفضه الحكومة الإسرائيلية.
من نافل القول ان زيارة بايدن ارادها الرئيس اوباما دفعة قوية وشديدة التأثير لتأكيد كل الرسائل التي سبق ان نقلها في الاشهر القليلة الفائتة مسؤولون اميركيون، ولُبّها ان واشنطن لن تدير أي صفقة على حساب لبنان وسيادته واستقلاله.
لكن الرئيس والاساس في هذه الزيارة، تماما كما زيارة الوزيرة كلينتون، هي رسالة اميركية واضحة تأكيدا على اهمية موقع رئاسة الجمهورية. وقد قرأ بعض المراقبين والمتابعين رسالة دعم مزدوجة لرئاسة الجمهورية ممثلة بالرئيس سليمان، وللمؤسسة العسكرية التي أوصلته إلى موقع الرئاسة الأولى، حيث يعول عليهما، من أجل إحداث توازن سياسي في حال فوز المعارضة في الانتخابات المقبلة.
فعلى رغم ان ّاللقاءات الرسمية لم تكن محصورة في قصر بعبدا، الا انّ موقع الرئاسة يشكل، بحسب المراقبين، مركز اهتمام للادارة الاميركية لانه سيبقى الجهة الرسمية الوحيدة القادرة على ان تبقى خارج الاصطفاف السياسي والحزبي، انى كان الفائز في الانتخابات النيابية.
ثلاثة عناوين
انطلاقا من هذه القراءة الاميركية، لا يخفي ديبلوماسيون معنيون ان مرامي الزيارات المكوكية للمسؤولين الاميركيين الى لبنان تندرج في اطارات ثلاثة:
-اولها التأكيد ان الانفتاح على سوريا وايران وامكان الوصول الى أي اتفاق، لن يكون على حساب لبنان، وهذا ما اكدته كلينتون وقبلها جيفري فيلتمان وبعدها ديفيد هيل.
-وثانيها عرض الرؤية الاميركية لحل الدولتين في فلسطين واسرائيل. وفي هذا الاطار يؤكد الرئيس سليمان ان همّ لبنان وهاجسه في كل ما يُبحث ويُطرح في هذا السياق، هو الا يكون الثمن او احد اثمان أي تسوية، توطين الفلسطينيين في لبنان.
-وثالثها التحضير لزيارة المبعوث الرئاسي الاميركي الى الشرق الاوسط جورج ميتشل، الذي ينوي ان يشمل بيروت ودمشق في جولته المقبلة الى المنطقة، وهي الثالثة على هذا المستوى.
ويشير الديبلوماسيون المعنيون الى ان بايدن شدد على اهمية وحدة اللبنانيين والالتفاف حول رئيسهم من اجل تمهيد المناخات الملائمة لما ينتظر لبنان من استحقاقات اقليمية ودولية، وخصوصا في عملية التسوية، انطلاقا من تأكيده ايضا اهمية انجاز الانتخابات النيابية بشفافية وديمقراطية بعيدا من العنف والتهويل واي تدخل خارجي.
وفي حال فازت المعارضة
في الموازاة تتزامن زيارة المسؤول الاميركي مع نقاشات في كل من لندن وباريس وواشنطن عن الآلية التي ستتبع في التعاطي مع السلطات اللبنانية في حال حصلت المعارضة على الغالبية النيابية نتيجة فوزها في الانتخابات.
في هذا السياق، ذكر تقرير ديبلوماسي ان واشنطن تعتقد بأرجحية فوز المعارضة الا في حال قلبت قوى الرابع عشر من آذار (مارس) الطاولة، وسارعت الى تحضير خريطة سياسية واقعية او مبادرة تعيد تصحيح المسار الانتخابي، (قد يكون ما قيل عن استمالة الكتلة المترددة احد هذه الخيارات الرابحة). ولفت التقرير الى ان واشنطن باتت مهيأة لاي من احتمالي فوز 14 او 8 آذار (مارس)، وجاهزة لتقبل أي واقع والتكيف مع ما لا تحبّ وتحبّذ اصلا، لكن ليس في مستطاعها تجاهله او اهماله، وهي لن تكرر ما حصل معها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
واشار التقرير الى ان واقع الحال بالنسبة الى استمرار المساعدات الاميركية الى لبنان، وخصوصا للمؤسستين العسكرية والامنية، لا يعود الى الادارة بالقدر الذي يتعلق بالكونغرس تحديدا الذي لن يكون من السهل عليه تقبّل فوز "حزب الله" وحلفائه بالغالبية النيابية التي تمكنه الامساك بالسلطة. وقد يدفع هذا الواقع الكونغرس الى التريث في تنفيذ البرامج المقررة للبنان ولن يكون سهلا اقرار مزيد من المساعدات الى جيش يرى الكونغرس انه "سينتقل الى الائتمار بسلطة وحكومة يسيطر عليها حزب مصنف اميركيا في كل الادارات الخارجية والدفاعية والمالية، منظمةً ارهابية".
وعلى رغم من هذه الهواجس، اورد التقرير ان واشنطن لا تتوقع تغييرا جوهريا في اولى حكومات برلمان 2009، انطلاقا من ان "حزب الله" يملك من التعقّل ما يكفي لكي لا يقْدم على أي خلل بتقاليد توزيع الحقائب الوزارية على نحو قد يثير القلق، وان يترك حليفه المسيحي العماد ميشال عون في واجهة السلطة.
واشار التقرير الى ان اكثر ما يقلق الاميركيين احتمال انتقال وزارة الدفاع الى وزير من "حزب الله" او آخر يتأثر بالحزب، لانه يكون بذلك يبحث عن التأثير على قرار الجيش اللبناني الذي هو في صلب الاهتمام الاميركي منذ العام 2005، بدليل حجم المساعدات والبرامج المخصصة له. لكن يبقى هذا الاحتمال، بتصور واشنطن، ضئيلا، نظرا الى ادراك رئاسة الجمهورية تحديدا مفاعيل أي خيار متسرع وغير عقلاني من هذا النوع، او في وزارات سيادية اخرى.
تحليل متعارض
وكانت زيارة بايدن قد اثارت اعتراضا لدى قوى المعارضة لا سيما لدى "حزب الله" الذي وصفها، كما كل الزيارات الاميركية الى لبنان، بـ"التدخّل في الشؤون اللبنانية، وجرعة دعم لفريق الرابع عشر من آذار (مارس) عشية الانتخابات النيابية بعد تحسس الادارة الاميركية هشاشة وضعه الانتخابي والسياسي". ويقول مصدر معارض: انّ الساعات السبع التي امضاها نائب الرئيس الاميركي في بيروت، حملت الكثير من الرسائل المتناقضة، في مؤشر الى الارتباك الذي لا يزال يسود السياسة الخارجية الاميركية وخصوصا في اقليم الشرق الاوسط، وآلية مقاربة ملفاته الشائكة من فلسطين الى العراق فلبنان، انطلاقا مما تسميه واشنطن "القوة الناعمة".
ويعتبر انّ زيارة بايدن الى بيروت والتي هي على مسافة 15 يوما من الانتخابات النيابية، حيث حاول المسؤول الاميركي الايحاء لمن التقاهم من المسؤولين اللبنانيين بأن واشنطن على مسافة واحدة من كل الاطراف ولا تتدخل في مسائر هذه الانتخابات ولا في تحوير او حتى تقويم نتائجها والجهة التي ستفوز بها، على حين جاء تخصيصه لغداء مع قادة الموالاة في منزل النائبة نايلة معوض، مع استمرار المقاطعة الاميركية لقادة المعارضة، باستثناء الرئيس نبيه بري، تدخل سافر في هذه الانتخابات. ويشير الى انّ بايدن لم يكتف بإعلان موقف، بل سعى الى التأثير في المجرى الانتخابي، عبر حضّه غير المباشر، الكتلة المسيحية المترددة، للمشاركة والتصويت لفريق الموالاة، "لأن فوز المعارضة سيؤدي إلى حرمان لبنان من العطف والدعم والمساعدات الاقتصادية والعسكرية".
في المقابل يردّ مصدر في قوى 14 آذار (مارس) على تحميل زيارة بايدن دعما مستميتا لفريقه من اجل تحسين وضعه في الانتخابات، بأنّ "فريق 8 آذار (مارس) منزعج من الدعم الاميركي الثابت للبنان والمرتكز على مبادئ الحفاظ على السيادة والاستقلال والمناداة بشرعية الدولة وحقها جيشها وقواها الامنية فقط بحمل السلاح، وبالتالي هو منزعج من سياسة دعم الجيش وتقويته لبسط نفوذه وسيطرته على كامل الارض اللبنانية في سياق تحقيق سلطة الدولة ومكافحة الارهاب والمخلين بالاستقرار".


الأحد، 17 مايو 2009

Sphere: Related Content
تعدّد الحسابات لما بعد 7 حزيران - يونيو يشيع الريبة والارتباك بين الافرقاء
تنافس الحلفاء: الوجه الآخر للانتخابات
صراع عون – بري: احكام السيطرة على البرلمان تعويضا عن الرئاسة؟

ينشر في "الاسبوع العربي" في 25/5/2009
السابع من حزيران (يونيو) المقبل محطة مركزية باتت مرتقبة للانتقال من واقع سياسي الى آخر، بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات. وفي ظل الحديث عن مصيرية الانتخابات، ترتفع الحمى السياسية مع الاقتراب من "الموعد الحدث" الذي يعوّل عليه كثيرون لفرز حقيقة سياسية قد تؤدي الى الخروج من الاصطفاف الحاد الذي، اذا استمر، قد يقيّد الجمهورية ورئيسها عند اي ازمة قد تستجدّ في المستقبل. وبين الحسابات العامة لكل من فريقي الاقلية والغالبية النيابية، تبرز بعض الحسابات الشخصية التي قد تطوي بدورها اهدافا شخصية تتعلق بمرحلة ما بعد الانتخابات لبعض من كلا الفريقين. فهل تؤشر بعض التشققات الداخلية في صفوف المعارضة كما الموالاة الى معالم المرحلة التالية للسابع من حزيران (يونيو)، لناحية صورة المجلس النيابي المقبل كما لولاء تكتلاته؟
يلفت بعض المراقبين الكلام المتنامي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط عن "الوسطية"، مع الاقتراب اكثر فاكثر من موعد الانتخابات. فالاول لا يخفي عدم معارضته لها، والثاني يؤيدها انطلاقا من التزام الخطاب السياسي الهادئ عشية الانتخابات. الا انّ المراقبين يتوقفون عند مرامي هذا الكلام بعيدا من فورة المهرجانات الانتخابية الشعبية والخطابات المدغدغة لغريزة معظم مكونات الشعب اللبناني. فوليد جنبلاط بعد تعبيره بكل وضوح عن امتعاضه من تخليه عن قسم لا بأس به من نواب كتلة "اللقاء الديموقراطي" لمصلحة حلفائه المسيحيين، وبعد "غزله الحذر" لافرقاء المعارضة اي شركائه في الوطن، كما اعتاد القول في الفترة الاخيرة، ولا سيما منهم "حزب الله"، يؤشر الى انتقالية معينة في الخطاب السياسي تمهّد لاعادة تموضع سياسي بعد الانتخابات يرجّح ان تكون الكتلة الوسطية مهدها، وما كلامه وترحيبه بفكرة الوسطية، الداعمة لرئيس الجمهورية، الا مؤشرا بالغ الاهمية عن اتجاه الرياح الجنبلاطية بعد 7 حزيران (يونيو).
علاقة مرتبكة
الى ذلك تجلّت العلاقة المرتبكة بين "التيار الوطني الحر" وحركة "امل" من خلال اعلان كل منهما لائحته في جزين، وتاليا تكريس التنافس الانتخابي بين اطياف المعارضة في هذه الدائرة. ويشير البعض، في هذا الاطار، الى علاقة يسودها انحسار الثقة بين النائب العماد ميشال عون والرئيس نبيه بري، لافتين الى انّ الفتور في العلاقة يعود اولا الى العام 2005 عندما لم يقترع العماد عون لبري رئيسا للمجلس النيابي، وحضّ ثلاثة من حلفائه هم ميشال المر والياس سكاف و"حزب الطاشناق" على التصويت ضدّ انتخاب بري. اما الاشارة الثانية فتعود الى ما بعد اتفاق الدوحة، حين قال "التيار الوطني الحر" انه حرّر منطقة جزين بفضل القانون الانتخابي والتقسيم الجديد للدوائر.
اذن، الخلاف ليس سياسيا في وجهات النظر داخل المعارضة بل خلاف مبني على القلق والريبة كل من تصرف الطرف الآخر.
الا ان الكلام المتداول في الاوساط السياسية يشير الى انّ ما بين عون وبري خلاف يتعدى انتخابات جزين، التي لم تكن سوى تظهيرا لهذا الخلاف الى العلن بشكل فاضح، بمعنى انّ جزين لم تكن سبب التوتر في العلاقة بل النتيجة التي تأتت عنه. وتلفت الاوساط الى انّ علاقة عون وبري كانت تشوبها الريبة، وهما لم يعملا على الافراط في ابراز التحالف بينهما على غرار علاقة عون- "حزب الله" او حركة "امل"-حزب الله، وتاليا كان الحزب يسعى الى شدّ الطرفين اليه، فهو بحاجة الى الحليف الشيعي الآخر من أجل وحدة الطائفة والموقف السياسي، كما يحتاج إلى "التيار الوطني الحر" من أجل استمرار الغطاء المسيحي الذي يوفره له، لا سيما في المعادلة السياسية الداخلية. وقد برز دور "حزب الله الوسطي" بين الحليف و"حليف الحليف" في المفاوضات الجزينية التي لم ينجح في حلها ما يؤشر الى صعوبة المفاوضات وتشبث كل طرف بوجهة نظره ومفهومه ونظرته التاريخية الى هذه الدائرة.
من الارتباك الى عدم التوافق؟
بالعودة الى بداية المفاوضات بين الطرفين، يشير مصدر مطلع الى انّ جهودا كثيرة بذلت بهدف تحقيق التوافق على تصور سياسي مشترك لمقاربة الملف الانتخابي، في ضوء موقفين:
الأول: للرئيس بري الذي اعتبر في أكثر من مناسبة أن نتائج الانتخابات النيابية المقبلة لن تفرز سوى أكثرية قليلة لأي من الفريقين، بحيث لن يتعدى الفارق سوى عدد قليل من النواب قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
الثاني: للعماد عون الذي قال انه يطمح إلى كتلة نيابية من خمسة وثلاثين نائبا من دون حلفائه الانتخابيين.
ويلفت المصدر الى أن المشكلة تبدأ في مقاربة نتائج الانتخابات، على اعتبار أن طموح الجنرال يعني في نظر بري أنه يسعى لنفسه حجما يزيد على نصف القوى المتحالفة في مواجهة الأكثرية الحالية، وهو ما لا يمكن لبري القبول به تحت أي ظرف من الظروف باعتباره ممثل تحالف قوى 8 آذار (مارس) في السلطة، وهو قادر على أن يكون من موقع رئاسة مجلس النواب شريك رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني. في حين أن التركيبة الراهنة للسلطة لا تسمح لعون بأن يكون رأس المعارضة لأن الموقع المسيحي الأول محسوم لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أيا تكن النتيجة بعد الانتخابات.
ويشير المصدر الى انّ رئيس مجلس النواب يقارب الإنتخابات النيابية المقبلة وفقا لقواعد تقوم على أساس تثبيت توازنات طائفية معينة داخل تركيبة السلطة بمعزل عن نتائج الإنتخابات التي يصرّ على التأكيد أنها لن تكون مصيرية. في حين أن عون يقارب الإنتخابات بذهنية انها مصيرية لنهج السلطة في المرحلة المقبلة.
خلاف على الرئاسة الثانية؟
في الموازاة، تؤشر العلاقة المرتبكة على خط الرابية- عين التينة، الى تطورات حامية بعد السابع من حزيران (يونيو)، ابرز دلالاتها كلام العماد عون في احدى مقابلاته التلفزيونية ورفضه تأكيد انتخاب كتلته النيابية بري لرئاسة المجلس النيابي المقبل، مكتفيًا بالقول: "أعلن موقفي حول رئاسة المجلس عشية 7 حزيران (يونيو)".
في هذا السياق، يقول المصدر المطلع ذاته أن عون لم يعد يخفي علاقته المرتبكة مع بري التي قد تصل الى عدم التوافق سياسيا بعد الانتخابات النيابية لا سيما في ظل كلام بري المرحب بالوسطية، ما يؤشر الى امكان ان تشكل كتلته النيابية المرتقبة ركنا اساسيا من اركان هذا الكتلة الوازنة او الوسطية، وهو الامر المتداول بكثرة اعلاميا وسايسيا. واذ يربط المصدر بين رفض عون الخوض في مسألة انتخاب بري رئيسا للمجلس في الوقت الراهن وترك المسألة للبحث الى ما بعد 7 حزيران (يونيو)، يرجح ان يطرح زعيم "التيار الوطني الحرّ" بعض الاسماء الشيعية من صفوف تكتله لرئاسة المجلس اي النائبين عباس هاشم او حسن يعقوب، مشيرا الى انّ عدم تصريح عون علانية بهذا الامر يعود الى الواقع الانتخابي الراهن لا سيما في الدوائر الانتخابية المشتركة بينه وبري لتجنب التشطيب من الجانبين.
ريبة متبادلة
وفيما تشير بعض المعلومات الصحافية الى امتدادات خارجية لتوتر العلاقة بين عون وبري، بمعنى انّ سوريا هي التي اوصلت العلاقة بينهما الى مرحلة من المواجهة الانتخابية تطوي في داخلها مواجهة سياسية بهدف التأسيس عليها واستخدامها فيما لو قررت دمشق السير في اي تسوية اقليمية تتناقض مع اجندة "حزب الله"، يستبعد مراقبون هذا التحليل لاعتقادهم انّ الاشكالية تبقى في الاساس نتيجة للتوازنات والحسابات اللبنانية الداخلية.
ويلفت المراقبون الى ان العماد عون يعتمد على توجس "حزب الله" من التمايز الملحوظ الذي يبديه بري عن سائر قوى 8 آذار (مارس) بقيادة "حزب الله" وهو ما بدا جليا عندما نأى رئيس المجلس بنفسه عن المشاركة في المواكبة الاحتفالية التي نظمها الحزب للضباط الأربعة منذ لحظة تخلية سبيلهم، خصوصا في ظل ما يتم تداوله راهنا من أن بري سيجسد ويكرس تمايزه هذا بعد 7 حزيران (يونيو) عبر تموضعه في إطار كتلة وسطية تكون على تفاهم تام مع رئيس الجمهورية. وهو الأمر الذي يثير ريبة مكتومة لدى قيادة "حزب الله" من التوجهات المستقبلية لبري بحيث لا يستطيع الحزب المخاطرة بأي فرضية ولو ضئيلة تفقده التحكم بالرئاسة الثانية وخصوصا في ظل ظروف محلية وخارجية بالغة الدقة".
في هذا السياق، يتابع المراقبون، "يرى عون يرى تقاطعا إقليميا وداخليا يصب في خانة تحقيق تصوره بالنسبة لرئاسة المجلس النيابي المقبل، وتاليا سيسعى إلى إقناع حليفه "حزب الله" بتبني ترشيح أي من هاشم أو يعقوب للرئاسة الثانية، بما يضمن لقوى المعارضة، من خلال الرئيس الجديد للبرلمان، إحكام السيطرة على إحدى الرئاسات الثلاث وصولا إلى انتخابات رئاسة الجمهورية في السنة 2014 التي من حقّ عون ان يطمح اليها ويعمل على تحقيق طموحه، فلربما تكون تلك المرة من نصيبه".



الاثنين، 11 مايو 2009

Sphere: Related Content
التخلية بعد اعوام من السجن "شحنة ناسفة" تضاف الى التوتر الانتخابي
الاستثمار في اطلاق الضباط الاربعة نصْل بحدّين
"حزب الله" اخرج الى العلن تحفظه عن المحكمة
جنبلاط جازف بتقربه من المعارضة لكنه لن يسلم الانتخابات طوعا

ينشر في "الاسبوع العربي" في 18/5/2009
عاش لبنان منذ العام 2005 مرحلة سياسية معقدة تسارعت فيها الاحداث وتوالت الى حدّ يخال المواطن انه في كابوس او على الاقل في حلم مزعج. فمنذ مرحلة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبدء التحقيق الدولي من ثمّ قيام المحكمة، كثر الكلام والمراهنات على "عدالة دولية" لكشف الحقيقة. فهل يصبر اللبنانيون على لحظة الحقيقة، اذا ما دقّت، وهل بوسع لبنان تحمّل المزيد من المراهنات التي قد تصيب او تخطئ، في ظل وضع سياسي داخلي هشّ، لا سيما عشية الانتخابات النيابية المرتقبة؟
بين "الاعتقال السياسي" و"السجن التعسفي" والاتهامات السياسية ومبدأ تنفيذ قانون العقوبات اللبناني (كود نابوليون)، قبع الضباط الاربعة جميل السيد وعلي الحاج وريمون عازار ومصطفى حمدان، الممسكين بالامن في البلد في فترة الوصاية السورية على لبنان، في سجن رومية طيلة 44 شهرا في سجن انفرادي وعزلة عن العالم الخارجي والتواصل الا مع الاقربين. سجن الضباط في اوّج حقبة وصفها البعض بـ "عصر التحرر من الوصاية والنظام الامني اللبناني- السوري"، فكان سجنهم بالنسبة الى الذين احتشدوا في ساحة الشهداء في الرابع عشر من آذار (مارس) 2005 في مثابة الحدث الصاعق الذي اشّر الى مرحلة جديدة تطوي صفحة انتهاء الوصاية.
توقيف الضباط كان بقرار من المحقق الدولي ديتليف ميليس، اثر اغتيال الحريري وما نتج عنها من احداث، لا بدّ ان يحفظها التاريخ، لانها ادت الى تحقيق الاستقلال الثاني بعد قرابة الثلاثين عاما من الوصاية. فرح بعض اللبنانيين ولا سيما منهم المتضررون ممّا يسمى "النظام الامني اللبناني-السوري" لكنهم لم يتوقعوا ان تتلاشى حماستهم واندفاعهم اثر كل ما تلى احداث العام 2005 من صراعات سياسية حادة كادت تودي بالبلد الى حافة الهاوية والانهيار. كذلك لم يتوقعوا، بعد كل الكلام السياسي الذي قيل في حق الضباط لجهة ضلوعهم في اغتيال الحريري، ان لم يكن تنفيذا انما مواكبة وتغطية، ان تأتي لحظة اعلان تخليتهم، من المحكمة الدولية في لاهاي التي راهن كثيرون في الداخل اللبناني كما في المحيط العربي على تسييسها وعدم حيادها.
استخدام سياسي معارض
وفي سياق الترجمة السياسية للحدث القضائي باخلاء سبيل الضباط، يلفت قطب بارز في الموالاة الى انّ "قوى الرابع عشر من آذار (مارس) لم تتوهّم ساعة ان قوى الثامن من آذار (مارس) لن تتوانى عن توظيف اطلاق الضباط الاربعة في سياق الترويج الانتخابي الحاصل، ذلك ان اولياء المعارضة استسهلوا، في سبيل معركتهم الانتخابية لتحقيق الغالبية النيابية، استعمال ضربات ما تحت الحزام في الاعلام والسياسة والامن والاقتصاد، منذ ان قرروا الاعتصام في الاول من كانون الاول 2007 في ساحتي الدباس ورياض الصلح مطالبين بإسقاط "حكومة تلاقي الساحات"، كما عنونَتْ مقدمتها السياسية في ايار (مايو) 2005.
ويقول: في الشكل، يظهر ان بعض من في المعارضة يسعى الى استغلال حدث اطلاق الضباط، بسقف اعلى الممكن بغية زيادة الارباك في صفوف جمهور الموالاة من جهة، وفي مسعى الى استقطاب شريحة واسعة من المقترعين المترددين الذين غالبا ما يحددون خياراتهم الانتخابية في الايام القليلة الفاصلة عن السابع من حزيران (يوينو)، وربما صبيحة يوم الاقتراع.
واذ يرى انه في الشكل ايضا، قد تكون المعارضة حققت من خلال الحملة الاعلامية – السياسية المكثفة، بعضا من اهدافها، وخصوصا على مستوى الجمهورين السني والمسيحي، بحيث كان الاحباط الذي تحدث عنه رئيس تيار "المستقبل" النائب سعد الحريري شبه توصيف واقعي لما حمله الامر القضائي الدولي من رياح خريفية لفحت جمهور الموالاة قبل قادتها، يؤكد انّ النائب وليد جنبلاط، بعد 24 ساعة من خطاب الحريري، أعاد تصويب اتجاه الرياح الدولية والمسار والخطاب، مستنهضا جمهور الموالاة.
ويعتبر القطب الموالي انّ "حملة استثمار الامر القضائي الدولي ذهب بها بعض المعارضة بعيدا وبمستوى لا يمكن لاركان المعارضة احتماله. فالتوتر السياسي العائد منذ اربعاء اطلاق الضباط، بذراع الحملة الضاربة على القضاء، اضاف شحنة ناسفة على التوتر الانتخابي، وبات يتهدد الهدوء الذي ارسته هدنة الدوحة والتي من المفترض ان تستمر مفاعيلها حتى السابعة مساء السابع من حزيران (يونيو)".
نصل بحدين؟
في الموازاة وعلى رغم كثرة الكلام على استثمار المعارضة لحدث اطلاق الضباط سياسيا، الا انّ ذاكرة اللبنانيين مع الضباط حافلة بما قد يجعل توظيف ورقة اطلاقهم نصلا بحدين، واي اساءة لاستخدامها قد تنسحب ضعفا على مستثمريها.
وفي هذا الاطار، يرى قياديون في المعارضة ان الضباط الاربعة، كل من موقعه وبنسب متفاوتة، شكلوا منذ العام 1991 حجر الزاوية في النظام الأمني الذي عانى منه على امتداد عقد ونيف كثر من اللبنانيين وكثر من جمهور المعارضة، في مقدمهم انصار "التيار الوطني الحر"، وهم من قيادييه في هذه المرحلة. ويعتبرون ان الانصراف الى إقناع جمهور اللبنانيين أن خروج الضباط انتصار لمبدأ "التغيير والإصلاح" ولشعارات المعارضة، انما يحمل مخاطر عدة، في مقدمها ان الذاكرة الجماعية لا تزال حية تنبض بصور السابع من آب (اغسطس) 2007 والتاسع منه، وانه من الصعب الانتقال بهذه الذاكرة من ضفة الى اخرى وفي غضون الشهر الفاصل عن يوم الاقتراع، مخافة ان تكون ردة الفعل اكثر قصورا من الفعل نفسه.
ويشير هؤلاء الى ان خطاب "التيار الوطني الحر" وشعاراته التغييرية لا يمكن ان تستقيم والحال هذه، ذلك ان الاستثمار في الامر القضائي الدولي هو في مثابة "تبليع" الجمهور ما هو ليس قادرا على بلعه او هضمه، اذ لا يمكن ان تستقيم المطالبة بمحاسبة التحقيق اللبناني عن 3 اعوام و8 اشهر (بصرف النظر عن التقويم) من دون اقرانها بالمطالبة بمحاسبة اعوام تمتد ماضيا حتى العام 1991، امضاها انصار التيار وقياديوه متنقلين بين هنغارات مديرية الاستخبارات في اليرزة واقبية قصر نورا في سن الفيل، وقاعات المحكمة العسكرية على مقربة من ذاكرة المتحف اللبناني.
واستنادا الى هذه الرؤية، يفهم تصرّف رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون الذي يبدو انه تنبّه والرئيس نبيه بري منذ اللحظة الاولى، كل من موقعه ومن زاوية الرؤية لديه، الى جملة المعطيات هذه، فكان استقبالهما للضباط بروتوكوليا وادبيا، في حين كان اعلام التيار يوظف اطلاق الضباط ليس في الانتخابات بقدر ما كان التوظيف في المعركة التي سبق ان فتحها قبل اشهر مع النيابة العامة التمييزية ومع فرع المعلومات على خلفية قانون صون سرية التخابر، المعروف بقانون التنصت.
اما بري فإكتفى ببيان تهنئة من حركة "امل" وبإيفاد نواب لحضور الاحتفالية التي نظمها "حزب الله" من دون المبادرة الى المشاركة في الحملة السياسية.
ويبرز في اطار هذا التحليل، الاتصال الهاتفي الذي سجّل بين بري والحريري، شكر فيه زعيم "المستقبل" رئيس البرلمان على موقفه، فيما نوه بري بإعلان الحريري قبوله بقرار المحكمة.
تطوّر على خطين
وفي وقت يقول البعض ان "حزب الله" ظهر متقدما في تبني اطلاق الضباط بخلاف بري وعون، في حين جاءت احتفالية التاسع والعشرين من نيسان (ابريل) لتقتصر بمجملها على جمهور الحزب، يرى مراقبون ان تطورين سجلا في سياق قضية الضباط تجب قراءتهما بتمعن:
-اولهما ان "حزب الله"، المستثمر الاكبر في الامر القضائي الدولي، خرج عن سلوكه المتحفظ والحذِر في كل ما يتعلق بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لينتقل الى قيادة معركة سافرة ضد قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، واحيانا كثيرة في معزل عن حلفائه المتحفظين في قوى 8 آذار (مارس)، ولسان حاله ان مرحلة جديدة سطّر طلائعها اطلاق الضباط، ومن الواجب ان تردم صفحة بدأت منذ 30 آب (اغسطس) 2005. فكما استثمرت 14 آذار (مارس) في قرار ادخالهم السجن، لا يعاب على 8 آذار (مارس) استثمار قرار إخراجهم. وفي ذهن الحزب ان هذه المرحلة هي ما قبل الاخيرة في مسيرة انهيار الموالاة، التي سيقفل الستار عليها في السابع من حزيران (يونيو)، واستطرادا لم يعد ضروريا اخفاء الرفض المطلق لكل المسار الدولي في اغتيال الحريري من لجنة التحقيق الى المحكمة، فالاستدعاءات والقرارات والاحكام لاحقا! وهذا ما اتى عليه الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله في اطلالته الاخيرة.
-ثانيهما ان وليد جنبلاط، في كلامه في قريطم، جازف برمي ثمار كل التقارب مع المعارضة والحزب، والذي سعى اليه منذ الحادي عشر من ايار (مايو) 2008. وجاء كلامه هذا اقرب الى عباراته مباشرة بعد اغتيال الرئيس الحريري، وحينها اوكل وتولى شد العصب في مواجهة "رموز مرحلة الوصاية"، كما اقرب الى خطبه في ساحة الشهداء في الاعوام الاربعة الفائتة. وهو اراد من رفع السقف السياسي افهام من يلزم ان انتهاجه التهدئة مع المعارضة لتمرير الاستحقاق الانتخابي لا يعني في أي حال من الاحوال قيادة جمهوره وزعامته الى الضفة المقابلة، ولا يعني ايضا انه راغب في تسليم نتائج الانتخابات –حبورا او طوعا او قسرا - الى المعارضة، وهو مستعد الى نداء المعركة حيثما يتوجب عليه القتال في سبيل الفوز.