الاثنين، 1 فبراير 2010

Sphere: Related Content

حزب الله صاغ العلاقة بينهما ويديرها ويمنع الافتراق

بري – عون او الالتباس الخلاق

علاقة بري وعون لم تقرّ يوما على برّ

ينشر في "الاسبوع العربي" في 8/2/2010

يكاد الاستنفار السياسي لـ "حزب الله" على جبهة حليفيه غير الحليفين، يوازي استنفاره العسكري على الجبهة الجنوبية، ذلك ان أي شرارة بين نبيه بري وميشال عون تعادل، في التوازن السياسي الداخلي، "اعتداء" على الامن السياسي للحزب، واستطرادا وعلى عمقه الاستراتيجي اللبناني – المسيحي – الماروني.

لسوء طالع "حزب الله" ان علاقة نبيه بري وميشال عون لم تقرّ يوما على مستوى او برّ، لا في فترة ثمانينات القرن الفائت، ولا طيلة أعوام نفي الجنرال والذي صاغه النظام الذي كان بري احد اركانه (وكذلك حزب الله)، ولا منذ العودة من المنفى الباريسي في السابع من ايار (مايو) 2005، ولا تحديدا منذ السادس من شباط (فبراير) 2006، احد ابرز تواريخ التحولات السياسية والعسكرية في هيكليّ كلّ من "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، يوم تلاقى السيد حسن نصر الله والعماد عون في كنيسة مار مخايل لتوقيع وثيقة التفاهم التي غدت منذ ذلك الحين "حلفاً بالدم" بين خصمين عمّدته حرب تموز (يوليو) 2006، اختلفا في السابق على كل شيئ، ليتطابقا راهنا على كل شيئ ايضا.

انعدام التواصل

وتستقيم قراءة العلاقة الملتبسة بي بري وعون، حليفيّ الحليف على ما باتت التسمية شائعة، منذ توقيع وثيقة التفاهم، لأنها شكّلت ايضا تحوّلا في العلاقة بينهما من جهة، وفي علاقة بري بقيادة "حزب الله" من جهة ثانية، وهنا بيت القصيد، وربما كل مسببات النقزة الراهنة من احتكاكات مستمرة، ربما ارادها بري رسالة الى الحزب من باب الرابية.

في الاساس، لم تكن العلاقة بين بري وعون جيدة ومستقرة يوما: لا في زمن قيادة عون المؤسسة العسكرية منتصف الثمانينات، ولا في زمن ترؤسه الحكومة العسكرية في نهايتها، وخصوصا ليس منذ عودته الى لبنان، واستطرادا في مرحلة ما بعد تفاهمه مع "حزب الله". وانسحب هذا التردي على جمهورهما: غياب التواصل على مستوى الشرائح الطالبية والشبابية، وهي الركن لتأسيس اي علاقة صحيحة بين حزبين، ونادرا ما لا يُلحظ نفور بينهما على معظم العناوين التي تطرح للنقاش، وانعدام اي تنسيق على مستوى العلاقات النقابية وهي حجر الاساس للمعارك التي خاضتها قوى المعارضة سابقا على مستوى النقابات والتي فقدت معظمها، لقصور في ادارة هذه المعارك من جهة، وكنتيجة لغياب التنسيق على مستوى الديناميات النقابية في التنظيمات التي تتألف منها هذه القوى.

العلاقة المستحيلة

تجلّت صعوبة هذه العلاقة، حد الاستحالة، بين العامين ٢٠٠٦ و ٢٠٠٩، اذ على رغم انتماء بري وعون الى جبهة سياسية واحدة، ظلت العلاقة كمن يمشي على حبل فوق ارتفاع شاهق، تعوزها العصا التي تؤمن التوازن، وشبكة الامان والطوارئ التي تتلقف اي سقوط من علو.

زادت الصعوبة مع النفور الذي حكم مقاربة بري ترشح عون لرئاسة الجمهورية، وشكا الاخير مرارا ان رئيس المجلس "يهندم"، مع النائب ميشال المر، بذة رئاسية توافقية لا تتناسب وقياسه، لا بل هي تُرتّب بحيث لا تليق الا على قياس العماد ميشال سليمان. وكانت الدوحة بعد السابع من ايار (مايو) 2008، محطة جديدة في المواجهة الممنوعة من الصرف. صحيح ان الاثنين كتما غيظهما، لكن الكتم هذا لم يكن سوى مقدمة لانفجار مدوّ، بذل "حزب الله" ما امكنه من جهد وحنكة لتأجيله، انطلاقا من تسليمه بأن المحتوم شرّ لا بد ان يقع.

وبلغت الاستحالة في علاقتهما زمن الانتخابات التشريعية العامة في حزيران (يونيو) 2009، بدءا من المماحكة على قانون الانتخابات مع اصرار بري على الدائرة – المحافظة وتمسك عون بالدائرة – القضاء، ولم يكن رئيس المجلس في وارد التنازل لولا حرب الاحصاءات التي توقعت ان القضاء من شأنه تأمين فوز تحالف المعارضة، ومن ثمّ عصيّ جزين على توحّد هذا التحالف، على رغم كل ما سكب "حزب الله" والسيد نصر الله شخصيا من حجج لكي يتلافى الرجلان معركة كسر عظم، ستكون الوحيدة على مستوى قوى المعارضة.

فيتامينات الخصومة

وكانت لهذا الخلاف محطة جديدة مع المداولات الممهّدة لتأليف حكومة الانماء والتطوير، وسط التسابق على توزيعات الحقائب، وهو لن ينتهي حكما مع العناوين اللاهبة راهنا، نظرا الى وفرة المغذيات والفيتامينات التي تضخ الزيت في هذه العناوين.

-ففي طرح بري تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، اعترض عون سائلا عن الاسباب والدوافع في شأن يدرك رئيس المجلس انه اكثر من حساس في الشارع المسيحي الذي يعمل الجنرال على اعادة ترميم علاقة "التيار الوطني الحر" به، مع تأكيده انه ليس معارضا في المطلق، لكنه يتحفظ عن التوقيت والآلية، وربما الدوافع الراهنة. وتاليا، انتج رئيس البرلمان، من غير قصد، توافقا مسيحيا عاما للتصدي لهذا الاقتراح، عجزت عن ايجاده تكرارا الكنيسة وكل وسطاء التوافق.

-وفي سعي بري الى تعديل المادة 21 من الدستور وجعل الثامنة عشر عاما سنّا للاقتراع في الانتخابات البلدية والاختيارية، كان عون اول المعترضين للسبب نفسه: حساسية الشارع المسيحي لهذا التغيير الكبير في ديموغرافية التوزع الانتخابي في حال جرى ضخ 238,683 ناخبا مسلما في مقابل 57,995 ناخبا مسيحيا. ومرة جديدة، انتج بري اجماعا مسيحيا على رفض الاقتراح، والتوحّد على الربط بين خفض سن الاقتراع واتاحة اقتراع المغتربين واستعادة الجنسية ووضع كل آليات التطبيقية اللازمة.

-وفي اقتراح بري تعيين هيئة قضائية تحدد آليات التعيينات الادارية، وقف عون سريعا معارضا هذا الاقتراح، متكئا على ان في الدستور الآلية الشافية التي تجعل الوزير جزءا لا يتجزأ من عملية التصفية والاختيار ورفع الاسم المقترح الى مجلس الوزراء حيث القرار النهائي، وفي يقينه ان هذا الاقتراح سيسلبه القدرة على ترشيح محازبين، في ادارة طالما كانت "العونية" بالنسبة الى القيّمين عليها منذ العام 1990، تهمة!

الالتباس الخلاق

"ماذا يريد؟"، سأل الاستاذ تكرارا.

"لماذا يتعمّد دائما حشري؟"، رد الجنرال.

هذا دأبهما منذ ان أُجبرا جبراً على الاتقاء في السراء والضراء، نتيجة تزاوج "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" في السادس من شباط (فبراير) 2006.

ولم تمر محطة من دون ان تتكرس هذه العلاقة الملتبسة بين الرجلين، حدّ جعل البعض من المطلعين على "الصاعدات" و"الهابطات" السياسية بينهما، على وصف هذا لعلاقة بـ "الالتباس الخلاق" الذي صاغه "حزب الله" ويستمر في ادارته على حد الوقت والخلاف والصدام.

في كل مرة اتّسعت الهوة بين بري وعون، تحرك الحزب للرأب، من خلفية ان ما يجري من شأنه يعرض الجسم السياسي لتحالفهم الى التفسخ والتفكك ويعزز الشكوك والنقزة في الشارع المسيحي المؤيد لعون وخياراته، ويحشره مسيحيا في ملفات حساسة لمصلحة خصومه الذين وفرت لهم هذه الملفات مادة سياسية دسمة وسانحة، بعدما تراجعت كل الملفات من العلاقة مع سوريا الى سلاح حزب الله.

يتحرّك الحزب من خلفية انه يراعي وضع عون واعتباراته المسيحية، ويحضّ بري على مراعاتها. لكنه في المقابل يدعو عون الى مراعاة مصالح رئيس البرلمان.

قد يكون نقص في الكيمياء. وقد تكون ذاكرة حافلة منذ استحالة علاقة الرجلين منذ ان التقيا في منتصف الثمانينات: الاول وزيرا في حكومات امين الجميل، والثاني قائدا لجيش نظر اليه رئيس حركة المظلومين وجمهورها نظرة ملؤها الشك وكل مفردات هذا الشك، في حين لا يزال جمهور "التيار الوطني الحر" يتحسّس من كل ما له علاقة بالذاكرة الميليشوية زمن الحرب، والتي لم تعتزلها احزاب كثر على رغم انقضاء عقدين كاملين!

حقيقة الامر، ان الهواجس والشكوك كثيرة بين الرجلين، وبين كل من المحيطين بهما. الثقة غائبة غياب التواصل. وما خلا قناة جبران باسيل وعلي حسن خليل وقت الضرورة القصوى، تفتقد العلاقة بين الرجلين الحيوية اللازمة لاعادة بناء الثقة بينهما (وهو امر يظهر انه لا يرغبان فيه اصلاً) وجسْر ما تداعى منذ عقدين ويزيد. واستطرادا سيظلّ "حزب الله" صلة الحد الادنى في الشدائد والملمات الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا!

ليست هناك تعليقات: