الاثنين، 25 يناير 2010

Sphere: Related Content

ادارة ساركوزي تصوّب الصورة النمطية التي رُسمت عن العلاقة الفرنسية - اللبنانية

الحريري في باريس: تصليب الدرع الواقية

دمشق بوابة العبور الفرنسي الى الشرق الأوسط لكن بيروت لا تزال مفتاحا مهما

باريس تجدد التحذير من حرب اسرائيلية مدمرة

ينشر في "الاسبوع العربي" في 1/2/2010

الاطلالة الرسمية الدولية الاولى لسعد الحريري من باريس حملت الكثير من المضامين السياسية والشكلية، وأكسبت الزيارة بُعدا واسعا، وأتت في سياق ما بدأه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لجهة ترميم مظلة الحماية الدولية بعد اعوام صدّت هذه المظلة وجعلت لبنان عرضة لشتى الخروق والتدخلات والحروب.

عاد رئيس الحكومة سعد الحريري من باريس محملا بالتزام فرنسي لدعم حكومته وإصلاحاتها الاقتصادية والجيش اللبناني واحتياجاته العسكرية، أما الترجمة فتبقى رهن معطيات لبنانية وفرنسية، على رغم ان المتداول من معطيات افاد ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أبلغ الحريري موافقة بلاده على تزويد الجيش بالصواريخ والمعدات العسكرية المطلوبة لبنانيا، اذ انه "لا يمكن مساندة استقلال لبنان والدفاع عنه من دون تزويد جيشه بوسائل الدفاع". وقال ساركوزي: "إذا كان إعطاء معدات للجيش اللبناني كالصواريخ يمثل مشكلة بالنسبة الى الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، ففرنسا لا تطلب إذن أحد لمساعدة استقلال لبنان. وإذا نشأت أي مشكلة بالنسبة لهذا الموضوع مع إسرائيل، فسنتفاهم مع الإسرائيليين ولكننا مستعدون لتقديم التجهيزات المطلوبة للجيش اللبناني". وهذه الخطوة في حال تحققت، تعتبر اختراقا كبيرا على مستوى الحظر الاميركي – الدولي المفروض على تسليح الجيش بذريعة امكان ان تصل معدات عسكرية حديثة الى ترسانة "حزب الله".

ولا يخفي المتابعون من الديبلوماسيين العاملين في بيروت، الاهمية التي توليها باريس، وادارة ساركوزي، للزيارة التي قام بها الى العاصمة الفرنسية رئيس الحكومة، وهي الاطلالة الاولى له دوليا وعلى مستوى عواصم القرار، اذا استثنيَتْ مشاركته في قمة المناخ في كوبنهاغن.

الصورة النمطية

مردّ هذا الاهتمام الرسمي الفرنسي جملة امور، في مقدمها رغبة جادة في انجاح سعد الحريري، ابن رفيق الحريري، رئيسا للحكومة، ومن ثم في تصويب الصورة النمطية التي رسمها البعض للعلاقة الفرنسية مع عائلة الحريري منذ ان ترجّل الرئيس السابق جاك شيراك عن عرش الاثني عشر عاما.

منذ ذلك الحين، والقصص تُحاك عن رغبة ساركوزي في اخراج العلاقة مع لبنان من الشخصانية الى المؤسسية، وفي تنظيم هذه العلاقة رسميا والابتعاد قدر الامكان عما ساد سابقا بين العامين 1995 و2007، واذ بالصورة النمطية تختصر بلدين بصداقة مسؤولَيْن، وبات شيراك يرسم سياسة فرنسا، احد الدول الخمس العظمى، على قياس صداقاته او حتى مصالحه.

في الشكل، أرادت باريس ان تبدد ما علق في الاذهان من هذه الصورة النمطية، فأعدّت لضيفها استقبال رؤساء دول، بحفاوة بروتوكولية استثنائية وغير معهودة في مثل هذا النوع من الزيارات، وبرمجت له اجندة حافلة باللقاءات الرئاسية من الاليزيه الى ماتينيون، فالجمعية الوطنية ثم مجلس الشيوخ، مع تشريفات وحفلات تكريم تخصص عادة لزيارة دولة. وربما زادت في حفاوتها، لإدراكها انها الاطلالة الدولية الاولى لسعد الحريري، والذي بدوره وعى ذلك فحضّر وفدا وزاريا وحكوميا رفيعا قادرا على مقاربة كل العناوين المشتركة اللبنانية – الفرنسية (اتفاقات ومشاريع تعاون وتنسيق) بموضوعية واقتدار، من مسائل الأمن الداخلي والتعاون القضائي والبحوث العلمية والشؤون الاجتماعية الى الادارة والاقتصاد.

تأسيسا على ذلك، من المرتقب ان تؤدي الزيارة الاستثنائية الى بعث الحرارة في العلاقة الشخصية والسياسية بين ساركوزي والحريري، لكن من غير الافراط في توقّع استئناف ما كانت عليه العلاقة بين شيراك والرئيس الراحل رفيق الحريري، وهما اللذان نجحا في تأسيس ومن ثم استثمار علاقة ود وصداقة وتعاون.

الزيارة والتحوّلات

في التوقيت، تبرز في الزيارة اهمية استثنائية، كونها تأتي في خضم تحولات على مستوى اقليم المتوسط تدير باريس جزءا غير يسير منها بتكليف اميركي، في طليعة هذه الملفات ادارة سياسة الانخراط مع دمشق والتي تمرّ راهنا بهمود سياسي وديبلوماسي لافت، علما ان بعض اجزاء هذا الهمود لبنانية، من دون ان يخفي هذا التذبذب ارتياحا فرنسيا لايفاء دمشق بالتزاماتها وما وعدت به حيال لبنان، من المصالحة السعودية- السورية الى زيارة الحريري الى دمشق، وهو امر كرره ساركوزي على مسمع من الحريري في اشارة الى ارتياحه الى علاقته الشخصية والسياسية مع الرئيس السوري بشار الاسد. ونتجت من هذا التقويم التفاتة فرنسية ايجابية للوضع اللبناني وللمحطات والمراحل التي قطعها في الأشهر الأخيرة.

وهذا التمايز في القراءة الفرنسية، وخصوصا بين الاليزيه ووزارة الخارجية، دفع باريس الى تقويم ايجابي لكن حذر للوضع اللبناني، وهو بحد ذاته سبب اندفاعة باريس نحو تكريس دعم الشرعية اللبنانية والآليات المؤسسية والتي تنظر اليها ادارة ساركوزي على انها ركن من اركان تعزيز الاستقرار اللبناني وسط اقليم متحوّل وينذر كل يوم بهزات نتيجة شلل التسوية السلمية وبفعل اختلالات فلسطينية او عراقية او ايرانية او يمنية، الى غيرها من مساحات التنافر والتجاذب في دول خليجية عدة. وكل ذلك يضع النظام الدولتي اللبناني تحت تأثير الانقسامات والتعقيدات الداخلية السياسية والطائفية وتحت تأثيرات اقليمية، ما يجعله غير قادر على مجاراة السياسة والمبادرات الفرنسية في الشرق الأوسط.

كما ان الزيارة تحصل على خلفية تحرك اقليمي دولي ناشط يتعلق بعملية السلام وأمن المنطقة، في ضوء توترات متزايدة بسبب الصراع العربي - الاسرائيلي والخلاف السعودي - الايراني والحرب الباردة بين طهران والغرب، اضافة الى التهديدات الاسرائيلية ضد لبنان، وما يتردد عن قرب عمل عسكري ما، من هنا تبرز اهمية المظلة الديبلوماسية التي تعمل عليها باريس انطلاقا من محورية القرار الدولي 1701.

بيروت لا تزال مفتاحا

في الخلاصة، يراهن كثر على ان زيارة الحريري الى عاصمة الاضواء ستبدد وتصحح الانطباعات الخاطئة عن السياسة الفرنسية الجديدة حيال لبنان وسوريا، والتي صُوّرت على انها انقطاع جذري وحاسم مع سياسة جاك شيراك.

وستبيّن التطورات والاتجاهات الفرنسية الآتية، ان اختيار ساركوزي دمشق بوابة العبور الفرنسي الى الشرق الأوسط، ولا يعني طرح لبنان في مهملات عهده، فبيروت لا تزال مفتاحا مهما وأساسيا، حتى لو ان باريس نجحت، في علاقتها مع دمشق، في تجاوز التعقيدات اللبنانية واعبائها واغلالها.

وتكتفي ادارة ساركوزي راهنا بأنها كسبت رهانها على سوريا وعلى نظامها، ونجحت في وضع لبنان على سكة الاستقرار السياسي والأمني بدءا من اتفاق الدوحة، انتهاء بالتفاهم السوري - السعودي الذي عزز موقف باريس وصوابية سياستها. وباريس تستعد للتأسيس على هذه التراكمات الايجابية لبدء دور اكثر نشاطا واقتدارا وزخما وطموحا، نقطة انطلاقه اعادة بناء وتعمير العلاقة الشخصية والسياسية بين ساركوزي والحريري.

الدرع والحرب الحتمية!

ويعوّل لبنان على دور فرنسا في تصليب المظلة الدولية التي امّنت له منذ انتخاب الرئيس سليمان درعا سياسية وامنية وقَتْه وتقيه الكثير من العثرات الامنية، ومرشحة ان تزداد فاعلية في المرحلة المقبلة، حيال التهديدات الاسرائيلية المستمرة، وهو ما عكسته المعلومات الباريسية من ان ساركوزي أبلغ الحريري أن فرنسا "تتعهد السعي لمنع إسرائيل من ضرب البنى التحتية الأساسية في لبنان، لكن ليس أكثر من ذلك"، مشددا على ضرورة "ضبط الوضع الداخلي اللبناني ومنع أي استفزازات".

واقترنت هذه الاشارة عن احتمالات حرب حتمية، بالتصريح شديد التعقيد الذي ساقه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير لجهة قوله ان "المخاوف اللبنانية من التهديدات الإسرائيلية ليس لها ما يبررها، فإسرائيل صديقتنا. وإذا كان هناك من تهديد للبنان، فلن يأتي إلا من مغامرة عسكرية قد يقوم بها "حزب الله" لمصلحة إيران، التي قد تهرب الى الأمام ، وتعمل على صرف الأنظار عن أزمتها الداخلية بالإيعاز إلى حليفها اللبناني، بإحداث حرب على الجبهة الجنوبية".

وسبق لكوشنير ان اعلن سابقا ان سلاح "حزب الله" يعطّل وساطات السلام بين اسرائيل وسوريا.

ويرى المراقبون في بيروت ان على لبنان اخذ هذه التحذيرات الفرنسية على درجة كبيرة من الجدية، لا سيما ان كوشنير بتصريحه الفظ نسبيا انما يعكس بحدية الموقف الفرنسي الرسمي، حتى لو لم يكن ساركوزي بالفظاظة نفسها.

ويذكّر هؤلاء بموقف الرئيس الفرنسي من صداقته غير المحدودة مع اسرائيل، ليخلصوا الى اهمية الا يتلهى اللبنانيون بمحاولة الفصل بين موقف الرئيس الفرنسي ورئيس ديبلوماسيته، لأن لبّ المشكلة ليست هنا، بقدر ما هي في الرسالة التي ارادت باريس بعثها الى بيروت، والتي سبق ان تبلّغها رئيس الجمهورية في زيارته الاخيرة لباريس، وقبلها في زيارته الى واشنطن، والتي بادر كثر من اللبنانيين الى التخفيف من صدقيتها، تحت عنوان ان تل ابيب غير مستعدة راهنا لحرب مع "حزب الله".


الأربعاء، 20 يناير 2010

Sphere: Related Content

إلغاء الطائفية السياسية والعلمانية متلازمان ... والنقاش يجب ان يستكمِل اشكالية الصلح - شيحا

"لاءان" فقط تصنعان دولة!

العلمانية ثمن شيعي باهظ لطموح الغاء الطائفية السياسية

ينشر في"الاسبوع العربي" في 25/1/2010

أُغرِق البلد، من جديد، في نقاش بيزنطي على خلفية اشكالية الطائفية السياسية، التي من عمر الكيان. تبارى الجميع على الادلاء بدلوهم بين مؤيد ومعارض ومتحفّظ، لكن بقيت الاشكالية في خانتها الاولى: مَن يسبق مَن، النفوس ام النصوص؟

"انّها ساعة مباركة تلك الساعة التي تلغى فيها الطائفية من دستور هذا الوطن (...) إن الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله، ومن الطبيعي ان تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير".

هذا الكلام ليس طازجا. ليس لنبيه بري، اليقظ هذه الايام في مسألة خلافية بإمتياز، ولا هو من ادبيات الحركة الوطنية زمن الثمانينات، ولا هو من احد خطابات ما بقي من شراذم الاحزاب العلمانية. انه مقتبس حرفي من البيان الوزاري للحكومة الاستقلالية الاولى تلاه الرئيس الراحل رياض الصلح في البرلمان طالبا على اساسه ثقة مجلس العام 1943.

مضى على هذا الكلام، واستطرادا على هذه الحال من التمنيات العسلية، 67 عاما حفلت بالكثير الا ببدء نقاش جدي في مسألة عمرها من عمر لبنان العام 1860، لكن لا الساعة التي استقرأها رياض الصلح ازفت، ولا الاعداد والتمهيد الذي افتى بهما، آن اوانهما.

تلازمان يفترقان

في احدى الجلسات الأولى للحكومة الاستقلالية، طرح رياض الصلح فكرة الغاء الطائفية السياسية فرد ميشال شيحا، نسيب رئيس الجمهورية بشارة الخوري، بشعار علمانية الدولة. ومنذ حينه ادرك اللبنانيون ان اتفاقهم على الاستقلال والعروبة والديموقراطية لا يخفي او يحجب اختلافهم على صوغ طبيعة الدولة ونوع التوازنات التي ستقوم بين الطوائف والتيارات السياسية. فإنبرى الفقهاء والمفكرون الى البحث عن مساحة مشتركة -مهما ضاقت- تصلح مرحليا الى التأسيس لشبه دولة ذي وجه عربي، لا شرقية ولا غربية، ما دفع جورج نقاش في العام 1949 الى "نقش" ما تحوّل شعارا كيانيا: لاءان لا تصنعان امّة Deux Negations ne font pas une nation، في اشارة الى الفكرة التي جُرّبت في حينه لبناء شبه الدولة: لا للشرق ولا للغرب.

منذ تلك الايام، ثبت أن المسيحي اللبناني غير متحمس لشطب الطائفية السياسية نصا ودستورا، وثبت ان المسلم غير مستعد للقبول بالعلمانية ثمنا باهظا لطموح الغاء الطائفية السياسية. وثبت، استطرادا، ان هاتين اللاءين Deux Negations هما مفتاح العبور الى الدولة الحديثة.

اذن، هل نبيه بري، القارئ المتأني والقادر على استنباط الحراك السياسي من قعر بئر جافة، يُقْدِم على ما قد يحرق اصابعه؟ ام هو يستقرأ، كما استقرأ مرات كثيرة في اعوامه السياسية – الزعماتية، أن اوان الاعداد والتمهيد "الصلحي" قد حان فعلا، وانه لا بد من شرب كأس بدء نقاش وحوار فعلي في مسألة وجودية وكيانية، مهما إشتدّ علقمها؟

الطائفية في الوجدان المسيحي

ليس نبيه بري هاوي معارك خاسرة، ولا هو أدمن المناقرة من اجل المناقرة، ولا هو أقدم يوما على خطوة غير مدروسة او معللة.

تأسيسا على ذلك، لا يفترض المراقبون ان رئيس البرلمان طرح مسألة تشكيل الهيئة من باب المناورة او بغرض تمويهي لردّ النقاش حول سلاح المقاومة، ذلك انه يبدي في كل جلساته الخاصة اصرارا غير سابق على السير بهذه الخطوة حتى لو لم يحصّل تأييد كل المعارضة، علما انه يكتفي راهنا بدعم صديقه اللدود وليد جنبلاط، في حين يؤثر "حزب الله" على مسك العصا من وسطها.

اما العماد ميشال عون فهو لم يخف تحفظه عن التوقيت، وجاهر بأن الخطوة ناقصة ما لم تسبقها خطوات اجرائية وقانونية وتشريعية عدة، هي الاخرى منصوص عليها في اتفاق الطائف كاللامركزية الادارية - صنو الفدرالية- التي يستذكرها الوجدان المسيحي كلّما أفاقت الذاكرة الشيعية على العددية والغاء الطائفية السياسية.

ويُبرز الحوار الذي جمع سامي الجميل وسيمون ابي رميا في احد الجامعات، حقيقة تلاقي الجماعة المسيحية، على اختلافات تلويناتها، على التحفظ عن مشروع نبيه بري. فأبي رميا وصف الطرح بالمتسرع "لأن الواقع الطائفي يتحكم بمفاصل الدولة في غياب الدولة القادرة"، أن "المشكلة في لبنان هي المحسوبيات لان الارادة السياسية للبعض تشدد على ان يكون حزبها الممر الاجباري للمواطن باتجاه مؤسسات الدولة. وقال: يبدو أننا لسنا متفاهمين على الصيغة الدستورية في لبنان وهذه اشكالية النظام . اما الجميل فرأى ان الغاء الطائفية سيؤدي الى حكم الطائفة الاكبر عددا، "ونحن نطالب في حال أُلغيت، بالانتقال الى نظام الفدرالية كضمان للمسيحيين، انما المطلوب لا هذه ولا تلك بل تطوير النظام". اضاف: إن منطق التحدي الذي فرضه رئيس البرلمان "لا نمشي به".

حماس وفتور

ثمة انطباع لدى معظم البعثات الديبلوماسية في بيروت ان الغاء الطائفية السياسية مطلب شيعي – درزي بإمتياز تتفق عليه الاقلويتان –من مقاربتين وظائفيتين مختلفتين- منذ ان فرزت الحرب اللبنانيين عشائر وقبائل وجماعات متناتشة، في حين تلتقي الاقلويتان المارونية والسنية، كل من وجهة مفترِقة، على التحفظ عن الغاء الطائفية السياسية، ربما مخافة طغيان الاكثرية الاقلوية، وربما رغبة في استعادة مجد مضى.

من هذا الانطباع، ينفذ ديبلوماسي بارز الى قراءة بسيكولوجية وسوسيولوجية للاقلويات التي فشلت في صنع وطن، ولطبيعة تركيبتها ومدى قدرتها على فهم المحيط التي تتحرك فيه. ويُبرز اهتماما خاصا بأقلويتين هما راهنا مدار حراك لإستدراك ما فات كل منهما من مكاسب سياسية نتيجة طبيعة نظام الـ 1943 وذلك الذي قام على انقاضه في العام 1989:

1-فالجماعة الشيعية التي اخرجتها الحرب من حرمان سياسي وحتى ديني، استفاقت على انها اكثرية بين الاقلويات وانه لا بد له من تعويض ما فقدت من مكاسب ووظائف سياسية جراء الثنائية المارونية – السنية التي حكمت لبنان حتى بداية التسعينات تحت مسمى المارونية السياسية، والتي خلفتها السنية السياسية لاعوام اربعة بدأت مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وتكاد تلفظ انفاسها، مع كل التغيرات الدراماتيكية التي شهدها الاقليم، بدءا وليس انتهاء بالمصالحات العربية المتفرقة.

ولا تتردد الاقلوية الشيعية في ان تطرح نفسها وجماعتها، الخلف المحسَّن والمطوَّر والمعدَّل جينيا للمارونية والسنية السياستين، انطلاقا من ان من حقها ان تجرّب ما فشلت فيه تلك الاقلويتان. ولا بأس ان تكون كل الادوات المتوافرة لدى هذه الاقلوية، بما فيها السلاح، عناصر توفّر لها انضاج ظروف استقامة الشيعية السياسية.

2-اما الجماعة الدرزية، أصغر الاقلويات الحاكمة من خارج اي نص او تشريع او دستور، فهي ترى في تطبيق الغاء الطائفية السياسية، او مجرّد بدء النقاش في شأنها، البوابة للدخول الى الحكم او الى جنة "دولات الرئيس" من باب مجلس الشيوخ. وهي تدرك تمام الادراك ان بندا الطائف العالقان، متّصلان بحبل صرة. ويبقى استطرادا ان الاقلوية الدرزية لن تنال ما منّت له النفس منذ العام 1989 الا في حال بدء البحث في اشكالية الطائفية السياسية، بصرف النظر عن المدى الذي سيكون عليه البحث، سنيناً كان ام عقوداً، مع يقينها ان الطريق لن تكون معبّدة امام ترئيسها مجلس الشيوخ، انطلاقا من نقاش مذهبي سيلي تلقائيا بدء البحث الجدي في تشكيل المجلس. من تحق له الرئاسة؟ الدرزية التي طالما انتظرت هذه اللحظة، على رغم انها اقلية التسعة بالمئة؟ ام الارثوذكسية، رابع المذاهب، التي طالما نشدت رئاسة ضائعة؟

ويرى الديبلوماسي ان في هذين الحراكين الشيعي والدرزي عوامل لا بد من ان تتدراكها الزعامتان – الحاكمتان، اقتداء بخلاصات تاريخية خبرها اللبنانيون منذ زمن الثنائيات: المارونية – الدرزية، فالمارونية – السنية، الى الاحادية السنية، وصولا الى الخلط الحاصل راهنا، نتيجة التنافس على خلافة "نظام" ما بعد 14 شباط (فبراير) 2005، وختى لا تتكرر النقاشات العبثية التي عادت ما انتجت الاصطدامات والازمات ... والحروب!

الاثنين، 11 يناير 2010

Sphere: Related Content

باريس على خطى واشنطن في فرض اجراءات مشدَّدة على مستخدمي مطار بيروت

لبنان مجددا في القوائم السوداء!

وكالات حفظ الامن الدولية تستعد لتقويم "المخاطر" في المطار ومحيطه

ينشر في "الاسبوع العربي" في 18/1/2010

انشغلت الاوساط السياسية الرسمية والدبلوماسية بالاجراءات الاميركية في شأن تشديد التفتيش الآلي واليدوي على اللبنانيين الآتين الى الولايات المتحدة الاميركية عبر مرافئها الجوية، في وقت كان المؤمل ان يخف الحصار الجوي من خلال اعادة العمل بالرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة، ورفع الحظر عن شركة طيران الشرق الاوسط "ميدل ايست".

في وقت اثار وزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي التطور الاميركي مع سفيرة الولايات المتحدة ميشيل سيسون كاشفاً انه سمع كلاماً بأن هذا الاجراء لن يطول، اوضح المسؤول عن الاعلام في السفارة في بيروت ريان كليهان- متوجها إلى اللبنانيين الراغبين بالسفر إلى بلاده- أن "ابواب أميركا مفتوحة لكن لدينا إجراءات جديدة ستكون أكثر تشددا". وأوضح أن بعض المسافرين يمكن أن يتوقعوا إجراءات أشدّ من السابق وتشمل التفتيش الجسدي وتفتيش الممتلكات بوسائل متقدمة للتصوير أو وسائل متقدمة للكشف عن المتفجرات. ولفت الى ان الولايات المتحدة اتخذت الإجراءات الأمنية في ما يتعلق بالرحلات التجارية لضمان سلامة وأمن كل الركاب القادمين إليها، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات وقائية وتهدف إلى حماية الركاب من كل الجنسيات، وموضحا أن إدارة النقل الأميركية طبقت معايير جديدة على الركاب الذين يحملون جوازات سفر أصدرت من دول معينة أو يأتون إليها عبر مطارات ومرافئ هذه الدول. وأوضح أن بعض هذه البلدان موضوع في لائحة الدول الراعية للإرهاب، وهي إيران وسوريا وكوريا الشمالية والسودان، بعدما تم اعتبارها "مصادر محتملة لإرهابيين يستهدفون المواطنين الأميركيين، مشيرا إلى أن "الكثير من الدول الأخرى التي سيخضع مواطنوها للإجراءات الجديدة هي دول نعتبرها شركاء أقوياء يعملون جاهدين على تغيير الظروف الأمنية التي تتهدد المسافرين بين الولايات المتحدة ودولهم المحترمة. ونحن سوف نواصل العمل مع شركائنا على العمل على تحسين الأوضاع الأمنية، على المستويين المحلي والدولي".

وسبق للسلطات الاميركية ان فرضت، منذ بداية كانون الثاني (يناير) 2010، الاجراءات الأمنية الجديدة على المسافرين من الدول الـ ١٤ التي تعتبرها واشنطن اما داعمة للارهاب أو دولا "ذات أهمية". وسيواجه المسافر الذي يزور الولايات المتحدة من الدول الـ١٤ وبينها ٩ دول عربية (السعودية والسودان وسوريا والجزائر والعراق ولبنان وليبيا والصومال واليمن) اجراءات مشددة في الدولة التي يغادر منها، على خلفية الهجوم الفاشل الذي حاول المتهم النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب القيام به على متن طائرة متوجهة الى الولايات المتحدة من امستردام، وتشمل هذه الاجراءات تفتيشا جسديا وتفتيشا دقيقا لحقائب اليد.

فرنسا ايضا

وكشف مصدر ديبلوماسي غربي في بيروت ان فرنسا تنوي، في مهلة اقصاها كانون الثاني (يناير) تشديد وتوسعة إجراءات التفتيش والمراقبة على الوافدين إليها من المرافق الجوية والبرية والبحرية، واعتماد طرق جديدة من بينها المسح الجسدي، وفق آلية تشبه ما اعتمدته الولايات المتحدة الاميركية بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001.

ولفت المصدر الى ان باريس ستعمد لاجل هذه الغاية الى توسعة لائحة الدول المصنفة خطرة على الامن الفرنسي، من سبع دول راهنا الى نحو عشرين او ثلاثين دولة، بغرض جعل المطارات الفرنسية من الأكثر أمنا في أوروبا.

واشار الى ان لائحة الدول السبعة تضم كلا من سوريا واليمن وباكستان وإيران وأفغانستان والجزائر ومالي، وهي ستتوسع لتضم دولا اخرى على غرار القائمة الاميركية السوداء التي افصحت عنها واشنطن اخيرا وتضم في عدادها لبنان، اثر محاولة التفجير الفاشلة التي قام بها شاب نيجيري على متن طائرة متجهة من امستردام الى ديترويت، وقررت واشنطن في ضوئها فرض إجراءات أمنية إضافية على رعايا 14 دولة، منها لبنان.

واذا تحفّظ المصدر عن تأكيد او نفي امكان ان تضم فرنسا لبنان الى لائحتها السوداء الجديدة، ذكرت مصادر واسعة الاطلاع ان وزارة الداخلية الفرنسية تعكف، في ضوء الاجراء الاميركي الاخير، على اعداد قائمتها الخاصة والتي من المرجح ان تضم لبنان الى جانب عدد من الدول المحيطة.

واوضح المصدر ان باريس بدأت تطبيق إجراءات تفتيش صارمة على المتجهين نحو الولايات المتحدة منذ بداية كانون الثاني (يناير)، لافتا الى ان الإجراءات الجديدة جاءت تكملة لقانون مكافحة الإرهاب الصادر في العام 2006 والذي تعذر تطبيقه في ذلك الحين نظرا الى عدم توافر بيانات كافية لدى الداخلية الفرنسية عن المسافرين القادمين إليها. وذكر انه أنه بدءا من السنة 2010 صار ذلك متاحا بعدما استطاعت باريس بموجب قانون مكافحة الإرهاب أن تكون بنكا معلوماتيا حول هوية وطبيعة الأشخاص الذين زاروها منذ 2006.

اجراءات استثنانية

ولفت المصدر الى ان باريس ستعمل على تعزيز المراقبة الأمنية على مستوى المطارات خصوصا، من خلال جمع معلومات وافية عن الأشخاص الذين يأتون من الجزائر واليمن وسوريا وباكستان وإيران وأفغانستان ومالي، اضافة الى الدول الجديدة التي ستشملها الاجراءات، على الا تقتصر المعلومات التي ستكون شركات الطيران الآتية من الدول المعنية ملزمة بتقديمها، على تلك المتعارف عليها عالميا كالاسم والسن وتاريخ ومكان الولادة، إنما ستضاف إليها معطيات أخرى تشمل كيفية اقتناء تذكرة السفر، عبر الانترنت أو وكالة سفر، إضافة إلى وسائل الدفع نقدا أو من طريق البطاقة المصرفية الممغنطة، ومعلومات عن عنوان الفاتورة، وأرقام الهاتف وعناوين البريد الإلكتروني للمسافرين. ولا يستبعد ان تشمل الاجراءات الجديدة إلزام شركات الطيران التي تخدم الدول المصنفة في اللائحة السوداء تسليم أسماء المسافرين نحو فرنسا ومعلومات مفصلة عنهم بمجرد حجز التذكرة وليس لدى صعودهم إلى الطائرة كما يجري راهنا، بهدف تحديد الخطر سلفاً بناء على المعلومات الخاصة بكل راكب.

ويفرض القانون الفرنسي على شركات النقل الجوية التي ترغب في تنظيم رحلات نحو فرنسا انطلاقا من البلدان المصنفة خطرة، دفع غرامة 50 ألف أورو، في حال مخالفة الاجراءات الامنية.

وتستعد فرنسا الى الطلب من سلطات حفظ االمن في منظومة الاتحاد الاوروبي الحذز حذوها في شأن التشدد في تطبيق اجراءات الامن.

ويظهر ان الحكومة البريطانية تتجه هي الاخرى الى مراجعة اجراءاتها الامنية عند مرافقها الجوية، على رغم انها تتبع منذ تفجيرات انفاق المترو في السابع من تموز (يوليو) 2005، نظاما شديد الصرامة في ما يتعلق بأمن الركاب والرحلات الجوية الآتية إليها والمغادرة منها يفوق المعايير التي يوصي بها الاتحاد الأوروبي.

تفشي الاصولية

واكد الديبلوماسي الغربي البارز العامل في بيروت انه بالنظر الى تفشي الظواهر الاصولية في عدد من المناطق اللبنانية وطبيعة الاجراءات الامنية المتخذة في مطار بيروت الدولي، اضافة الى البيئة الجغرافية والسياسية والحزبية التي يقع فيها حرم المطار، وضعت عدد من وكالات حفظ الامن الدولية، من بينها الاميركية والفرنسية والبريطانية والالمانية والاسبانية واليونانية والقبرصية، تقويما جديدا للوضع الامني اللبناني يرتكز تحديدا على المخاطر المتأتية من تفشي مجموعات اصولية بعضها على ارتباط –لو طفيف- بتنظيم "القاعدة" او بالافكار التي يسوقها هذا التنظيم عبر منتديات الكترونية باتت في متناول عدد من المجموعات المتطرفة التي تتخذ من مناطق نائية ومن عدد من المخيمات الفلسطينية، كعين الحلوة والبداوي، ملاذا لها تنمّي فيها قدراتها التنظيمية ولوجستيات التمدد والتخفي في بعض الاوساط الفقيرة.

وكشف المصدر ان عددا من وكالات حفظ الامن الغربية يستعد الى ارسال وفود استخبارية لتقويم الوضع ميدانيا والتواصل مع الاجهزة الامنية والاستخبارية اللبنانية بهدف التضييق على هذه المجموعات وشل مخططاتها، والاهم منع انتقالها الى خارج لبنان وتحديدا الى بعض الدول الاوروبية القريبة كقبرص واليونان، من خلال استعمال مطار بيروت الدولي ممرا لها خروجا او دخولا.

وربطت مصادر استخبارية الإجراءات الأمنية المشددة في حق اللبنانيين الخارجين من مطار بيروت، بـ "نشاطات إرهابية محتملة" في لبنان في ضوء التقارير المتوالية عن دخول عناصر من "القاعدة" إلى المخيمات الفلسطينية آتين من دول عربية، اضافة الى النفوذ الذي لـ "حزب الله" في البيئة الجغرافية والسياسية التي يقع فيها مطار بيروت، الى جانب نفوذ الحزب في المؤسسات الأمنية اللبنانية وفي داخل اجهزة المطار.

مراقبة مسار

وتجهد اجهزة امنية واستخبارية في متابعة المسار الذي سيسلكه مئات من عناصر "تنظيم القاعدة" في افغانستان واليمن ومن جماعات سلفية تتعاون معهم، بدأوا منذ منتصف كانون الاول (ديسمبر) 2009 مغادرة الدولتين، مع بداية الحملتين الدوليتين المركزتين على هذا التنظيم المتحالف مع "حركة طالبان" الافغانية على حدود باكستان وفي بعض المناطق اليمنية.

وتعتقد هذه الاجهزة ان تضييق الخناق على تنظيم "القاعدة" إضطره الى ابعاد المئات من عناصره من افغانستان واليمن الى عدد من الدول حيث هناك حاضنة ديموغرافية تمكّن هؤلاء من الذوبان في هذه البئيات الحاضنة، ومنها ما هو متوافر في الصومال والسودان ولبنان.


الأحد، 3 يناير 2010

Sphere: Related Content

الجنوب عاد الى البحث داخل تل ابيب في ضوء البيان الوزاري للحكومة

2010: حرب اسرائيلية كبيرة وحروب فلسطينية صغيرة؟!

تل ابيب تتصوّر محورا من اسلام شيعي وجهاد سني ونظام علماني

ينشر في "الاسبوع العربي" في 11/1/2010

حملت السنة الجديدة – الوليدة من سلفها العناوين اللبنانية نفسها الشائكة والمرشحة لمزيد من التفاعل السلبي في عنوان سلاح "حزب الله"، ذلك ان قوة الرعاية العربية باتت تمنع الافرقاء المحليين من المس بأي من العناوين الخلافية التوتيرية على مستوى العلاقة الشيعية – السنية، وتاليا اضحى الخلاف الحزب اللوي –القواتي – الكتائبي هو اقصى حدود اي نقاش لبناني. لكن المخاطر الاكثر الحاحا باتت تنبثق من أي مغامرة اسرائيلية جديدة ضد لبنان مرتبطة بإنتهاء المهل الدولية المعطاة لايران في ملفها النووي بين آذار (مارس) ونيسان (ابريل) المقبلين.

أعاد الخرق الخطر في قلب المربع الامني لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت، بإستهداف مقر لحركة "حماس" في السابع والعشرين من كانون الاول (ديسمبر) 2009، بالتزامن مع خروق متفرقة ولا سيما لجهة العثور على صناديق مليئة بمادة الـ "تي ان تي" جنوب بلدة الخيام والاشكالات في مخيمي عين الحلوة والجليل والنار تحت الرماد في البداوي، الامن الى صدارة الاهتمام.

وزاد في مخاطر خرق الضاحية تزامنه مع وعيد اسرائيلي بحرب شاملة او موضعية، واخرى استخبارية - امنية تشمل لبنان و"حزب الله"، في موازاة تشديد تل ابيب عبر اجهزة استخباراتها الخارجية الرقابة التقنية والرقمية على حركة الجاليات اللبنانية، وخصوصا الشيعية منها، في افريقيا، بزعم مراقبتها واعتراض مسار اي دعم لوجستي او فعلي لـ "حزب الله"، مستخدمة انظمة استخبارية – معلوماتية معقدة كالمشروع المكنّى "عوامل وضع نماذج لحسابات الخصوم" والذي طورته جامعة ميريلاند بتمويل من وزارتي الدفاع والأمن الداخلي الأميركيتين والذي يمكّن التنبؤ بتصرفات منظمات مثل "حزب الله" وحركة "حماس"، ويقدم نموذجا لتصرف المنظمات المعنية بعد تزويده قاعدة بيانات ومعلومات فورية عن هذه المنظمات.

حرب لرد العزلة

وثمة اعتقاد ديبلوماسي، اقرب الى اليقين، أن اسرائيل تبحث عن حرب جديدة تخرجها من عزلتها، وتحشد حلفاءها الغربيين خلفها، قد يكون لبنان المساحة الانسب لإطلاق شرارتها في السنة الجديدة، في حين ان الادوات جاهزة داخل مخيمات اللاجئين وخارجها، وعبر مجموعات سلفية – قاعدية مخترقة وجاهزة لتنفيذ العمليات – الذرائع في اي وقت.

وفي هذا التلميح الديبلوماسي اشارة الى التقارير الواردة عن تحرك لمجموعات فلسطينية واصولية في بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين هدفها الاخلال بالامن وتنفيذ عمليات ارهابية مرتبطة بفكر "القاعدة، كنذر لتحرك اصولي جديد لإستهداف القوة الدولية المعززة العاملة في الجنوب او وحدات الجيش اللبناني او اطلاق صواريخ على شمال اسرائيل.

وكانت معطيات امنية لبنانية قد اشارت الى محاولات لعناصر من تنظيم "القاعدة" التسلل إلى لبنان، من باكستان ودول عربية عبر الحدود السورية وحتى عبر المطار، للقيام بأعمال ضد مصالح رسمية وأخرى غربية، من بينها استهداف القوة الدولية، على ان هذه العناصر تسعى الى الاختباء في مخيم عين الحلوة للتدرب ولتعلم تركيب العبوات الناسفة.

تحرشات

ولا يستبعد الديبلوماسيون، تأسيسا على هذا الانطباع اليقيني، المزيد من الاستفزازات والتحرشات الاسرائيلية لسوريا من خلال تفجيرات جديدة، ولـ "حزب الله" وحركة "حماس" عبر اغتيالات نوعية لقادة وسيارات او طرود مفخخة في قطاع غزة وبيروت، وهذا هو السلاح المفضّل لأجهزة الاستخبارات الخارجية الاسرائيلية التي طالما اجادت استخدامه منذ مطلع الخمسينات من القرن العشرين، مباشرة او عبر شبكاتها المزروعة، المنشَّطة وتلك النائمة.

ولا يناقش الديبلوماسيون في واقعة ان لبنان عاد الى البحث الاسرائيلي تحت عنوان وضع الحدود الشمالية وتحويلها جبهة حربية في ظل ما تعتبره اسرائيل ارتفاعا في المكانة السياسية لـ "حزب الله" داخل لبنان وتعاظم قدراته العسكرية، والدور الايراني الكبير في المنطقة عموما ولبنان خصوصا.

ويشير هؤلاء الى ان تل ابيب "تعتبر ان الوضع في لبنان يُبرز ازدواجية خطرة حيث يعمل جسمان عسكريان في مكان واحد لكن من دون قائد مشترك، فيما تعطي الحكومة شرعية لـ "حزب الله" لتعزيز قدراته العسكرية والتمسك بسلاحه في مقابل التعاون مع الجيش اللبناني". لذلك ترى تل ابيب قرار حكومة سعد الدين الحريري الاعتراف بشرعية الجناح العسكري لـ حزب الله" او ما يعرف بالمقاومة الاسلامية، مؤشر الى ان "لبنان ماضٍ في اتجاه "الحزبلة" لا ان الحزب ذاهب في اتجاه اللبننة". لكن تل ابيب تستدرك ان هدوء الجبهة الجنوبية ناتج من قرار ايراني واضح يدفع الحزب الى مزيد من الانخراط في الحراك اللبناني – المجتمعي، في موازاة عمل دؤوب على تعزيز قدرات جناحه العسكري في انتظار اللحظة التي قد يتوجب فيها تحريك الترسانة الكبيرة التي يمتلكها الحزب، في اشارة الى دوره في اي حرب اسرائيلية – اميركية على ايران.

الجنوب مجددا

ولا يخفي الديبلوماسون قلقا بالغا من اي تحريك للجبهة الجنوبية، انطلاقا من مجموعة مصالح اسرائيلية – ايرانية تتلاقى عليها حدثياً وتوقيتاً العاصمتان اللدودتان، في حين تنحو تل ابيب الى اعتبار دخول "حزب الله" حكومة الحريري وتبنيها سلاحه، يعني حكما "ان لبنان كدولة هي الاخرى انضمت الى محور الشر".

وكانت تقارير استراتيجية وبحثية اسرائيلية قد اعتبرت ان "وضعية حزب الله راهنا ومواصلته توثيق علاقاته بسورية وايران وحركة حماس تشكل مكمن الخطورة"، و"ان انجازات حزب الله في حرب العام 2006 وسلسلة الضربات التي تلقاها بعد ذلك كل اعضاء محور الشر، ساعدا على توثيق العلاقة بين حزب الله واطراف محور الشر الاخرى الى درجة ان التعاون بينهم اصبح مذهلا".

وتحدثت عن "شراكة حميمة في تطوير الوسائل القتالية بحيث ان التطوير يتم في ايران والانتاج في سوريا، ثم تهرّب وسائل القتال عبر مسالك مشتركة لكل الاعضاء انتهاء بلبنان او سوريا". وتخلص الى ان "الربط في تل ابيب قائم بين اسلام شيعي متطرف (حزب الله) وجهاد سني (حركة حماس والمجموعات الجهادية – السلفية) ونظام علماني (سوريا)، وهو الربط الذي يرى في كل المتبقين تقريبا عبدة اصنام".

متغيرات ثقيلة

ويقول مسؤولون لبنانيون ان المتغيرات الاقليمية، ترمي بثقلها على الحكومة من زاوية التحضيرات الجارية سلما او حربا، وثمة تصور بأن انقرة التي تتمسك دمشق بوساطتها بينها وبين اسرائيل، تسعى الى التمدد بهذه الوساطة، كي تشمل لبنان في الوقت الملائم.

ويعتبر هؤلاء ان من غير المسموح ان يتفاجأ لبنان بأي من التطورات الاقليمية، لذلك ستسعى الحكومة كي تكون حاضرة للتفاعل، قدر الامكان والمتاح، مع هذه التطورات، انطلاقا من ضرورات عدة سياسية واقتصادية، في مقدمها تصليب الوحدة الوطنية وتحييد الملفات الخلافية وحصرها ضمن جدران طاولة الحوار التي يرعاها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ذلك ان هذا التحييد من شأنه الحد من المشاحنات اللبنانية التي عادة ما توظفها اسرائيل في حروبها الاستخبارية والامنية او في تلك العسكرية.

لذلك، سيكون الجنوب، المساحة الاكثر حساسية، محور زيارات رسمية لمسؤولين كبار في مقدمهم رئيس الجمهورية، لتأكيد وحدة الدولة سياسيا وجغرافيا، ولمخاطبة عواصم القرار بأن الجنوب كان ولا يزال جزءا لا يتجزأ من الكيان، وما يصيب بعض الكيان يصيبه كله.

بالتقاطع، ثمة يقين دولي ان تثبيت الأمن في المنطقة الحدودية يحمي لبنان ويقطع الطريق على اسرائيل للقيام باعتداء جديد.

لذلك تواصل الديبلوماسية الأوروبية للدول المشاركة في عداد القوة الدولية المعززة في الجنوب، استفسارها عن احتمال وقوع حرب اسرائيلية جديدة ضد لبنان، سواء من خلال البعثات الاسرائيلية المعتمدة في عواصمها، او من خلال بعثاتها المعتمدة في تل ابيب والقدس التي ظهر من تقاريرها ان معظم المعلومات الواردة في هذا الشأن مبالغ فيها وغير واقعية، وان ثمة ارتياحا في تنفيذ بعض بنود القرار 1701 وما وفره من هدوء واستقرار على الحدود الشمالية مع لبنان، وذلك خلافا للتصريحات النارية التي يطلقها بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين الاسرائيليين.

غير ان عددا من السفراء يبوحون بالقليل من معلومات توحي ان الحرب الكبيرة آتية، وستشمل أهدافا حكومية ومنشآت حيوية، ولن تقتصر على "حزب الله"، وهي تاليا ستكون نسخة متطورة عن حرب العام 2006.

ويتقاطع هذا الانطباع مع ما خرج به رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط من لقائه بالوفد الدرزي الذي جاء من اسرائيل والتقاه في قبرص نهاية كانون الاول (ديسمبر)، بعدما ابدى الوفد تخوفا من حرب اسرائيلية على لبنان.


الأحد، 27 ديسمبر 2009

Sphere: Related Content

التعكيرات التي تلت زيارة الحريري لدمشق اثارت الخوف من اعتراضات عنفية على التحولات

كمائن مؤجلة في مناطق ذات خصوصية ديموغرافية ومذهبية؟!

زيارة الحريري لدمشق محصّنة بالتفاهمات ولأنها جزء من مشهد كليّ

ينشر في "الاسبوع العربي" في 4/1/2010

إرتحل العام 2009، الذي اثمل اللبنانيين ازمات متسلسلة وبعضا من نوافذ الامل، على حدث زيارة سعد الدين بن رفيق الحريري الى دمشق. حدث كان لاشهر مضت ضربا من خيال وسوريالية، وأمْلته التفاهمات العربية وضرورات الانتظام في سياقها، وتحوّل عنوانا سياسيا عريضا للسنة الجديدة.

على امتداد الاسابيع السابقة والممهدة لزيارة رئيس الحكومة سعد رفيق الحريري لدمشق والتحضيرات التي تولتها الرياض من ألفها الى يائها، لم تغب الهواجس من تعديات سياسية او امنية على الزيارة، تسبقها لمنعها او ارجائها، او تليها لإحباط نتائجها وإظهار رئيس الحكومة عاجزا عن اقناع جمهوره بجدوى ما أقدم عليه.

الحادثتان الامنيتان اللتان اعقبتا الزيارة، من إحراق مركز لحزب البعث العربي الاشتراكي في الكولا ليل السبت في التاسع عشر من كانون الاول (ديسمبر) بالتزامن مع توجه الحريري الى العاصمة السورية، الى استهداف الباص السوري في دير عمار ليل الاحد في العشرين من الشهر ذاته، بعد مضيّ اقل من 12 ساعة على انتهاء الزيارة، صنّفا، في الاتهام السياسي، اعتداء عليها وعلى ما خرجت به من تفاهمات وآمال عريضة بتغيّر في المقاربة السورية للبنان وفي التعاطي اللبناني مع سوريا.

ولئن اظهرت التحقيقات الاولية ان حادثة دير عمار شخصية بحتة، بعدما اعترف سائق الباص السوري بخلافه مع مجموعة من اللبنانيين على اقتسام عائدات عمليات تهريب للبضائع والمازوت، فإن المواقف الذي تلت الحادثة اعادت الى الواجهة موجات "الاتهام السياسي"، خصوصا ان الحادثتين في توقيتهما وموضعهما الجغرافي والديمغرافي، معطوفتين على ردود الفعل السياسية والمتابعات الديبلوماسية الحثيثة، حملتا الكثير من المؤشرات على ما قد ينتظر او يتوقَّع للاستقامة المستجدة في العلاقة اللبنانية – السورية، او بالتحديد العلاقة بين سوريا ورئاسة الحكومة اللبنانية، ومن ورائها اهل السنة والجماعة وجمهور رفيق الحريري.

اختراقات للتشويش

أشّر الاستنفار الدبلوماسي والسياسي والأمني الذي أعقب الحادثتين وقبل ظهور حقيقة باص دير عمار، الى ان التعاطي معهما قام على قاعدة جرمية –لبنانية وسورية بشهادة وزير الخارجية وليد المعلم- بإعتبار انها خطرة في أبعادها ودلالاتها، وصولا الى تشبيه اطلاق النار على الحافلة بأنه اطلاق نار سياسي على زيارة الحريري ومصالحته مع الرئيس السوري بشار الاسد.

وعلى هذه القاعدة الجرمية والشكوك في احتمال تسجيل اختراقات امنية خطرة للتشويش على المستجد في العلاقة مع سوريا، ثمة من حلفاء دمشق من يجزم ان هناك جهات متضررة من الوضع المستجد القائم على اطلال وضع (معاد) معاكس كليا ساد الاعوام الاربعة الفائتة، لم يحلُ لها انقلاب الخصومة تطبيعاً، ولن تتوانى عن التشويش والتعكير بالسلاح الامضى لديها أي الامن، في استعادة لتطورات امنية وحوادث تفجيرات وقعت في تواقيت مشبوهة ووُظفتها الجهات المتضررة من الاستقرار محليا وخارجيا، لجعل لبنان تحت وصاية دولية. وليس انجع من رسائل الاعتراض والاحتجاج السياسية، افتعال مشاكل في مناطق ذات حساسية فائقة ديموغرافية ومذهبية، مؤهلة كي توصل الرسالة الاعتراضية بالبريد المضمون والسريع.

الكمائن اللاحقة

لكن لماذا كل هذه الهواجس المتنبئة بإمكان حصول اختراق امني؟ ولماذا رُبطت حادثة دير عمار، قبل تكشف الدوافع والخلفيات، بإحراق مكتب حزب البعث؟ ولماذا ثمة "حدسا" بإعتداء سياسي ممكن على زيارة الحريري لدمشق، عبر حلقات مترابطة بدأت بحادثة الكولا وقد لا تنتهي معها؟

في اعتقاد بعض المراقبين ان:

-الكمائن السياسية نُصبت مبكرا لمصالحة الاسد – الحريري، لكن قد يكون ارتُئي ارجاء الافصاح عنها لما بعد الزيارة لجملة عوامل، في مقدمها انها ستكون اكثر فاعلية ونجاعة في ما لو تم الاجهار بالكمين بعد المصالحة.

-لهذه الكمائن المفترضة اهمية بالنسبة الى الجهة (او الجهات) الفاعلة كون تنفيذها سيكون بمثابة اشهار بولادة حال اعتراضية عنفية شبيهة بحالات الاعتراض زمن طرابلس السبيعنات والثمانينات، تمكنها من فتح خطوط تواصل واتصال مع جهات على الموجة نفسها خارج الحدود.

-بعض المناطق، وخصوصا المترامية الأطراف والمتصلة بمحيط فلسطيني (تخوم مخيمات اللاجئين) والتي يتداخل فيها النشاطان الفلسطيني والأصولي - السلفي وحال من التطرف وصلت أحيانا حدّ استهداف الجيش اللبناني، وكذلك المناطق الموجودة في قلب مساحات ديموغرافية تدين بالولاء لتيار "المستقبل" ولسعد الحريري والتي سبق ان شهدت حالات اعتراضية عنيفة على مسار العلاقة مع سوريا بين العامين 2005 و2008، كلها مناطق قد تكون مرشحة بفعل التركيبة السياسية والاجتماعية والحزبية، لكي تصبح مرتعا للاختراقات الامنية المتوقعة والمتخوَّف منها، بغرض التشكيك بزعامة سعد الحريري كل جمهور تيار "المستقبل"، واستطرادا وضع هذا الجمهور في مواجهة مع التحولات التي يقودها رئيس الحكومة بتشجيع ودعم واحتضان من الرياض.

تفهّم ولا تضخيم

في المقابل، ثمة من يعترض على تضخيم الهواجس الامنية وتصوير اي حادثة انذارا مبكرا الى خطر أمني يتربص بعلاقة الحريري مع سوريا، انطلاقا من اي من الحوادث التي حصلت سواء في احراق مكتب حزب البعث في طريق الجديدة، او في ظواهر اطلاق النار في اكثر من منطقة لا تعكس حالا اعتراضية واسعة في الشارع السني، المتفهّم (تعبير ادق من "المتقبّل")، لخطوات الحريري الابن من جهة اولى، ولموجبات التفاهمات العربية الشاملة التي تتعدى لبنان بجزئيات مشاكله واحداثه الى مجمل العناوين على مستوى الاقليم من جهة ثانية، ولموجبات انتقال الحريري من الزعامة الى رئاسة الحكومة مع ما يفترضه هذا الانتقال من تموضع وتحوّل ومداراة من جهة ثالثة. اضافة الى ان الاسابيع او الاشهر التي سبقت الزيارة كانت كفيلة بالتمهيد لها وتسويقها في وجدان جمهور تيار "المستقبل"، وخصوصا في ظل التركيز على ان اولوية تهديد الكيان انتقلت من مكان الى آخر، بعدما نجحت الرياض في استيعاب دمشق.

لا تغطية

تأسيسا على ذلك، تعتقد وجهة النظر هذه ان اي اختراق امني مهما علا شأنه (بما فيه الاغتيالات والتفجيرات الكبيرة) لن يجد تغطية سياسية او تبريرا، فالحريري نجح في نسج غطاء شامل قبل انتقاله الى دمشق، وفي استيعاب التحفظات عن الزيارة علما ان حلفاءه من مسيحيي قوى الرابع عشر من آذار اعترضوا على شكل الزيارة وتوقيتها لا على مضمونها والدوافع الآيلة الى خطوة مماثلة، وتاليا لن تجد هذه الحوادث مساحة سياسية خصبة لتلتحف بها او تستظلها.

وتعتبر ان عمق التفاهم الذي بلغته العلاقة السورية - السعودية انعكس مباشرة على زيارة الحريري الى دمشق ونتائج محادثاته مع الرئيس السوري بشار الاسد، وان المناخات الايجابية التي تمخضت عنها الزيارة ستدفع في المقابل الى مزيد من الايجابية في العلاقة السورية - السعودية وحتى في العلاقة السعودية - الايرانية. اما بعض القوى المتحفظة أو غير المتحمسة للزيارة فلديها قدرة المشاغبة لكنها لا تمتلك القدرة على فرض انقلاب على النتائج أو المسار الذي رسم، أو القدرة على التعطيل.

وترى وجهة النظر هذه ان زيارة دمشق تحوّل استراتيجي في العلاقة بين البلدين، ما يجعلها محصّنة في وجه خروق امنية مهما علت قيمتها او كبّر حجمها واستهدافاتها، واستطرادا تشكل هذه الزيارة جزءا من مسار عام على مستوى المنطقة، ومساحة تلاق محلي واقليمي ودولي بمفاعيل استراتيجية تمتد سنوات وربما عقودا، ولا ترتبط بحسابات محلية محدودة، ما يصعّب القدرة على اختراقها، ويجعلها جزءا من مشهد كليّ يخطّ بدايات شرق اوسط جديد يقوم على انقاض القوميات المهدَّدة والايديولوجيات المغلقة والثيوقراطيات المترنحة، وهو ما افصح عن بعض جوانبه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في زيارته الاخيرة لدمشق في الثالث والعشرين من كانون الاول (ديسمبر)، معلنا عن مجلس للتعاون الاستراتيجي عالي المستوى "ليس فقط بين سوريا وتركيا، وإنما بين تركيا وسوريا والعراق ولبنان، وبذلك ستتحول المنطقة كلها منطقة سلام".

الأحد، 20 ديسمبر 2009

Sphere: Related Content

زوارها يؤكدون انها استخلصت عِبر 30 عاما من الاخطاء والتشوهات

دمشق راجعة: مأسسة ومكتب رئاسي وقفازات بيضاء!

القرار 1559 اخرج سوريا من لبنان والحاجة الدولية أعادتها!

ينشر في الاسبوع العربي في 28/12/2009

قد تكون الاعوام الاربعة الفائتة صفحة استثنائية عند بدء تأريخ الاحداث اللبنانية، لما احتوت من تطورات دراماتيكية وتناقضات وإفرازات سوء الفهم والهضم والضمّ. هي، ببساطة، انتهت من حيث بدأت، بمعنى انها شكّلت خلاصة (غير مستفادة؟) من ثلاثة عقود من التجاذب حول موقع سوريا في المعادلة اللبنانية ودورها ومفهوم هذا الدور، وأثبتت لعواصم القرار قدرة اهل لبنان على تفويت الفرص وقصورهم في حكمه بمعزل عن مفهوميّ الرعاية والحضانة، وربما الحضن الحنون ومتلازمة استوكهولم حيث يتملك الرهينة شعور التعاطف حيال خاطفها!

كرّست الاشهر الاربعة الفائتة، منذ قمة الكويت والمبادرة التصالحية التي اسس لها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، عودة سوريا الى لبنان بعد اربعة اعوام من خروجها العسكري (لا السياسي)، وصلت في خلالها العلاقة الثنائية الى أدنى مستوياتها تحت وطأة درجات حادة من التشنج والتوتر والعدائية.

كان وليد جنبلاط أفضل من وصّف الخروج السوري في نيسان (ابريل) 2005، حين قال ذات يوم من ايامه "المجيدة" في "ثورة الارز": "القرار الدولي ١٥٥٩ قتل الرئيس رفيق الحريري، ودم الحريري أخرج السوريين".

خرجت سوريا بقرار اميركي - فرنسي ترجمته قمة النورماندي في حزيران (يونيو) 2004، ووليدها القرار 1559، وكرس خروجها فقدانها الغطاء المصري - السعودي، لتعود، بعد اربعة اعوام، من الباب العريض بتسليم عربي واقليمي وبلا ممانعة اميركية وبحماسة فرنسية، ونتيجة قصور اللبنانيين عن اثبات قدرتهم على إدارة بلدهم بلا مظلات او حاضنات او صفقات.

تعود سوريا سياسيا وليس في حسابها او بالها العودة عسكريا بعدما ثبت لها ان أثمان التموضع الجديد أجدى وبكلفة أقل، ويوفر عليها الكثير من الاحراجات والمشقات، لا بل يؤمن لها موارد سياسية بمباركة دولية.

المشهد اللبناني المتشظيّ الى تغيير واضح المعالم والاتجاهات: الانتقال من الانهيار والتصادم والتصدّع الى هدوء استثنائي واستقرار نسبي، وربما مستدام، الا إذا اتت الرياح الاسرائيلية بما يعاكس أشرعة هذا التهادن اللبناني. اما الاصطفاف العمودي بين معسكرين فآيلٌ الى التحلل تدريجا، بفعل انتظام غالبية مكونات هذا الاصطفاف تحت مظلة التفاهم السوري – السعودي.

نقطة التحوّل

تتراكم عناصر العودة السياسية تباعا وبإطراد ودون عناء كبير، منذ اتفاق الدوحة الذي كان نقطة التحول في مسار الوضع الداخلي وميزان القوى السياسي، وتكرّسه تلاميح لبنانية بدءا من التحول الدراماتيكي في سياسة وليد جنبلاط، مرورا بعودة التواصل بين القيادة السورية ورئيس الحكومة سعد الحريري الذي توجته زيارة الحريري الابن الى دمشق، وليس انتهاء بالاحتشاد الرسمي والسياسي في القرداحة للتعزية بشقيق الرئيس السوري بشار الاسد ولا تخفي الاعتبارات الانسانية واللياقات الاجتماعية الأبعاد والمعاني السياسية في هذا الدفق، كمؤشر الى ان اللبنانيين يعودون الى سوريا في موازاة عودة سوريا الى لبنان، وهو ما فاخرت به صراحة صحيفة "الوطن" السورية بحرصها على إيراد الملاحظة الآتية: "حسب شهود عيان فإن الطريق التي تربط الحدود اللبنانية شمالاً بمدينة القرداحة كانت غاصة بالوفود اللبنانية الآتية لتقديم العزاء للسيد الرئيس بشار الأسد وعائلته"!

إذن، عاد الوضع عند المنفذين الحدوديين الرئيسين شرقا في المصنع وشمالا في العبودية، الى ما كان عليه قبل شباط (فبراير) 2005، لكن بلا الخط العسكري الشهير الذي صوّب عليه جنبلاط مرارا في ذلك العام لإقفاله، كرمز لطيّ مرحلة وبدء أخرى!

لماذا؟

عوامل عدة ساعدت دمشق على فلاحها في تحقيق ما حضّرت له منذ لحظة ان قررت إخراج جيشها في نيسان (ابريل) 2005:

أ-هي نجحت في كسر عزلتها الدولية والعربية عبر نسج علاقة تعاون وتفاهم استثنائيين مع باريس، وارساء حوار "نديّ" مع واشنطن، وصوغ تحالف استراتيجي مع انقرة، وتحقيق مصالحة مع الرياض، من دون ان تتخلى عن أي من تحالفاتها وأوراقها في الاقلي، وخصوصا في ما خص العلاقة مع طهران.

ب-هي نجحت في استعادة زمام المبادرة في لبنان وفي اظهار حجم نفوذها وتأثيرها المستمرين، وفي تأكيدها ان دورها المحوري لا تستمده من وجود عسكري، انما من عوامل أخرى ثابتة جيوبوليتيكية وتاريخية واقتصادية واجتماعية. فقدّمت اليسير من الاثمان لتحصد ثمارا لم تكن لتحصدها لو ظلت على النسق ذاته الذي كانت عليه على امتداد عقودها اللبنانية الثلاثة.

ج-هي اتكأت، كعامل مساعد، على ما نسجت طيلة وجودها في لبنان من قاعدة سياسية وأمنية وشبكة علاقات ومصالح. فأسهم كل ذلك في تعويض ما خسرته، لا بل جعلت عواصم القرار تتراكض اليها لكي تكون عاملا مسهلا في الاستحقاقات اللبنانية لتنال الثناء والمكافأة والاشادة، بعدما كانت هذه العواصم ذاتها قد تراصت في وجهها لمنعها من التدخّل في الشأن اللبناني (القرار 1559)!

د-لكن العودة السياسية الى لبنان لم تكن لتتم بهذه السرعة والزخم لولا متغيرات مساعدة أفادت منها دمشق التي طالما احسنت سياسة حافة الهاوية وكسب الوقت والنفس الطويل وانتظار المتغيرات وإلتقاط الفرص. هي سارعت الى توظيف المتغيرات الدولية والاقليمية وارهاصاتها اللبنانية، فواءمت خطواتها على ايقاع هذه المتغيرات، وتحديدا منذ بدء مفاعيل تقرير بيكر – هاملتون ليكرَّس بفوز باراك أوباما حاملا أولويات جديدة. وهي برعت في الاستثمار في تقدم الهاجس الأمني في العالم العربي على ما عداه، ونجاح اليمين الاسرائيلي في تسلّق الحكم، وتعطل عملية السلام، وتعاظم النفوذ الايراني في الاقليم.

كما برزت معطيات لبنانية جديدة فرضها اتفاق الدوحة، فنجحت دمشق في إبراز تدخّلها الايجابي والمسهّل في انجاز الاستحقاقات المتلاحقة من انتخابات الرئاسة الى الانتخابات النيابية وفوز قوى الرابع عشر من آذار (مارس)، ومن ثم تشكيل الحكومة، وقبلها "الاستجابة" الى المطلب الدولي إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان.

العودة بقفازات بيضاء

لكن هل تكون العودة السورية الثانية على شاكلة دخولها الاول، أم ان دمشق إعتبرَتْ مما شاب إدارتها اللبنانية من اخطاء ومصالح وإقتسام للمغانم والمنافع؟

يجمع زوار دمشق ان القيادة السورية استخلصت الكثير من عِبر العقود الثلاثة، وخصوصا لجهة تكليف جهات امنية ادارة جزئيات الملف اللبناني كانت السبب في الكثير من التشوهات التي اعترت هذه الادارة.

ويلفت هؤلاء الى ان آلية المقاربة الجديدة للشأن اللبناني اخذت في الاعتبار، اولا واخيرا، ضرورة مأسسة العلاقة اللبنانية – السورية على قواعد واضحة تقيها اي توظيفات او استثمارات جانبية او اي منافع شخصية برزت في الاعوام الفائتة على الضفتّين اللبنانية والسورية، وادت الى طغيان طبقة من المنتفعين شوهوا العلاقة الثنائية. وتعتبر دمشق ان اولى خطوات المأسسة تمثلت في تبادل العلاقات الديبلوماسية، على ان تليها خطوات اخرى لا تقل اهمية وخصوصا لجهة حصر العلاقة بين البلدين بالمؤسسات وبعدد من الشخصيات لا يزيد عددها عن اصابع اليد، على ان تكون اي اجتماعات ثنائية مع هذه الشخصيات على مستوى الرئاسة السورية حصرا.

ويكشف زوار دمشق ان حصر علاقة القيادة السورية مع هذه الشخصيات بقصر المهاجرين، ستواكبها مع اولى بدايات السنة 2010 خطوة وضع العلاقة الثنائية بإدارة مكتب رئاسي خاص يشرف عليه اللواء محمد ناصيف خير بك (ابو وائل) الذي يشغل راهنا منصب معاون نائب رئيس الجمهورية بمرتبة وزير، وفي عهدته ملفا العراق والعلاقة مع ايران، وسبق ان لعب دورا متقدما في تنظيم العلاقة بين دمشق وشيعة لبنان. كما تولى لفترة طويلة ملف العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية، وكان من ضباط الأمن القلائل الذين يسمح لهم بالالتقاء بخبراء من مراكز أبحاث أوروبية ومن الولايات المتحدة الأميركية. ومن المقرر ان يشارك في اعمال هذا المكتب الرئاسي المستحدث وزير الخارجية وليد المعلم وربما ضباط رفيعون، كمثل رئيس اركان الجيش، على ان يكون الارتباط بقصر المهاجرين حيث القرار الاول والاخير، قرار مركزي وحصري لا شراكة جانبية فيه.

السبت، 12 ديسمبر 2009

Sphere: Related Content

الزيارة تحت سهام الموالاة والمعارضة واللوبي اليهودي والمحافظين الجدد

سليمان في واشنطن: طوْقُ اصقاعٍ اربعة!

الموالاة تنتقد والمعارضة تشْتبه والمحافظون يخشون نكسات الاشهر الستة!

ينشر في "الاسبوع العربي" في 21/12/2009

أتاح إستقرار المناخ السياسي المحلي، إثر إكتمال إنتظام المؤسسات الدستورية مع انطلاق عمل حكومة "الانماء والتطوير"، لرئاسة الجمهورية إعادة تفعيل حراك ديبلوماسي دولي، بدأه الرئيس العماد ميشال سليمان بزايرة سريعة لواشنطن، ستُتبع بسسلسة زيارات دولية.

زيارة رئيس الجمهورية لواشنطن هي الأهم من بين كل زياراته الخارجية هذا العام الذي شهد زيارتي دولة الى فرنسا واسبانيا. وهي تعقب زيارة أولى تزامنت مع بدء العد العكسي لولاية الرئيس السابق جورج بوش. كما انها تأتي –وفق مصادر رسمية- في ظل الحراك الإقليمي الدولي الحاصل واستندت الى شقين: سياسي يتعلق بالعلاقات اللبنانية - الأميركية من جوانبها كافة وعملية السلام، وعسكري يتعلق بالمساعدات العسكرية للجيش، في ضوء الأجندة المعدة مسبقا. واوضحت المصادر أن الرئيس سليمان اكد لأوباما رفض لبنان لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، ورفضه أي حل في المنطقة على حساب لبنان، على اعتبار أن لبنان بؤرة متفجرة ولا يجوز فرض حلول تكون على حسابه بما يؤدي إلى تهديد الاستقرار فيه، مذكرا في هذا الإطار بالأثمان الكبيرة التي دفعها لبنان في مواجهته للارهاب وخصوصا في مخيم نهر البارد، حيث سقط للجيش اللبناني فيه 160 شهيدا.

لكن على رغم اهميتها، لم تمرّ الزيارة الاميركية الثانية بيسر، بالإستناد الى موقف بعض حلفاء دمشق في بيروت والحملة التي تعرّض لها رئيس الجمهورية على امتداد الاسبوع الذي سبق السفر في الثاني عشر من كانون الاول (ديسمبر)، تماما كما بالاستناد الى موقف بعض اطراف قوى الرابع عشر من آذار (مارس). والفريقان اللذان عادة ما يختلفان على لون الماء، تقاسما الانتقاد للزيارة الرئاسية، لا بل هي رشقت من نوافذ عدة، بينها اللوبي الاسرائيلي العامل في واشنطن المتمثّل بمنظمة "آيباك" والمحافطون الجدد.

الرئيس ام وزيره الاول؟

لا يبدو بعض حلفاء سوريا مقتنعين بأن الزيارة هي تلبية لدعوة رسمية أميركية. فعلى رغم أنها كذلك في الشكل، إلا أنهم يتحدثون عن دور وزير الدفاع الياس المر بالإعداد لها عبر الطلب من أصدقائه في الإدارة الأميركية توجيه دعوة إلى سليمان. ويقول أحد المترددين إلى دمشق إن توقيت الزيارة غير موفق، لكونها تأتي بعد أسابيع قليلة على المناورات العسكرية المشتركة بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي وخصصت لمحاكاة حرب محتملة على لبنان وسوريا، وتأكيد عدد من جنرالات الجيشين أن المعركة المقبلة بين إسرائيل والمقاومة في لبنان لن تُحسَم لمصلحة الطرف الأول إلا بتدخل أميركي مباشر. ويشير الى أن سليمان يعرف جيداً، منذ أن كان قائدا للجيش، أن سقف المساعدات العسكرية لن يتجاوز تدريب عدد من الضباط والأفراد، وهو ما يتوافر في دول أقل تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية من الولايات المتحدة، وأقل عداوة مع جزء أساسي من الشعب اللبناني.

الزيارة والرسالة

ويقول بعض المراقبين ان الزيارة تأتي بعد ايام من الرسالة التي أرسلها 31 عضوا في مجلس النواب الأميركي الى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والتي ترمي الى إلزام الحكومة اللبنانية تطبيق القرارات الدولية ذات الارقام 1559 و1680 و1701. وينظرون الى هذه الرسالة على انها "فاتحة حملة واسعة النطاق، يبدأها مجلسا النواب والشيوخ، لمنع إيران من استخدام "حزب الله" في تصعيد عسكري ضد إسرائيل، لتحويل نظر المجتمع الدولي، عن إصراره على وقف البرنامج النووي الإيراني، والإفراج الفوري عن المئة مليون دولار المخصصة لتسليح الجيش اللبناني، والمئتين وعشرة ملايين دولار، المخصصة للقوة الدولية المعززة، من موازنة السنة المقبلة، كل ذلك من أجل تحقيق الأهداف الاميركية في دعم إجراءات دولية لنزع سلاح "حزب الله"، والتخلص من الأسلحة الإيرانية في لبنان". ويتحدث هؤلاء عن تحضيرات لوفد مشترك من النواب والشيوخ "لزيارة لبنان وسوريا في اوائل السنة المقبلة، لوضع حكومتيهما أمام مسؤولياتهما، لإنهاء ظاهرة "حزب الله" في لبنان، قبل أن يؤدي تعثر المساعي لوقف البرنامج النووي الإيراني، إلى تحويل طهران للاهتمام الدولي عن هذه المسألة، من خلال إصدار أمر (الى حزب الله وحركة حماس) لشن هجمات على إسرائيل، أو إشعال الساحة اللبنانية الهشة".

ويستند المعارضون الى أن النائب الجمهوري الأميركي مارك ستيفن كريك، الذي يقف وراء رسالة الكونغرس إلى كلينتون، سبق ان صرّح ان هذه الرسالة وصلت إلى الرئيس باراك أوباما، ليطرح مضمونها على الرئيس سليمان ويحضه على "اتخاذ إجراءات سريعة، لجمع طاولة الحوار تحت رئاسته، من أجل تحديد أولويات الدولة اللبنانية بوضوح، في مفاوضات تبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وتمنع الميليشيات المسلحة من اقتطاع أجزاء من أراضي البلاد، على حساب الشعب والجيش، وإلا فأن استمرار هيمنة "حزب الله" بالقوة على قرارات الدولة، "سوف يشجع أطرافاً إرهابية مماثلة في دول شرق أوسطية أخرى، على انتهاج خطط مماثلة، وهذا ما لن تسمح به الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وكل دول العالم الحر".

ويشير هؤلاء الى أن وفداً من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA يستعد لزيارة لبنان، حاملاً معه تصورات وخطط حول نزع سلاح "حزب الله"، استناداً إلى معطيات جديدة، تفيد أن إسرائيل لن تقبل باستمرار هشاشة الأوضاع على حدودها الشمالية مع لبنان.

طوّق نفسه؟

في المقابل، يعدد قياديون في قوى الرابع عشر من آذار (مارس) عددا من المآخذ التي حدّت حكما من الاندفاعة التي يرميها الرئيس من زياريته الاميركية. فهو استبقها بتطويق نفسه حتى يتجنب تقديم أجوبة عن أسئلة اميركية تتمحور كلها حول سلاح "حزب الله"، من خلال حصر زيارته بمؤسسة السلطة التنفيذية الأميركية، مغفلا مركزية مؤسسات السلطة التشريعية الأميركية وتحديدا في الكونغرس الذي لا يزال يرفض زيادة المساعدة للجيش اللبناني. ويرى هؤلاء ان واشنطن ردّت "إنقباض" جدول الزيارة الرئاسية الى رغبة سليمان في تجنيب نفسه اتخاذ مواقف تتصل بملفي "حزب الله" وإيران، ويكون بذلك قد ابقى علاقاته جيدة مع الإدارة الأميركية وجنّب نفسه وجع الرأس لدى عودته الى بيروت. ويعتقد هؤلاء ان لبنان سيتضرر من هذا "الخواء" الرسمي اللبناني في واشنطن، خصوصا ان تقديرات الادارة الاميركية تشير الى ان الرئيس حيّد نفسه، فيما كان يمكنه التأثير ايجابا في بعض جوانب القرار الاميركي لو فعّل جدول زيارته، الامر الذي من شأنه أن يرفع منسوب تهميش الملف اللبناني في الولايات المتحدة الأميركية.

اللوبي ايضا .. والمحافظون الجدد!؟

اما اللوبي الاسرائيلي فإستبق الزيارة بمقالة تحليلية نشرت في مجلة "أسبوعية يهود واشنطن"، الناطقة غير الرسمية بلسان لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، أعرب فيها الرئيس السابق للشؤون القانونية في المنظمة دوغلاس بلومفيلد، عن امتعاضه من "زيارة سليمان إلى واشنطن ونيته طلب زيادة المساعدة الأميركية للحكومة التي أطلقت العنان لمجموعة إرهابية مسؤولة عن قتل المئات من الأميركيين، وسمحت بشن حرب على إسرائيل"، مشيرا إلى أن "الحكومة اللبنانية اعترفت

بحق "حزب الله" في تحرير الأراضي المحتلة (من إسرائيل)، بالطريقة التي يراها مناسبة".

ويرى ديفيد شينكر، مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في تقدير سياسي – استراتيجي نشره المعهد في التاسع من كانون الاول (ديسمبر) بعنوان "سليمان يجتمع مع أوباما في الوقت الذي يواجه حلفاء واشنطن اللبنانيين أزمة في بلادهم"، ان موضوع التمويل العسكري الأميركي للبنان يسلط الضوء على التطورات الأخيرة في السياسة اللبنانية والتي تشير إلى العودة المجددة لـ "حزب الله"، وداعماه السوري والإيراني، في بيروت. وعلى رغم أن تحالف 14 آذار (مارس) الموالي للغرب كان قد حقق انتصاراً كبيراً في انتخابات حزيران (يونيو) المنصرم، إلا أن الحكومة التي انبثقت بعد ستة أشهر من تلك الإنتخابات تشكل نكسة لواشنطن وحلفائها اللبنانيين. وقد لخص السفير السوري لدى الولايات المتحدة عماد مصطفى اخيرا مدى هذه النكسة – التي تشكلها هذه الحكومة اللبنانية على تحالف 14 آذار (مارس) والولايات المتحدة على حد سواء - حيث قال: "نحن معجبون بها! ... هي بالضبط نوع الحكومة التي نعتقد ينبغي أن تحكم لبنان".

ويعتقد شينكر انه في الأشهر الستة التي مضت منذ فوز تحالف 14 آذار (مارس) في الإنتخابات البرلمانية، تحول الزخم في الحياة السياسية اللبنانية مرة أخرى لمصلحة "حزب الله" وحلفائه. وسيتأرجح ذلك حتى بصورة أكثر في هذا الإتجاه في أعقاب زيارتي (سعد) الحريري و(وليد) جنبلاط إلى دمشق. وفي حين يعزز "حزب الله" مكاسبه السياسية، يقال انه يحسن أيضاً قدراته العسكرية. وعلى الرغم من قيام إسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) باعتراض السفينة "فرانكوب" - التي حاولت نقل نحو 500 طن من الأسلحة إلى "حزب الله" عبر سوريا- هناك اعتقاد واسع النطاق أن الميليشيات الشيعية قد حصلت على منظومات صواريخ روسية متقدمة من نوع "ستريلتس أس إي 24"، الحاملة لصواريخ "إيغلا أس"، وهي أسلحة مضادة للطائرات. وتعتبر إسرائيل هذه "المانبادز" (نظم الدفاع الجوي المحمولة يدوياً) بأنها "ستغير اللعبة".

وبعد أربع اعوام من قيام "ثورة الأرز"، من الواضح بشكل متزايد أن سوريا وحلفاءها قد استعادوا اليد الطولى في لبنان. ويبدو أن إدارة أوباما لم تفعل شيئاً يُذكر حتى الآن لوقف المد، ولكن بالنظر إلى المخاطر، يجب على واشنطن التحرك بسرعة لعكس هذا الاتجاه.

ويخلص شينكر الى ان "على واشنطن والمملكة العربية السعودية أن تتفقا على طريقة حل المشكلة"، مع اشارته الى ان "تحسين العلاقات مع دمشق - على حساب بيروت- لن يعزل الرياض من التهديد الإيراني وسيأتي بنتائج عكسية. لذا ينبغي على الإدارة الأميركية أن تحاول أيضاً إعادة تنشيط قيام الأمم المتحدة بمناقشة قرار مجلس الأمن رقم 1701، للفت الإنتباه إلى عدم الاستقرار المستمر المتعلق بنقل الأسلحة إلى الميليشيات الشيعية. وفي الوقت نفسه، ينبغي على واشنطن أن تسلط الضوء بالتعاون مع حلفائها الأوروبيين - وخصوصا بريطانيا العظمى – على لائحة الاتهام من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، ضد عضو اللجنة السياسية لـ "حزب الله" حسن حدرج المتهم بشراء أسلحة بإسم الميليشيا، وإن ألقاء القبض على حدرج ينبغي أن يؤدي وبصورة دائمية إلى وضع حد للرواية القائلة ان حزب الله مقسّم إلى أجنحة سياسية وعسكرية".

ويرى شينكر ان "على واشنطن أن توضح لدمشق أن استمرار التدخل السوري في لبنان - ودعم سوريا المستمر لـ "حزب الله" - إضافة إلى تقويض الإستقرار في العراق، سيمنع التقارب بين الولايات المتحدة وسوريا".